بيان الفرق { إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] [ سبب النزول | النسخ في الآية | المواضيع | الفضائل | الاعراب | المعاني | التفسير | الأحكام ] سبب النزول قوله تعالى: {إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ...}. [44]. أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الفارسي، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسن، قال: حدَّثنا محمد بن يحيى، قال: حدَّثنا عبد الرّزاق، قال: حدَّثنا مَعْمَر، عن الزُّهْرِي، قال: حدَّثني رجل من مُزَيْنَةَ، ونحن عند سعيد بن المُسَيِّب، عن أبي هريرة، قال: زنى رجل من اليهود وامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه نبي مبعوث للتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله، وقلنا: فُتْيا نبي من أنبيائك! فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، وهو جالس في المسجد مع أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم، ما ترى في رجل وامرأة زنيا؟ فلم يكلمهم حتى أتى بيت مِدْرَاسِهِمْ فقام على الباب فقال: أنشدُكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما تَجِدُونَ في التوراة على مَنْ زنى إذا أُحْصِن؟ قالوا يُحَمَّمُ [وجهه] ويُجبَّهُ ويجلد - والتَّجْبِيهُ: أن يحمل الزانيان على حمار وتقَابَلَ أقفيتهما ويطاف بهما - قال: وسكت شاب منهم، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم سكت، أَلَظَّ به في النِّشْدَة، فقال: اللهم إذ أنْشَدْتَنا، فإنا نَجِدُ في التوراة الرَّجْم. فقال النبي عليه السلام. فما أول ما أرخصتم أمر الله عز وجل؟ قال: زنى رجل ذو قرابة مِنْ ملك من ملوكنا، فأخر عنه الرجم، ثم زنى رجل في أسْرَةٍ من الناس، فأراد رجمه فحال قومه دونه فقالوا: لا ترجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه، فاصطلحوا على هذه العقوبة بينهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فإني أحكم بما في التوراة، فأمر بهما فرجما. قال الزُّهْرِي: فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم: {إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ}. فكان النبي صلى الله عليه وسلم منهم. قال مَعْمَر: أخبرني الزُّهْرِي، عن سالم، عن ابن عمر، قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمر برجمهما، فلما رُجِما رأيته يَجْنَأُ بيده عنها ليقيها الحجارة. رأس الصفحة النسخ في الآية لم يرد في المرجع ناسخ ومنسوخ للآية رقم ( 44 ) من سورة ( المائدة ) رأس الصفحة المواضيع الواردة في الآية الموضوع العنوان الأحبار --- التوراة --- الربَّانيون --- الله جلّ جلاله الله [منزل الكتاب] الآية [الجملة من القرآن] --- البَيْع البيع الخاسر والشراء الأخسر التوراة كتاب سماوي نزّل من عند الله التوراة مطالبة بني إسرائيل بتحكيمها والعمل بما فيها التوراة عاقبة مخالفيها منهم الأحبار علمهم بحقيقة ما في التوراة وحكمهم به الحكم وجوب الحكم بما أنزل الله الخشية لله وحده تكون الخشية الربانيون حكم الربانيين بما في التوراة الشريعة ما جاءت به الرسل عليهم السلام الشراء والبيع الشراء المنهيّ عنه الكتاب [التوراة والإنجيل] إنزالهما من عند الله الكتاب [التوراة والإنجيل] على أهل الكتاب اتباعهما والاحتكام إليهما النور نور هي الكتب المنزلة الهُدى [نقيض الضلال] الكتب المنزلة نعم الهدى رأس الصفحة فضائل السورة لم يتم ادخال فضائل سورة ( المائدة ) رأس الصفحة الإعراب {إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ..} [44] "هُدىً" في موضع رفع بالابتداء ونور عطف عليه {وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ} عطف على النبيين. {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} رفع بالابتداء وخبره {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} وقد ذكرنا معناه ومن أحسن ما قيل فيه قول الشَّعبيّ قال: هذا في اليهود خاصة ويدلّ على ما قال ثلاثة أشياء: منها أن اليهود قد ذكروا قبل هذا في قوله {لِلَّذِينَ هَادُواْ} فعاد الضمير عليهم، ومنها أن سياق الكلام يدل على ذلك ألاَ ترى أنَّ بَعدَهُ. {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ} فهذا الضمير لليهود باجماع وأيضاً فإن اليهود هم الذين أنكروا الرجم والقِصاصَ فإِن قال قائل "مَنْ" إذا كانت للمجازاة فهي عامة إلاّ أن يقع دليل على تخصيصها قيل له "مَنْ" ههنا بمعنى الذي مع ما ذكرنا من الأدلّة والتقدير واليهود الذين لم يحكموا بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، فهذا أحسن ما قيل في هذا، وقد قيل: من لم يحكم بما أنزل الله مُسْتَحِلاً لذلك. وقد قيل: من ترك الحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر. رأس الصفحة المعاني كتاب النحاس وقولُه جل وعز: {إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} [آية 44]. أي فيها بيانُ أمرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وما جاءوا يستفتون فيه. ثم قال جل وعز: {يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ} [آية 44]. يجوز أن يكون المعنى: فيها هدىً ونورٌ للذين هادوا، يحكم بها النبيُّون. ويجوز أن يكون المعنى: يحكم بها النبيُّون الذين أسلموا للذين هادوا وعليهم، ثم حُذف. وقد قيل: إن "لهم" بمعنى "عليهم" وتأول حديث النبي صلى الله عليه وسلم في أمر بريرة، حين قال "اشترطي لهم الولاء" أن معناه "عليهم" لأنه صلى الله عليه وسلم لا يأمرها بشيء لا يجب، وقال الله جلَّ ذكره {وَإنْ أَسَأْتُم فَلَها}. و {الَّذينَ أَسْلَمُوا} ههنا نعتٌ فيه معنى المدح، مثل {بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ}. ثم قال جل وعز: {وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ..} [آية 44]. قال أبو رزين: الربَّانيوُّن: العلماءُ، الحكماء. والرَّبَّانيُّ عند أهل اللغة: معناه ربُّ العلم أي صاحبُ العلم، وجيءَ بالألِف والنون للمبالغة. ويقوِّي هذا أنه يُروى أنَّ ابن الحنفية ـ رحمةُ الله عليه ـ قال لمَّا مات ابن عباس: "ماتَ رَبَّانيُّ العلمِ". وقال مجاهد: الربَّانيون فوق الأحبارِ، والأحبارُ: العلماءُ، لأنهم يُحَبِّرون لشيء، وهو صدورهم مُحَبَّر. وقال ابن عباس: سُمِّيَ الحِبْرُ الذي يُكتب بهِ حِبْراً، لأنه يُحبَّر به أي يُحقَّق به. وقال الثوري: سألت الفراء لم سمي الحَبْرُ حَبْراً؟ فقال: يقال للعالم حَبْرٌ، وحِبْرٌ، والمعنى: مدادُ حبرٍ، ثم حذف كما قال تعالى {وَاسْألِ القَرْيَةَ} فسألتُ الأصمعيَّ فقال: ليس هذا بشيءٍ، إنما سمي حَبْراً لتأثيره، يقال: على أسنانه حَبْرَةٌ أي صُفرةٌ، أو سواد. ثم قال جل وعز: {بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ} [آية 44]. أي استودعوا. وقولُه جل وعز: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} [آية 44]. قال ابن عباس: هو به كافر، لا كفراً باللهِ، وملائكته، وكتبه. وقال الشعبي: الأولى في المسلمين، والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى. وقال غيره: من ردَّ حكماً من أحكام الله فقد كفر. قلتُ: وقد أجمعت الفقهاء على أنه من قال لا يجب الرجم على من زنى وهو محصنٌ أنه كافرٌ، لأنه ردَّ حكماً من أحكام الله جلَّ وعز. ويُروى أن حُذيفة سئل عن هذه الآيات، أهي في بني إسرائيل؟ فقال: نعم، هي فيهم، ولتسلكنَّ سبيلَهم حَذْوَ النَّعْلِ بالنَّعلِ. وقال الحسن: أخذ الله جلَّ وعز على الحُكَّام ثلاثة أشياء: أن لا يتبَّعوا الهوى، وأن لا يَخَشَوُا النَّاسَ ويَخْشَوْه، وأن لا يشتروا بآياته ثمناً قليلاً. وأحسنُ ما قيل في هذا ما رواه الأعمش عن عبدالله بن مُرَّة، عن البراء قال: هي في الكفار كلُّها يعني {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} {فَأْولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون} {فَأْولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُون}. [والتقدير على هذا القول: والذين لم يحكموا بما أنزل الله، فأولئك هم الكافرون]. رأس الصفحة التفسير لقد تم اختيار التفسير الافتراضي للموقع كونك لم تقم بالدخول كمستخدم مسجل سجل هنا * تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري مصنف و مدقق يقول تعالـى ذكره: إنا أنزلنا التوراة فـيها بـيان ما سألك هؤلاء الـيهود عنه من حكم الزانـيـين الـمـحصنـين، { ونُورٌ } يقول: وفـيها جلاء ما أظلـم علـيهم وضياء ما التبس من الـحكم. { يَحْكُمُ بها النَّبِـيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَـمُوا } يقول: يحكم بحكم التوراة فـي ذلك: أي فـيـما احتكموا إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـيه من أمر الزانـيـين النبـيون الذين أسلـموا، وهم الذين أذعنوا الـحكم الله وأقرّوا به. وإنـما عنى الله تعالـى ذكره بذلك نبـينا مـحمداً صلى الله عليه وسلم فـي حكمه علـى الزانـيـين الـمـحصنـين من الـيهود بـالرجم، وفـي تسويته بـين دم قتلـى النضير وقُريظة فـي القصاص والدية، ومَنْ قبل مـحمد من الأنبـياء يحكم بـما فـيها من حكم الله. كما: حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { إنَّا أنْزَلْنا التَّوْرَاةَ فِـيها هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِـيُّونَ الَّذِينَ أسْلَـمُوا } يعنـي النبـيّ صلى الله عليه وسلم. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لـما أنزلت هذه الآية: " نَـحْنُ نَـحْكُمُ علـى الـيَهُودِ وَعلـى مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أهْلِ الأدْيانِ " حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: ثنا رجل من مزينة ونـحن عند سعيد بن الـمسيب، عن أبـي هريرة قال: زنى رجل من الـيهود بـامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلـى هذا النبـيّ فإنه نبـيّ بعث بتـخفـيف، فإن أفتانا بفتـيا دون الرجم قبلناها واحتـججنا بها عند الله وقلنا: فتـيا نبـيّ من أنبـيائك قال: فأتوا النبـيّ صلى الله عليه وسلم وهو جالس فـي الـمسجد فـي أصحابه، فقالوا: يا أبـا القاسم ما تقول فـي رجل وامرأة منهم زنـيا؟ فلـم يكلـمهم كلـمة، حتـى أتـى بـيت الـمِدْراس، فقام علـى البـاب، فقال: " أَنْشُدُكُمْ بـاللَّهِ الَّذِي أنْزَلَ التَّوْرَاةَ علـى مُوسَى ما تَـجِدُونَ فِـي التَّوْرَاةِ علـى مَنْ زَنى إذَا أُحْصِنَ؟ " قالوا: يُحَمَّـمـم ويُجَبَّهُ ويجلد والتـجبـيه: أن يحمل الزانـيان علـى حمار تقابل أقـفـيتهما، ويطاف بهما وسكت شاب، فلـما رآه سكت ألظّ به النِّشْدة، فقال: اللهمّ إذ نَشَدْتنا، فإنا نـجد فـي التوراة الرجم. فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم: " فَمَا أوَّلُ ما ارْتُـخِصَ أمْرُ اللَّهِ؟ " قال: زنى رجل ذو قرابة من ملك من ملوكنا فأخر عنه الرجم، ثم زنـي رجل فـي أسرة من الناس، فأراد رجمه، فحال قومه دونه، وقالوا: لا ترجم صاحبنا حتـى تـجيء بصاحبك فترجمه، فـاصطلـحوا علـى هذه العقوبة بـينهم. قال النبـيّ صلى الله عليه وسلم: " فإنّى أحْكُم بِـمَا فِـي التَّوْرَاةِ " فأمِر بهما فرجما. قال الزهري: فبلغنا أن هذه الآية نزلت فـيهم { إنَّا أنْزَلْنا التَّوْرَاةَ فِـيها هُدًّى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِـيُّونَ الَّذِينَ أسْلَـمُوا } فكان النبـيّ منهم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله: { يَحْكُمُ بِها النَّبِـيُّونَ الَّذِينَ أسْلَـمُوا } النبـيّ صلى الله عليه وسلم ومن قبله من الأنبـياء يحكمون بـما فـيها من الـحقّ. حدثنا الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن عوف، عن الـحسن فـي قوله: { يَحْكُمُ بِها النَّبِـيُّونَ الَّذِينَ أسْلَـمُوا } يعنـي النبـيّ صلى الله عليه وسلم. { لِلَّذِينَ هادُوا } يعنـي الـيهود، فـاحكم بـينهم ولا تـخشهم. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَالرَّبـانِـيُّونَ وَالأحْبـارُ بِـمَا اسْتُـحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وكانُوا عَلَـيْهِ شُهَدَاءَ }. يقول تعالـى ذكره: ويحكم بـالتوراة وأحكامها التـي أنزل الله فـيها فـي كلّ زمان علـى ما أمر بـالـحكم به فـيها مع النبـيـين الذين أسلـموا، الربـانـيون والأحبـار. والربـانـيون: جمع ربـانـيّ، وهم العلـماء الـحكماء، البصراء بسياسة الناس وتدبـير أمورهم والقـيام بـمصالـحهم. والأحبـار: هم العلـماء. وقد بـينا معنى الربـانـيـين فـيـما مضى بشواهده، وأقوال أهل التأويـل فـيه. وأما الأحبـار: فإنهم جمع حبر، وهو العالـم الـمـحكم للشيء، ومنه قـيـل لكعب: كعب الأحبـار. وكان الفرّاء يقول: أكثر ما سمعت العرب تقول فـي واحد الأحبـار: حِبر بكسر الـحاء. وكان بعض أهل التأويـل يقول: عُني بـالربـانـيـين والأحبـار فـي هذا الـموضع: ابنا صوريا اللذان أقرّا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بحكم الله تعالـى فـي التوراة علـى الزانـيـين الـمـحصنـين. ذكر من قال ذلك: حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: كان رجلان من الـيهود أخوان يقال لهما ابنا صوريا، وقد اتبعا النبـيّ صلى الله عليه وسلم ولـم يسلـما، وأعطياه عهداً أن لا يسألهما عن شيء فـي التوراة إلا أخبراه به. وكان أحدهما رِبِّـيًّا، والآخر حبراً، وإنـما اتبعا النبـيّ صلى الله عليه وسلم يتعلـمان منه. فدعاهما فسألهما، فأخبراه الأمر كيف كان حين زنى الشريف وزنى الـمسكين، وكيف غيروه. فأنزل الله: { إنَّا أنْزَلْنا التَّوْرَاةَ فِـيها هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِـيُّونَ الَّذِينَ أسْلَـمُوا للَّذِينَ هادُوا } يعنـي: النبـيّ صلى الله عليه وسلم والربـانـيون والأحبـار: هما ابنا صوريا. { لِلَّذِينَ هادُوا }. ثم ذكر ابنى صوريا، فقال: { وَالرَّبـانِـيُّونَ وَالأحْبـارُ بِـمَا اسْتُـحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وكانُوا عَلَـيْهِ شُهَدَاءَ }. والصواب من القول فـي ذلك عندي، أن يقال: إن الله تعالـى ذكره أخبر أن التوراة يحكم بها مسلـمو الأنبـياء للـيهود والربـانـيون من خـلقه والأحبـار. وقد يجوز أن يكون عُنـي بذلك ابنا صوريا وغيرهما، غير أنه قد دخـل فـي ظاهر التنزيـل مسلـمو الأنبـياء وكلّ ربـانـي وحبر، ولا دلالة فـي ظاهر التنزيـل علـى أنه معنىّ به خاص من الربـانـيـين والأحبـار، ولا قامت بذلك حجة يجب التسلـيـم لها، فكلّ ربـانـي وحبر داخـل فـي الآية بظاهر التنزيـل. وبـمثل الذي قلنا فـي تأويـل الأحبـار قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك: حدثنا سفـيان بن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سلـمة، عن الضحاك: الربـانـيون والأحبـار: قرّاؤهم وفقهاؤهم. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص، عن أشعث، عن الـحسن: الربـانـيون والأحبـار: الفقهاء والعلـماء. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيـينة، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: الربـانـيون العلـماء الفقهاء، وهم فوق الأحبـار. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: الربـانـيون: فقهاء الـيهود، والأحبـار: علـماؤهم. حدثنا القاسم، قال: ثنا سُنـيد بن داود، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: { والرَّبَّـانِـيُّونَ والأَحْبَـارُ } كلهم يحكم بـما فـيها من الـحقّ. حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الربـانـيون: الولاة، والأحبـار: العلـماء. وأما قوله: { بِـمَا اسْتُـحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ } فإن معناه: يحكم النبـيون الذين أسلـموا بحكم التوراة، والربـانـيون والإحبـار يعنـي العلـماء بـما استودعوا علـمه من كتاب الله الذي هو التوراة. والبـاء فـي قوله: { بِـما اسْتُـحْفِظُوا } من صلة الأحبـار. وأما قوله: { وكانُوا عَلَـيْهِ شُهَدَاءَ } فإنه يعنـي أن الربـانـيـين والأحبـار بـما استودعوا من كتاب الله يحكمون بـالتوراة مع النبـيـين الذين أسلموا للذين هادوا، وكانوا علـى حكم النبـيـين الذين أسلـموا للذين هادوا شهداء أنهم قضوا علـيهم بكتاب الله الذي أنزله علـى نبـيه موسى وقضائه علـيهم. كما: حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: { وكانُوا عَلَـيْهِ شُهَدَاءَ } يعنـي الربـانـيـين والأحبـار هم الشهداء لـمـحمد صلى الله عليه وسلم بـما قال أنه حقّ جاء من عند الله، فهو نبـيّ الله مـحمد، أتته الـيهود فقضى بـينهم بـالـحقّ. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { فَلا تَـخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بآياتِـي ثَمَنا قَلِـيلاً }. يقول تعالـى ذكره لعلـماء الـيهود وأحبـارهم: لا تـخشوا الناس فـي تنفـيذ حكمي الذي حكمت به علـى عبـادي وإمضائه علـيهم علـى ما أمرت، فإنهم لا يقدرون لكم علـى ضرّ ولا نفع إلا بإذنـي، ولا تكتـموا الرجم الذي جعلته حكماً فـي التوراة علـى الزانـيـين الـمـحصنـين، ولكن اخشونـي دون كلّ أحد من خـلقـي، فإن النفع والضرّ بـيدي، وخافوا عقابـي فـي كتـمانكم ما استـحفظتـم من كتابـي. كما: حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { فَلا تَـخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ } يقول: لا تـخشوا الناس فتكتـموا ما أنزلت. وأما قوله: { وَلا تَشْتَرُوا بآياتِـي ثَمَنا قَلِـيلاً } يقول: ولا تأخذوا بترك الـحكم بآيات كتابـي الذي أنزلته علـى موسى أيها الأحبـار عوضاً خسيساً، وذلك هو الثمن القلـيـل. وإنـما أراد تعالـى ذكره نهيهم عن أكل السحت علـى تـحريفهم كتاب الله وتغيـيرهم حكمه عما حكم به فـي الزّانـيـين الـمـحصنـين، وغير ذلك من الأحكام التـي بدّلوها، طلبـاً منهم للرشا كما: حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { وَلا تَشْتَرُوا بآياتِـي ثَمَناً قَلِـيلاً } قال: لا تأكلوا السحت علـى كتابـي. وقال مرّة أخرى، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { وَلا تَشْتَرُوا بآياتِـي ثَمَناً } قال: لا تأخذوا به رشوة. حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { وَلا تَشْتَرُوا بآياتِـي ثَمَناً قَلِـيلاً }: ولا تأخذوا طُعْماً قلـيلاً علـى أن تكتـموا ما أنزلت. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ }. يقول تعالـى ذكره: ومن كتـم حكم الله الذي أنزله فـي كتابه، وجعله حكماً بـين عبـاده فأخفـاه، وحكم بغيره، كحكم الـيهود فـي الزانـيـين الـمـحصنـين بـالتـجبـيه والتـحميـم، وكتـمانهم الرجم، وكقضائهم فـي بعض قتلاهم بدية كاملة وفـي بعض بنصف الدية، وفـي الأشراف بـالقصاص وفـي الأدنـياء بـالدية، وقد سوّى الله بـين جميعهم فـي الـحكم علـيهم فـي التوراة { فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ } يقول: هؤلاء الذين لـم يحكموا بـما أنزل الله فـي كتابه، ولكن بدّلوا وغيروا حكمه وكتـموا الـحقّ الذي أنزله فـي كتابه. { هُمُ الكَافِرُونَ } يقول: هم الذين ستروا الـحقّ الذي كان علـيهم كشفه وتبـيـينه وغَطَّوه عن الناس وأظهروا لهم غيره وقضوا به لسحت أخذوه منهم علـيه. وقد اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل الكفر فـي هذا الـموضع. فقال بعضهم بنـحو ما قلنا فـي ذلك، من أنه عنى به الـيهود الذين حرّفوا كتاب الله وبدّلوا حكمه. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن البراء بن عازب، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي قوله: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ } {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} [المائدة: 45]، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47] فـي الكافرين كلها. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا مـحمد بن القاسم، قال: ثنا أبو حيان، عن أبـي صالـح، قال: الثلاث الآيات التـي فـي الـمائدة: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ } ، { فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ } ، { فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ } لـيس فـي أهل الإسلام منها شيء، هي فـي الكفـار. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن أبـي حيان، عن الضحاك: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ } { والظالـمون والفـاسقون } قال: نزلت هؤلاء الآيات فـي أهل الكتاب. حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، قال: سمعت عمران بن حدير، قال: أتـى أبـا مـجلز ناسٌ من بنـي عمرو بن سدوس، فقالوا: يا أبـا مـجلز، أرأيت قول الله: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ } أحقّ هو؟ قال: نعم. قالوا: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} [المائدة: 45] أحَقٌّ هو؟ قال: نعم. قالوا: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47] أحقٌّ هو؟ قال: نعم. قال: فقالوا: يا أبـا مـجلز، فـيحكم هؤلاء بـما أنزل الله؟ قال: هو دينهم الذي يدينون به، وبه يقولون، وإلـيه يُدْعَوْنَ، فإن هم تركوا شيئاً منه عرفوا أنهم قد أصابوا ذنبـاً. فقالوا: لا والله، ولكنك تَعْرَفُّ. قال: أنتـم أولـى بهذا منـي لا أرى وإنكم ترون هذا ولا تـحرَّجون، ولكنها أنزلت فـي الـيهود والنصارى وأهل الشرك. أو نـحواً من هذا. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن عمران بن حدير، قال: قعد إلـى أبـي مِـجْلَز نفر من الإبـاضية، قال: فقالوا له: يقول الله: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ } ، { فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ } ، { فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ }. قال أبو مـجلز: إنهم يعملون ما يعملون يعنـي الأمراء ويعلـمون أنه ذنب. قال: وإنـما أنزلت هذه الآية فـي الـيهود والنصارى. قالوا: أما والله إنك لتعلـم مثل ما نعلـم، ولكنك تـخشاهم. قال: أنتـم أحقّ بذلك منا، أما نـحن فلا نعرف ما تعرفون ولكنكم تعرفونه، ولكن يـمنعكم أن تُـمضوا أمركم من خشيتهم. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن حبـيب بن أبـي ثابت، عن أبـي البَختري، عن حذيفة فـي قوله: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ } قال: نعم الإخوة لكم بنو إسرائيـل، إن كانت لكم كلّ حلوة ولهم كلّ مرّة، ولتسلكنّ طريقهم قدر الشراك. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن أبـي حيان، عن الضحاك: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ } و { الظَّالـمون } و { الفَـاسِقُون } قال: نزلت هؤلاء الآيات فـي أهل الكتاب. حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا وكيع، عن سفـيان، عن حبـيب بن أبـي ثابت، عن أبـي البختري، قال: قـيـل لـحذيفة: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ } ثم ذكر نـحو حديث ابن بشار، عن عبد الرحمن. حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن حبـيب بن أبـي ثابت، عن أبـي البختري، قال: سأل رجل حذيفة، عن هؤلاء الآيات: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ } ، { فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ } ، { فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ } قال: فقـيـل: ذلك فـي بنـي إسرائيـل؟ قال: نعم الإخوة لكم بنو إسرائيـل، إن كانت لهم كلّ مرّة، ولكم كلّ حُلْوة، كلا والله لتسلكنّ طريقهم قدر الشراك. حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن رجل، عن عكرمة قال: هؤلاء الآيات فـي أهل الكتاب. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ } ذكر لنا أن هؤلاء الآيات أنزلت فـي قـتيـل الـيهود الذي كان منهم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ } و { الظالـمون } و { الفـاسقون } ، لأهل الكتاب كلهم لـمَا تركوا من كتاب الله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـى أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن البراء بن عازب، قال: مُرّ علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم بـيهودي مـحمَّـم مـجلود، فدعاهم فقال: " هَكَذَا تَـجِدُونَ حَدَّ مَنْ زَنَى؟ " قالوا: نعم. فدعا رجلاً من علـمائهم، فقال: " أَنْشُدكَ اللَّهَ الَّذِي أنْزَلَ التَّوْرَاةَ علـى مُوسَى، هَكَذَا تَـجِدُونَ حَدَّ الزَّانِـي فـي كِتابِكُمْ؟ " قال: لا، ولولا أنك أنشدتنـي بهذا لـم أخبرك، نـجد حدّه فـي كتابنا الرجم، ولكنه كثر فـي أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الوضيع أقمنا علـيه الـحدّ، فقلنا تعالوا فلنـجتـمع جميعاً علـى التـحميـم والـجلد مكان الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللَّهُمَّ أنّـي أوَّلُ مَنْ أحْيا أمْرَكَ إذْ أماتُوهُ " فأمر به فرجم، فأنزل الله: {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} [المائدة: 41]... إلـى قوله: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ } يعنـي الـيهود، { فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ } يعنـي الـيهود، { فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ } للكفـار كلها. حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ } قال: من حكم بكتابه الذي كتب بـيده وترك كتاب الله وزعم أن كتابه هذا من عند الله، فقد كفر. حدثنا هناد، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن البراء بن عازب، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، نـحو حديث القاسم، عن الـحسن. غير أن هناداً قال فـي حديثه: فقلنا: تعالوا فلنـجتـمع فـي شيء نقـيـمه علـى الشريف والضعيف فـاجتـمعنا علـى التـحميـم والـجلد مكان الرجم. وسائر الـحديث نـحو حديث القاسم. حدثنا الربـيع، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا ابن أبـي الزناد، عن أبـيه، قال: كنا عند عبـيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، فذكر رجل عنده: { وَمَنْ لَـم يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ } { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ } { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ } فقال عبـيد الله: أما والله إن كثـيراً من الناس يتأوّلون هؤلاء الآيات علـى ما لـم ينزلن علـيه، وما أنزلن إلا فـي حيـين من يهود. ثم قال: هي قريظة والنضير وذلك أن إحدى الطائفتـين كانت قد غزت الأخرى وقهرتها قبل قدوم النبـيّ صلى الله عليه وسلم الـمدينة، حتـى ارتضوا واصطلـحوا علـى أن كل قتـيـل قتلته العزيزة من الذلـيـلة فديته خمسون وسقاً، وكلّ قتـيـل قتلته الذلـيـلة من العزيزة فديته مئة وسق. فأعطوهم فَرَقاً وضَيـمْاً. فقدم النبـيّ صلى الله عليه وسلم وهم علـى ذلك، فذلت الطائفتان بـمقدم النبـيّ صلى الله عليه وسلم، والنبـيّ صلى الله عليه وسلم لـم يظهر علـيهما. فبـينـما هما علـى ذلك أصابت الذلـيـلة من العزيزة قتـيلاً، فقالت العزيزة: أعطونا مائة وسق فقالت الذلـيـلة: وهل كان هذا قطّ فـي حيـين دينهما واحد وبلدهما واحد دية بعضهم ضعف دية بعض؟ إنـما أعطيناكم هذا فرقاً منكم وضَيْـماً، فـاجعلوا بـيننا وبـينكم مـحمداً صلى الله عليه وسلم فتراضيا علـى أن يجعلوا النبـيّ صلى الله عليه وسلم بـينهم. ثم إن العزيزة تذاكرت بـينها، فخشيت أن لا يعطيها النبـيّ صلى الله عليه وسلم من أصحابها ضعف ما تعطي أصحابها منها، فدسوا إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم إخوانهم من الـمنافقـين، فقالوا لهم: اخبُروا لنا رأى مـحمد صلى الله عليه وسلم، فإن أعطانا ما نريد حكمناه، وإن لـم يعطنا حذرناه ولـم نـحكمه فذهب الـمنافق إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فأعلـم الله تعالـى ذكره النبـيّ صلى الله عليه وسلم ما أرادوا من ذلك الأمر كله. قال عبـيد الله: فأنزل الله تعالـى ذكره فـيهم: {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} [المائدة: 41] هؤلاء الآيات كلهن، حتـى بلغ: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ} [المائدة: 47]... إلـى { الفـاسِقُونَ } قرأ عبـيد الله ذلك آية آية وفسرها علـى ما أنزل، حتـى فرغ من تفسير ذلك لهم فـي الآيات، ثم قال: إنـما عنى بذلك يهود، وفـيهم أنزلت هذه الصفة. وقال بعضهم: عنى بـالكافرين أهل الإسلام، وبـالظالـمين: الـيهود، وبـالفـاسقـين: النصارى. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن زكريا، عن عامر، قال: نزلت «الكافرون» فـي الـمسلـمين، و«الظالـمون» فـي الـيهود، و«الفـاسقون» فـي النصارى. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن يـمان، عن سفـيان، عن ابن أبـي السفر، عن الشعبـيّ، قال: «الكافرون» فـي الـمسلـمين، و«الظالـمون» فـي الـيهود، و«الفـاسقون» فـي النصارى. حدثنا ابن وكيع وأبو السائب، وواصل بن عبد الأعلـى، قالوا: ثنا ابن فضيـل، عن ابن شبرمة، عن الشعبـيّ، قال: آية فـينا، وآيتان فـي أهل الكتاب: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ } فـينا وفـيهم: { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ } و { الفـاسقون } فـي أهل الكتاب. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن جابر، عن عامر، مثل حديث زكريا عنه. حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا شعبة، عن ابن أبـي السفر، عن الشعبـي: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـما أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ } قال: هذا فـي الـمسلـمين. { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ } قال: النصارى. حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا زكريا بن أبـي زائدة، عن الشعبـيّ، قال فـي هؤلاء الآيات التـي فـي الـمائدة: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ } قال: فـينا أهل الإسلام. { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ } قال: فـي الـيهود. { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ } قال: فـي النصارى. حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفـيان، عن زكريا بن أبـي زائدة، عن الشعبـي فـي قوله: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ } قال: نزلت الأولـى فـي الـمسلـمين، والثانـية فـي الـيهود، والثالثة فـي النصارى. حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن زكريا، عن الشعبـيّ، بنـحوه. حدثنا هناد، قال: ثنا يعلـى، عن زكريا، عن عامر، بنـحوه. وقال آخرون: بل عُنى بذلك: كفر دون كفر، وظلـم دون ظلـم، وفسق دون فسق. ذكر من قال ذلك: حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن ابن جريج، عن عطاء، قوله: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ } { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ } { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ } قال: كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلـم دون ظلـم. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا حماد بن سلـمة، عن أيوب، عن عطاء، مثله. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج، قال: ثنا حماد، عن أيوب بن أبـي تـميـمة، عن عطاء بن أبـي ربـاح بنـحوه. حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا وكيع، عن سفـيان، عن ابن جريج، عن عطاء، بنـحوه. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن ابن جريج، عن عطاء، بنـحوه. حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن سعيد الـمكيّ، عن طاووس: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ } قال: لـيس بكفر ينقل عن الـملة. حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن معمر بن راشد، عن ابن طاووس، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُون } قال: هي به كفر، ولـيس كفراً بـالله وملائكته وكتبه ورسله. حدثنـي الـحسن، قال: ثنا أبو أسامة، عن سفـيان، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبـيه، قال: قال رجل لابن عبـاس فـي هذه الآيات: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ } فمن فعل هذا فقد كفر؟ قال ابن عبـاس: إذا فعل ذلك فهو به كفر، ولـيس كمن كفر بـالله والـيوم الآخر وبكذا وكذا. حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبـيه، قال: سئل ابن عبـاس عن قوله: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافرون } قال هي به كفر قال ابن طاووس، ولـيس كمن كفر بـالله وملائكته وكتبه ورسله. حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، فَأُولَئِكَ هُمُ الكافرون قال كفر لا ينقل عن الملـة قال وقال عطاء: كفر دون كفر، وظلـم دون ظلـم، وفسق دون فسق. وقال آخرون: بل نزلت هذه الآيات فـي أهل الكتاب، وهي مراد بها جميع الناس مسلـموهم وكفـارهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن منصور، عن إبراهيـم قال: نزلت هذه الآيات فـي بنـي إسرائيـل، ورضي لهذه الأمة بها. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ } قال: نزلت فـي بنـي إسرائيـل، ورضي لكم بها. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم فـي هذه الآية: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ } قال: نزلت فـي بنـي إسرائيـل، ثم رضي بها لهؤلاء. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن عوف، عن الـحسن فـي قوله: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ } قال: نزلت فـي الـيهود، وهي علـينا واجبة. حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا عبد الـملك بن أبـي سلـيـم، عن سلـمة بن كهيـل، عن علقمة ومسروق: أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة، فقال: من السحت. قال: فقالا: أفـي الـحكم؟ قال: ذاك الكفر. ثم تلا هذه الآية: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ }. حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ } يقول: ومن لـم يحكم بـما أنزلتُ فتركه عمداً وجار وهو يعلـم فهو من الكافرين. وقال آخرون: معنى ذلك: ومن لـم يحكم بـما أنزل الله جاحداً به، فأما الظلـم والفسق فهو للـمقرّ به ذكر من قال ذلك: حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ } قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقرّ به ولـم يحكم فهو ظالـم فـاسق. وأولـى هذه الأقوال عندي بـالصواب، قول من قال: نزلت هذه الآيات فـي كفار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففـيهم نزلت وهم الـمعِنـيون بها، وهذه الآيات سياق الـخبر عنهم، فكونها خبراً عنهم أولـى. فإن قال قائل: فإن الله تعالـى ذكره قد عمّ بـالـخبر بذلك عن جميع من لـم يحكم بـما أنزل الله، فكيف جعلته خاصًّا؟ قـيـل: إن الله تعالـى عمّ بـالـخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به فـي كتابه جاحدين فأخبر عنهم أنهم بتركهم الـحكم علـى سبـيـل ما تركوه كافرون. وكذلك القول فـي كلّ من لـم يحكم بـما أنزل الله جاحداً به، هو بـالله كافر، كما قال ابن عبـاس لأنه بجحوده حكمَ الله بعد علـمه أنه أنزله فـي كتابه نظير جحوده نبوّة نبـيه بعد علـمه أنه نبـيّ. رأس الصفحة الأحكام كتاب الجصاص 1) عقائد (الكُفر) 2) عقائد (الحكم بغير ما أنزل الله) قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله} قال ابن عباس: "هو في الجاحد لحكم الله". وقيل: "هي في اليهود خاصة". وقال ابن مسعود والحسن وإبراهيم: "هي عامة" يعني فيمن لم يحكم بما أنزل الله وحكم بغيره مخبراً أنه حكم الله تعالى، ومن فعل هذا فقد كفر. فمن جعلها في قوم خاصّة وهم اليهود، لم يجعل "مَنْ" بمعنى الشرط، وجعلها بمعنى الذي لم يحكم بما أنزل الله، والمراد قوم بأعيانهم. وقال البراء بن عازب، وذكر قصة رجم اليهود، فأنزل الله تعالى: {يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنك الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الكُفْرِ} الآيات، إلى قوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أنْزَلَ الله فَأولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ}. قال: "في اليهود خاصة"، وقوله: {فأولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} و {أولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ} "في الكفار كلهم". وقال الحسن: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أنْزَلَ الله فأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ} نزلت في اليهود وهي علينا واجبة. وقال أبو مجلز: "نزلت في اليهود". وقال أبو جعفر: "نزلت في اليهود ثم جرت فينا". ورَوَى سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختريّ قال: قيل لحذيفة: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ} نزلت في بني إسرائيل؟ قال: "نعم، الإخوةُ لكم بنو إسرائيل، أن كانت لكم كلّ حلوةٍ ولهم كلّ مُرَّة، ولتَسْلُكُنَّ طريقهم قَدَّ الشراك". قال إبراهيم النخعي: "نزلت في بني إسرائيل ورضي لكم بها". ورَوَى الثوري عن زكريا عن الشعبي قال: "الأُولى للمسلمين والثانية لليهود والثالثة للنصارى". وقال طاوس: "ليس بكفر ينقل عن الملة" وروى طاوس عن ابن عباس قال: "ليس الكفر الذي يذهبون إليه في قوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بمَا أَنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ}". وقال ابن جريج عن عطاء: "كفرٌ دون كفر وظلمٌ دون ظلم وفسقٌ دون فسقٍ". وقال علي بن حسين رضي الله عنهما: "ليس بكفر شرك ولا ظلم شرك ولا فسق شرك". قال أبو بكر: قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ} لا يخلو من أن يكون مرادُه كفرَ الشرك والجحود أو كفرَ النعمة من غير جحود؛ فإن كان المراد جحود حكم الله أو الحكم بغيره مع الإخبار بأنه حكم الله، فهذا كفرٌ يخرج عن الملّة وفاعله مرتدٌّ إن كان قبل ذلك مسلماً؛ وعلى هذا تأوّله من قال: "إنها نزلت في بني إسرائيل وجرت فينا" يعنون أن من جَحَدَ منّا حكم الله أو حكم بغير حكم الله ثم قال إن هذا حكم الله، فهو كافرٌ كما كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا ذلك وإن كان المراد به كفر النعمة فإن كفران النعمة قد يكون بترك الشكر عليها من غير جحود، فلا يكون فاعله خارجاً من الملة؛ والأظْهَرُ هو المعنى الأول لإطلاقه اسم الكفر على من لم يحكم بما أنزل الله. وقد تأوّلت الخوارج هذه الآية على تكفير من ترك الحكم بما أنزل الله من غير جحودٍ لها، وأكْفَرُوا بذلك كل من عَصَى الله بكبيرة أو صغيرة، فأدّاهم ذلك إلى الكفر والضلال بتكفيرهم الأنبياء بصغائر ذنوبهم. كتاب الجصاص 1) القضاء (الحكم بما أنزل الله) قوله تعالى: {إنّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا}. روي عن الحسن وقتادة وعكرمة والزهري والسدي، أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم مرادٌ بقوله: {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا}. قال أبو بكر: وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم على الزانيين منهم بالرجم وقال: "اللَّهُمَّ إنّي أوّلُ مَنْ أَحْيَا سُنَّةً أمَاتُوها" وكان ذلك في حكم التوراة؛ وحكم فيه بتساوي الديات وكان ذلك أيضاً حكم التوراة؛ وهذا يدلّ على أنه حكم عليهم بحكم التوراة لا بحكم مبتدأ شريعة. وقوله تعالى: {وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} قال ابن عباس: "شهداء على حكم النبي صلى الله عليه وسلم أنه في التوراة". وقال غيره: "شهداء على ذلك الحكم أنه من عند الله". وقال عز وجل: {فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ}. قال فيه السدي: "لا تخشوهم في كتمان ما أنزلت". وقيل: لا تخشوهم في الحكم بغير ما أنزلت. وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال: حدثنا الحارث بن أبي أسامة: حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا عبدالرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن قال: "إن الله تعالى أخذ على الحكّام ثلاثاً: أن لا يتّبعوا الهوى، وأن يخشوه ولا يخشوا الناس، وأن لا يشتروا بآياته ثمناً قليلاً". ثم قال: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهدى} [ص: 26] الآية، وقال: {إنّا أنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا للَّذِينَ هَادُوا} إلى قوله: {فلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشُوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بما أَنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ}. فتضمنت هذه الآية معاني: منها الإخبار بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد حكم على اليهود بحكم التوراة. ومنها: أن حكم التوراة كان باقياً في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن مبعث النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب نسخه؛ ودلّ ذلك على أن ذلك الحكم كان ثابتاً لم يُنْسَخْ بشريعة الرسول صلى الله عليه وسلم. ومنها: إيجابُ الحكم بما أنزل الله تعالى وأن لا يعدل عنه ولا يحابي فيه مخافة الناس. ومنها: تحريم أخْذِ الرشا في الأحكام، وهو قوله تعالى: {وَلا تَشْتَرُوا بآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً}.
إرسال تعليق