خروج ادعياء النبوة والدجالين الكذابين عدل
من أمارات الساعة وأشراطها خروج الدجالين الكذابين الذين يدعون النبوة ويثيرون الفتنة بأباطيلهم، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن عدد هؤلاء قريب من ثلاثين.
فقال صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله"[15].
وقد وقعت هذه العلامة من علامة الساعة فخرج كثير من إدعاء النبوة قديمة وحديثاً، ولا يستعبد أن يظهر دجالون آخرون إلى أن يظهر المسيح الدجال، فقد خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذاباً اخرهم الأعور الكذاب"[27].
وعن ثوبان بن بجدد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين وحتى يعبدوا الأوثان وأنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي""[28].
وقد ظهر من هؤلاء عدد كبير في الماضي:
فأدعى النبوة في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم الأسود العنسي في اليمن حيث ارتد عن الإسلام وادعى النبوة وكانت ردته أول ردة في الإسلام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تحرك بمن معه من المقاتلين واستولى على جميع أجزاء اليمن خلال ثلاثة أشهر أو أربعة فبعث النبي صلى الله عليه وسلم رسالته إلى المسلمين في اليمن يحثهم على مقاتلته فاستجابوا وقتلوه في منزله بمعاونة زوجته التي تزوجها قسراً بعد أن قتل زوجها وقد كانت مؤمنة بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبمقتله ظهر الإسلام وأهله في اليمن وكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قد أتى إليه الخبر في ليلته من السماء فأخبر أصحابه، وقد دامت فترة ملك هذا الكذاب من حيث ظهوره إلى أن قتل ثلاثة أشهر وقيل أربعة أشهر.
ومنهم طليحة بن خويلد الأسدي وقد قاتله المسلمون مراراً ثم أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه ولحق بجيش المسلمين وأبلى في الجهاد في سبيل الله بلاء حسناً واستشهد بنهاوند رضي الله عنه.
ومنهم مسيلمة الكذاب، وكان يزعم أن الوحي يأتيه في الظلام، وقد أرسل إليه أبو بكر الصديق جيشاً بقيادة خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل وشرحبيل بن حسنة رضي الله عنهم فأستقبلهم مسليمة بجيشٍ كان قوامة أربعين ألف مقاتل، ودارت بينهم معارك حاسمة كانت الدائرة فيها عن مسليمة وجيشه، وقتل مسيلمة بيد وحشي بن حرب رضي الله عنه.
ومنهم سجاح بنت الحارث التغلبية، كانت من نصارى العرب، وقد ادعت النبوة بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم فالتف حولها أناسٌ كثير من قومها، وغيرهم وغزت بهم القبائل المجاورة، وسارت حتى وصلت اليمامة، والتقت بمسيلمة وصدقته، وتزوجها، ولما قتل مسيلمة رجعت إلى بلادها، واقامت في قومها بني تغلب، ثم أسلمت وحسن إسلامها، وانتقلت بعد ذلك إلى البصرة وماتت بها.
وأما في عصر التابعين وما بعده، فظهر المختار بن أبي عبيد الثقفي الذي تظاهر بالتشيع أولاً، فالتف حوله جماعة كثيرة من الشيعة، وزعم أن جبريل عليه السلام ينزل عليه، وقد دارت بينه وبين مصعب بن الزبير عدة معارك قُتِل في آخرها المختار.
ومنهم الحارق بن سعيد الكذاب الذي أظهر التعبد في دمشق ثم زعم أنه نبي، ولما علم أن الخبر وصل إلى الخليفة عبد الملك بن مروان اختفى، فاستطاع رجل من أهل البصرة أن يعرف مكانه، وتظاهر له بالتصديق فأمر الحارث ألا يحجب منه هذا الرجل متى ما أراد الدخول عليه، فأوصل هذا الرجل الخبر إلى عبد الملك بن مروان، فأرسل معه جنوداً وقبضوا عليه، وجيء به إلى عبد الملك فأمر عبد الملك رجالاً من أهل الفقه والعلم أن يعظوه ويعلموه أن هذا من الشيطان؛ فأبى أن يقبل منهم ويتوب فقتله عبد الملك.
وفي العصر الحديث قبل أكثر من قرن، ظهر بالهند رجل يدعى ميرزا غلام أحمد القادياني ادعى النبوة، وكان يزعم أنه يتلقى الوحي من السماء، كما زعم أن الله عز وجل أخبره بأنه سيعيش ثمانين سنة، وصار له أتباع، فانبرى له العلماء وردوا عليه، وبينوا أنه دجال منهم العالم الكبير ثناء الله الآمر تسري وكان أشد العلماء عليه. حتى أنه في عام (1326 هـ - 1908م)، تحدى القادياني الشيخ ثناء الله بأن الكذاب المفتري من الرجلين سيموت ودعا الله أن يقبض المبطل في حياة صاحبه ويسلط عليه داء الطاعون يكون فيه حتفه، وبعد سنة أصيب القادياني بدعوته، وقد ذكر أبو زوجته نهايته بقوله: لما اشتد مرضه أيقظني، فذهبت إليه ورأيت ما يعانيه من الألم، فخاطبني قائلاً: أصبت بالكوليرا، ثم لم ينطق بعد هذا بكلمة صريحة حتى مات.

قد يستشكل البعض بأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن مدعي النبوة ثلاثون بينما التاريخ والواقع يشهد أن أن العدد أكبر من ذلك؟
الجواب: أن هؤلاء الثلاثين هم الذين يكون لهم شهرة ودولة وأتباع، أما غيرهم ممن ليس له كذلك فلا يعد من الثلاثين.
إرسال تعليق