سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ }
[ المائدة : 42 ]
[ سبب النزول | النسخ في الآية | المواضيع | الفضائل | الاعراب | المعاني | التفسير | الأحكام ]
سبب النزول
لم يرد في المرجع سبب لنزول الآية رقم ( 42 ) من سورة ( المائدة )
رأس الصفحة
النسخ في الآية
قوله تعالى: {فَإِن جَاؤوكَ فاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ}:
خيّر الله - نبيّه - صلى الله عليه وسلم - في ظاهر هذه الآية في الحكم بين أهل الكتاب إذا أتوا لذلك، أو تركَه.
قال ابنُ عباس: هذا منسوخ بقوله: {فاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الله، وَلاَ تَتَّبِعْ أهْوَاءَهُمْ} [المائدة: 48] - الآية -، وبقوله: {وأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أنزَلَ اللهُ، ولاَ تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ واحذَرْهُمْ} [المائدة: 499]، فليس للإِمام ردّهم إلى حكامهم، إذا
جاؤوا ليحكم بينهم إنما كان هذا في أول الإِسلام، ليكون ذلك أَدعى لهم إلى الدخول في الإِسلام، والألفة، وأقربَ إلى قلوبهم - وهو قول مجاهد وقتادة وعطاء الخراساني وعكرمة والزهري، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وبه قال الكوفيون، وهو أحد قولي الشافعي -.
وقال جماعة من العلماء: الآية محكمةٌ غيرُ منسوخة، والإِمام مُخَيَّرٌ في الحكم وتركه إذا جاؤوه ليحكم بينهم - وهو قول عطاء (بن أبي رباح والحسن ومالك، وهو أحد قولي الشافعي وهو قول الشعبي والنخعي وأبي ثور -.
ومعنى: {وأن أحكم بينهم بما أنزل الله} - على هذا القول -: إن
شئتَ؛ لأنه قد تقدم لفظ التخيير له، فآخرُ الكلام حذف منه التخيير لدلالة الأول عليه، لأنه معطوفٌ عليه، فَحُكْمُه في التخيير كحكم المعطوف عليه، فهما شريكان، وليس الآخر بمنقطع مما قبله؛ إذ لا معنى لذلك ولا يصح، فلا بدّ من أن يكون قوله: {وأن أحكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة:49] معطوفاً على ما قبله من قوله: {وإنْ حَكَمْتَ فاحْكُم بَيْنَهُم بالقِسْط} [المائدة: 42] ومن قوله: {فَإِن جَاؤوكَ فاحْكُم بَينَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة: 42].
ومعنى: وأن احْكُم بينهم بما أنزل الله، أي: احكم (بينهم) (بذلك) إن حكمتَ واخْتَرْتَ الحكم، فهو كُلُّه مُحْكَمٌ غيرُ منسوخ، لأن الناسخ لا يكونُ مرتبطاً بالمنسوخ ومعطوفاً عليه، فالتخيير للنبي - عليه السلام - في ذلك مُحْكَمٌ غيرُ منسوخ.
رأس الصفحة
المواضيع الواردة في الآية
الموضوع العنوان
الإقساط ---
العدل ---
اليهود أخلاق سيئة أخرى
اليهود نقضهم العهد و المواثيق و اوامر
محبة اللّه ---
بنو إسرائيل أكالون للسحت، وحتى أحبارهم
الحُبّ الذين يحبهم الله [المقسطون]
السحت أكل السحت بعض طبيعة اليهود
العدل أساس الحكم بين الناس وقوام العلاقات في شئون الحياة
رأس الصفحة
فضائل السورة
لم يتم ادخال فضائل سورة ( المائدة )
رأس الصفحة
الإعراب
{.. أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ..} [42]
على التكثير. والسحت في اللغة كلّ حرام يَسْحَتُ الطاعات أي يذهبها، وروى العباس بن الفضل عن خارجة بن مصعب عن نافع {أكَّالُونَ لِلسَّحْتِ} بفتح السين، وهذا مصدر من سَحَتَهُ يقال: سَحَتَ وأَسْحَتَ بمعنى واحد، وقال أبو اسحاق: سحَتَهُ ذَهَبَ به قَليلاً قليلاً.
رأس الصفحة
المعاني
كتاب النحاس
ثم قال جلَّ وعز: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [آية 42].
رَوَى زِرٌّ عن عبدالله بن مسعود أنه قال: السحتُ: الرِّشْوة.
وقال مسروق: سألت عبدالله عن الجَوْرِ في الحكم، قال ذلك الكفرُ، قلتُ: فما السُّحّتُ؟ قال أن يقضيَ الرجلُ لأخيه حاجة، فيهدي إليه هديةً فيقبلها.
والسُّحْتُ في كلامِ العربِ على ضُروب، يجمعها أنه ما يُسْحِتُ دينَ الإِنسان،
يُقال: سَحَته وأَسْحتَه: إذا استأصله، ومنه:
وَعَضُّ زَمَانٍ يا ابنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَعْ * مِنَ المَالِ إِلاَّ مُسْحَتَاً أَوْ مُجَلَّف
وقولُه جل وعز: {فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ..} [آية 42].
في هذا قولان:
أحدهما: روي عن ابن عباس أنه قال: هي منسوخة، نسخها {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} وكذا قال مجاهد وعكرمة.
قال الشعبي: إن شاء حَكَم، وإن شاء لم يحكم، وكذلك قال إبراهيم.
وقال الحسن: ليس في المائدة شيءٌ منسوخ.
والإِختيارُ عند أهل النظر القول الأول، لأنه قول ابن عباس، ولا يخلو قولُه عز وجل {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُم بِما أَنْزَلَ اللَّهُ} من أن يكون ناسخاً لهذه الآية.
أو يكون معناه وأن احكم بينهم بما أنزل الله، إن حكمت، فقد صار مصيباً أن حَكَمَ بينهم بإجماع.
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يقوِّيه.
رُوِيَ عن عبدالله بن مُرَّةَ عن البراء بن عازب (أن يهودياً مُرَّ به على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد حُمِّمَ وجهُه، فسأل عن شأنه، فقيل: زنى وهو محصن..) وذكر الحديث، وقال في آخره: فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أنا أول من أحيا ما أماتوا من أمر الله، فأَمَرَ بهِ فرُجِم".
ويُبيِّنُ لك أن القول هذا، قولُه جل وعز: {يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالقِسْطِ}.
وقولُه جل وعز: {فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ} [آية 42].
أي بالعدل.
رأس الصفحة
التفسير
لقد تم اختيار التفسير الافتراضي للموقع كونك لم تقم بالدخول كمستخدم مسجل
سجل هنا
* تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري مصنف و مدقق
يقول تعالـى ذكره: هؤلاء الـيهود الذين وصفت لك يا مـحمد صفتهم سماعون لقيل الباطل والكذب من قبل بعضهم لبعض محمد كاذب، لـيس بنبـيّ، وقِـيـل بعضهم: إن حكم الزانـي الـمـحصَن فـي التوراة الـجلد والتـحميـم، وغير ذلك من الأبـاطيـل والإفك، ويقبلون الرشا، فـيأكلونها علـى كذبهم علـى الله وفريتهم علـيه. كما: حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا مسلـم بن إبراهيـم، قال: ثنا أبو عقـيـل، قال: سمعت الـحسن يقول فـي قوله: { سَمَّاعُونَ للكَذِبِ أكَّالُونَ للسُّحْتِ } قال: تلك الـحكام سمعوا كِذْبةً، وأكلوا رِشْوَةً. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { سَمَّاعُونَ للكَذِبِ أكَّالُونَ للسُّحْتِ } قال: كان هذا فـي حكام الـيهود بـين أيديكم، كانوا يسمعون الكذب ويقبلون الرشا. حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: { أكَّالُونَ للسُّحْتِ } قال: الرشوة فـي الـحكم وهم يهود. حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا سفـيان بن وكيع، قال: ثنا أبـي وإسحاق الأزرق، وحدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، عن سفـيان، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله: { أكَّالُونَ للسُّحْتِ } قال: السحت: الرشوة. حدثنا سفـيان بن وكيع وواصل بن عبد الأعلـى، قالا: ثنا ابن فضيـل، عن الأعمش، عن سلـمة بن كهيـل، عن سالـم بن أبـي الـجعد، قال: قـيـل لعبد الله: ما السحت؟ قال: الرشوة. قالوا: فـي الـحكم؟ قال: ذاك الكفر. حدثنا سفـيان، قال: ثنا غندر ووهب بن جرير، عن شعبة، عن منصور، عن سالـم بن أبـي الـجعد، عن مسروق، عن عبد الله، قال: السحت: الرشوة. حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن حريث، عن عامر، عن مسروق، قال: قلنا لعبد الله: ما كنا نرى السحت إلا الرشوة فـي الـحكم قال عبد الله: ذاك الكفر. حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن سالـم بن أبـي الـجعد عن مسروق، عن عبد الله، قال: السحت: الرشا؟ قال: نعم. حدثنا ابن المثنى، قال: محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد عن مسروق، قال: سألت عبد الله عن السحت، فقال: الرجل يطلب الـحاجة للرجل فـيقضيها، فـيهدي إلـيه فـيقبلها. حدثنا سوار، قال: ثنا بشر بن الـمفضل، قال: ثنا شعبة، عن منصور وسلـيـمان الأعمش، عن سالـم بن أبـي الـجعد، عن مسروق، عن عبد الله أنه قال: السحت: الرشا. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا الـمـحاربـيّ، عن سفـيان، عن عاصم، عن زِرّ، عن عبد الله: السُّحْت، قال: الرشوة فـي الدين. حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن خيثمة، قال: قال عمر: ما كان من السحت: الرشا، ومهر الزانـية. حدثنـي سفـيان، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم، قال: السحت: الرشوة. حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: { أكَّالُونَ للسُّحْتِ } قال: الرشا. حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنـي أبـي، عن طلـحة، عن أبـي هريرة، قال: مهر البغيّ سُحت، وعَسْبُ الفحل سُحْت، وكسب الـحَجَّام سُحْت، وثمن الكلب سُحْت. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك، قال: السحت: الرشوة فـي الـحكم. حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا إسرائيـل، عن حكيـم بن جبـير، عن سالـم بن أبـي الـجعد، عن مسروق، قال: سألت ابن مسعود عن السحت، قال: الرشا، فقلت: فـي الـحكم؟ قال: ذاك الكفر. حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { أكَّالُونَ للسُّحْتِ } يقول: للرشا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الـملك بن أبـي سلـيـمان، عن سلـمة بن كهيـل، عن مسروق، عن علقمة: أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة، فقال: هي السحت، قالا فـي الـحكم؟ قال: ذاك الكفر، ثم تلا هذه الآية:
{وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ}
[المائدة: 44]. حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن الـمسعودي، عن بكير بن أبـي بكير، عن هاشم بن صبـيح، قال: شفع مسروق لرجل فـي حاجة، فأهدى له جارية، فغضب غضبـاً شديداً وقال: لو علـمت أنك تفعل هذا ما كلـمت فـي حاجتك ولا أكلـم فـيـما بقـي من حاجتك، سمعت ابن مسعود يقول: من شفع شفـاعة لـيردّ بها حقاً أو يرفع بها ظلـماً، فأُهدي له فقبل، فهو سُحْتٌ، فقـيـل له: يا أبـا عبد الرحمن ما كنا نرى ذلك إلا الأخذ علـى الـحكم قال: الأخذ علـى الـحكم كفر. حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: { سَمَّاعُونَ للكَذِبِ أكَّالُونَ للسُّحْتِ } وذلك أنهم أخذوا الرشوة فـي الـحكم وقضوا بـالكذب. حدثنا هناد، قال: ثنا عبـيدة، عن عمار، عن مسلـم بن صبـيح، عن مسروق، قال: سألت ابن مسعود عن السحت، أهو الرشا فـي الـحكم؟ فقال: لا، من لـم يَحْكم بـما أنزل الله فهو كافر، ومن لـم يحكم بـما أنزل الله فهو ظالـم، ومن لـم يحكم بـما أنزل الله فهو فـاسق، ولكن السحت يستعينك الرجل علـى الـمَظْلـمة فتعينه علـيها، فَـيُهدي لك الهدية فتقبلها. حدثنا هناد، قال: ثنا ابن فضيـل، عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن هبـيرة السبئي، قال: من السحت ثلاثة: مهر البغيّ، والرشوة فـي الـحكم، وما كان يُعْطَى الكهان فـي الـجاهلـية. حدثنا هناد، قال: ثنا ابن مطيع، عن حماد بن سلـمة، عن عطاء الـخراسانـي، عن ضَمْرة، عن علـيّ بن أبـي طالب، أنه قال فـي كسب الـحجام، ومهر البغيّ، وثمن الكلب، والاستـعجال فـي القضية، وحلوان الكاهن، وعسيب الفحل، والرشوة فـي الـحكم، وثمن الـخمر، وثمن الـمـيتة: من السُّحْت. حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { أكَّالُونَ للسُّحْتِ } قال: الرشوة فـي الـحكم. حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي عبد الرحمن بن أبـي الـموالـى، عن عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " كُلُّ لـحَمٍ أَنْبَتَهُ السُّحْتُ فـالنَّارُ أوْلَـى بِهِ " قـيـل: يا رسول الله، وما السحت؟ قال: " الرّشْوَةُ فِـي الـحُكْمِ " حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي عبد الـجبـار بن عمر، عن الـحكم بن عبد الله، قال: قال لـي أنس بن مالك، إذا انقلبت إلـى أبـيك فقل له: إياك والرّشوة فإنها سحت وكان أبوه علـى شُرَطَ الـمدينة. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن سالـم، عن مسروق، عن عبد الله، قال: الرشوة سحت. قال مسروق: فقلنا لعبد الله: أفـي الـحكم؟ قال: لا، ثم قرأ:
{وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ}
[المائدة: 44]
{وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}
[المائدة: 45]
{وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ}
[المائدة: 47].وأصل السحت: كلَب الـجوع، يقال منه: فلان مسحوت الـمعدة: إذا كان أكولاً لا يُـلَفـى أبداً إلا جائعاً. وإنـما قـيـل للرّشوة السحت، تثبيتاً بذلك كأن بـالـمسترشِي من الشره إلـى أخذ ما يعطاه من ذلك مثل الذي بـالـمسحوت الـمعدة من الشره إلـى الطعام، يقال منه: سَحتَه وأسْحَتَه، لغتان مـحكيتان عن العرب، ومنه قول الفرزدق بن غالب:
وَعَضُّ زَمانٍ يا ابْنَ مَرْوَانَ لَـمْ يَدَعْ منَ الـمَالِ إلا مُسَحَتاً أوْ مُـجَلَّفُ
يعنـي بـالـمسحت: الذي قد أستأصله هلاكاً بأكله إياه وإفساده، ومنه قوله تعالـى:
{فَـيُسْحِتَكُمْ بعَذَابِ قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ}
[طه: 61] وتقول العرب للـحالق: اسحت الشعر: أي استأصله. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِض عَنْهُمْ وَإنْ تُعرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإنْ حَكَمْتَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ بـالقِسْطِ إنَّ اللَّهَ يُحَبُّ الـمُقسِطينَ }. يعنـي تعالـى ذكره بقوله: { فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ }: إن جاء هؤلاء القوم الآخرون الذين لـم يأتوك بعد، وهم قوم الـمرأة البغية، مـحتكمين إلـيك، فـاحكم بـينهم إن شئت بـالـحقّ الذي جعله الله حكماً له، فـيـمن فعَل فِعْل الـمرأة البغية منهم، أو أعرض عنهم، فدع الـحكم بـينهم إن شئت والـخيار إلـيك فـي ذلك. وبـمثل الذي قلنا فـي ذلك قال جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك: حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ } اليهود، زنى رجل منهم له نسب حقـير فرجموه، ثم زنى منهم شريف فحمَّـموه، ثم طافوا به، ثم استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لـيوافقهم. قال: فأفتاهم فـيه بـالرجم، فأنكروه، فأمرهم أن يدعوا أحبـارهم ورهبـانهم، فناشدهم بـالله أيجدونه فـي التوراة، فكتـموه إلا رجلاً من أصغرهم أعور، فقال: كذَبوك يا رسول الله، إنه لفـي التوراة حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي اللـيث، عن ابن شهاب: أن الآية التـي فـي سورة الـمائدة: { فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ } كانت فـي شأن الرجم. حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قال: إنهم أتوه يعنـي الـيهود فـي امرأة منهم زنت يسألونه عن عقوبتها، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كَيْفَ تَـجِدُونَهُ مَكْتُوبـاًعِنْدَكُمْ فِـي التَّوْرَاةِ؟ " فقالوا نؤمر برجم الزانـية. فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجمت، وقد قال الله تبـارك وتعالـى: { وَإنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإنْ حَكَمْتَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ بـالقِسْطِ إنَّ اللَّهَ يُحبُّ الـمُقْسِطِينَ }. حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثـير، قوله: { فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ } قال: كانوا يَحدّون فـي الزنا، إلـى أن زنى شابٌّ منهم ذو شرف، فقال بعضهم لبعض: لا يدعُكم قومه ترجمونه، ولكن اجلدوه ومثِّلوا به فجلدوه وحملوه علـى إكاف حمار، وجعلوا وجهه مستقبل ذنب الـحمار، إلـى أن زنى آخرُ وضيع لـيس له شرف فقالوا: ارجموه ثم قالوا: فكيف لـم ترجموا الذي قبله؟ ولكن مثل ما صنعتـم به فـاصنعوا بهذا. فلـما كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم، قالوا: سلوه، لعلكم تـجدون عنده رخصة فنزلت: { فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ }... إلـى قوله: { إنَّ اللَّهَ يُحبُّ الـمُقْسِطِينَ }. وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية فـي قتـيـل قتل فـي يهود منهم قتله بعضهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد بن السريّ وأبو كريب، قالا: ثنا يونس بن بكير، عن مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي داود بن الـحصين، عن عكرمة، عن ابن عبـاس: أن الآيات فـي الـمائدة، قوله: { فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ }... إلـى قوله: { الـمُقْسِطِينَ } إنـما نزلت فـي الدية فـي بنـي النضير وبنـي قريظة، وذلك أن قتلـى بنـي النضير كان لهم شرف تؤدّي الدية كاملة، وإن قريظة كانوا يؤدّون نصف الدية. فتـحاكموا فـي ذلك إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ذلك فـيهم، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى الـحقّ فـي ذلك، فجعل الدية فـي ذاك سواء. والله أعلـم أيّ ذلك كان. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبـد الله بن موسى، عن علـيّ بن صالـح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: كانت قريظة والنضير، وكان النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلاً من النضير قُتِل به، وإذا قَتل رجل من النضير رجلاً من قريظة أدّى مئة وَسْق تـمر. فلـما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قَتل رجل من النضير رجلاً من قريظة، فقالوا: ادفعوه إلـينا فقالوا: بـيننا وبـينكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنزلت: { وَإنْ حَكَمْتَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ بـالقِسْطِ }. حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: كان فـي حكم حييّ بن أخطب للنضري ديتان، والقُرَظي دية، لأنه كان من النضير قال: وأخبر الله نبـيه صلى الله عليه وسلم بـما فـي التوراة، قال:
{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ..}
[المائدة: 45]. إلـى آخر الآية. قال: فلـما رأت ذلك قُريظة، لـم يرضوا بحكم بن أخطب، فقالوا: نتـحاكم إلـى مـحمد فقال الله تبـارك وتعالـى: { فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ } فخيره،
{وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ}
[المائدة: 43]... الآية كلها. وكان الشريف إذا زنى بـالدنـيئة رجموها هي وحمَّـموا وجه الشريف، وحملوه علـى البعير، أو جعلوا وجهه من قِبَل ذنب البعير. وإذا زنى الدنـيء بـالشريفة رجموه، وفعلوا بها ذلك. فتـحاكموا إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فرجمها. قال: وكان النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال لهم: " مَنْ أعْلَـمُكُمْ بـالتَّوْرَاةِ؟ " قالوا: فلان الأعور. فأرسل إلـيه، فأتاه، فقال: " أنْتَ أعْلَـمُهُمْ بـالتَّوْرَاةِ؟ " قال: كذاك تزعم يهود، فقال له النبـيّ صلى الله عليه وسلم: " أُنْشُدُكَ بـاللَّهِ وَبـالتَّوْرَاةِ التـي أنْزَلهَا علـى مُوسَى يَوْمَ طُورِسِيناءَ ما تَـجِدُ فِـي التَّوْرَاةِ فِـي الزَّانِـيَـيْنِ؟ " فقال: يا أبـا القاسم يرجمون الدنـيئة، ويحملون الشريف علـى بعير، ويحمـمون وجهه، ويجعلون وجهه من قِبَل ذَنَب البعير، ويرجمون الدنـيء إذا زنى بـالشريفة، ويفعلون بها هي ذلك. فقال له النبـيّ صلى الله عليه وسلم: " أَنْشُدُكَ بـاللَّهِ وَبـالتَّوْرَاةِ التـي أنْزَلهَا عَلـى مُوسَى يَوْمَ طُورِسِيناءَ ما تَـجِدُ فِـي التَّوْرَاةِ؟ " فجعل يروغ والنبـيّ صلى الله عليه وسلم يَنْشُدُه بـالله وبـالتوراة التـي أنزلها علـى موسى يوم طورسيناء، حتـى قال: يا أبـا القاسم الشيخ والشيخة إذا زنـيا فـارجموهما البتة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فَهُوَ ذَاكَ، اذْهَبُوا بِهِما فـارْجُمُوهُما " قال عبد الله: فكنت فـيـمن رجمهما، فما زال يحني علـيها ويقـيها الـحجارة بنفسه حتـى مات. ثم اختلف أهل التأويـل فـي حكم هذه الآية هل هو ثابت الـيوم وهل للـحكام من الـخيار فـي الـحكم والنظر بـين أهل الذمة والعهد إذا احتكموا إلـيهم، مثل الذي جعل لنبـيه صلى الله عليه وسلم، فـي هذه الآية، أم ذلك منسوخ؟ فقال بعضهم: ذلك ثابت الـيوم لـم ينسخه شيء، وللـحكام من الـخيار فـي كل دهر بهذه الآية مثل ما جعله لرسوله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة بن الفضل، عن عمرو بن أبـي قـيس، عن مغيرة، عن إبراهيـم والشعبـي: إن رُفع إلـيك أحد من الـمشركين فـي قضاء، فإن شئت فـاحكم بـينهم بـما أنزل الله، وإن شئت أعرض عنهم. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبـي وإبراهيـم، قالا: إذا أتاك الـمشركون فحكموك فـاحكم بـينهم، أو أعرض عنهم، وإن حكمت فـاحكم بحكم الـمسلـمين ولا تعْدُه إلـى غيره. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، وحدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن سفـيان، عن مغيرة، عن إبراهيـم والشعبـي: { فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ } قال: إن شاء حكم، وإن شاء لـم يحكم. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، قال: ثنا سفـيان، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: إن شاء حكم وإن شاء لـم يحكم. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مـحمد بن سالـم، عن الشعبـيّ، قال: إذا أتاك أهل الكتاب بـينهم أمر، فـاحكم بـينهم بحكم الـمسلـمين، أو خـلّ عنهم وأهل دينهم يحكمون فـيهم إلا فـي سرقة أو قتل. حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: قال لـي عطاء: نـحن مخيرون، إن شئنا حكمنا بـين أهل الكتاب، وإن شئنا أعرضنا فلـم نـحكم بـينهم، وإن حكمنا بـينهم حكمنا بحكمنا بـيننا أو نتركهم وحكمهم بـينهم. قال ابن جريج: وقال مثل ذلك عمرو بن شعيب، وذلك قوله: { فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ }. حدثنا يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا مغيرة، وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن مغيرة، عن إبراهيـم والشعبـي فـي قوله: { فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ } قالا: إذا جاءوا إلـى حاكم الـمسلـمين، فإن شاء حكم بـينهم وإن شاء أعرض عنهم، وإن حكم بـينهم حكم بـينهم بـما فـي كتاب الله. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ } يقول: إن جاءوك فـاحكم بـينهم بـما أنزل الله، أو أعرض عنهم. فجعل الله له فـي ذلك رخصة، إن شاء حكم بـينهم، وإن شاء أعرض عنهم. حدثنا هناد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيـم والشعبـي، قالا: إذا أتاك الـمشركون فحكموك فـيـما بـينهم، فـاحكم بـينهم بحكم الـمسلـمين ولا تَعْدُه إلـى غيره، أو أعرض عنهم وخـلِّهم وأهلَ دينهم. وقال آخرون: بل التـخيـير منسوخ، وعلـى الـحاكم إذا احتكم إلـيه أهل الذمة أن يحكم بـينهم بـالـحقّ، ولـيس له ترك النظر بـينهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الـحسين بن واقد، عن يزيد النـحويّ، عن عكرمة والـحسن البصريّ: { فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ } نسخت بقوله:
{وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ}
[المائدة: 49]. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن السديّ، قال: سمعت عكرمة يقول: نسختها
{وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ}
[المائدة: 49]. حدثنا ابن وكيع ومـحمد بن بشار، قالا: ثنا ابن مهدي، عن سفـيان، عن السديّ، قال: سمعت عكرمة يقول: نسختها:
{وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ}
[المائدة: 49]. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن سفـيان بن حسين، عن الـحكم، عن مـجاهد: لـم ينسخ من الـمائدة إلا هاتان الآيتان: { فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ } نسختها:
{وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ}
[المائدة: 49] وقوله:
{يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلاَ ٱلْهَدْيَ وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ}
[المائدة: 2] نسختها:
{ٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}
[التوبة: 5].حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن منصور، عن الـحكم، عن مـجاهد قال: نسختها:
{وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ}
[المائدة: 49]. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا حجاج بن منهال، قال: ثنا همام، عن قتادة، قوله: { فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ } يعنـي اليهود. فأمر الله نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يحكم بـينهم، ورخص له أن يعرض عنهم إن شاء، ثم أنزل الله تعالـى الآية التـي بعدها:
{وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ}
[المائدة: 48]... إلـى قوله:
{فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ}
[المائدة: 48] فأمر الله نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يحكم بـينهم بـما أنزل الله بعد ما رخص له إن شاء أن يعرض عنهم. حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن عبد الكريـم الـجزري: أن عمر بن عبد العزيز كتب إلـى عديّ بن عديّ: إذا جاءك أهل الكتاب فـاحكم بـينهم. حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن السديّ، عن عكرمة قال: نسخت بقوله: فاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ. حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن الزهري، قوله: { فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ } قال: مضت السنة أن يُرَدّوا فـي حقوقهم ومواريثهم إلـى أهل دِينهم، إلا أن يأتوا راغبـين فـي حدّ يُحكم بـينهم فـيه بكتاب الله. حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: لـما نزلت: { فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ } كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم إن شاء حكم بـينهم، وإن شاء أعرض عنهم. ثم نسخها فقال:
{فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ}
[المائدة: 48] وكان مـجبوراً علـى أن يحكم بـينهم. حدثنا مـحمد بن عمار، قال: ثنا سعيد بن سلـيـمان، قال: ثنا عبـاد بن العوّام، عن سفـيان بن حسين، عن الـحكم، عن مـجاهد، قال: آيتان نسختا من هذه السورة، يعنـي الـمائدة، آية القلائد، وقوله: { فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ } ، فكان النبـيّ صلى الله عليه وسلم مخيراً، إن شاء حكم، وإن شاء أعرض عنهم، فردّهم إلـى أن يحكم بـينهم بـما فـي كتابنا. وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب قول من قال: إن حكم هذه الآية ثابت لـم ينسخ، وإن للـحكام من الـخيار فـي الـحكم بـين أهل العهد إذا ارتفعوا إلـيهم فـاحتكموا وترك الـحكم بـينهم والنظر مثل الذي جعله الله لرسوله صلى الله عليه وسلم من ذلك فـي هذه الآية. وإنـما قلنا: ذلك أولاهما بـالصواب، لأن القائلـين أن حكم هذه الآية منسوخ زعموا أنه نسخ بقوله:
{وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ}
[المائدة: 49]، وقد دللنا فـي كتابنا: «كتاب البـيان عن أصول الأحكام» أن النسخ لا يكون نسخاً إلا ما كان نفـياً لـحكم غيره بكلّ معانـيه، حتـى لا يجوز اجتـماع الـحكم بـالأمرين جميعاً علـى صحته بوجه من الوجوه، بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. وإذ كان ذلك كذلك، وكان غير مستـحيـل فـي الكلام أن يقال: وأن احكم بـينهم بـما أنزل الله، ومعناه: وأن احكم بـينهم بـما أنزل الله إذا حكمت بـينهم بـاختيارك الـحكم بـينهم إذا اخترت ذلك ولـم تـختر الإعراض عنهم، إذ كان قد تقدم إعلام الـمقول له ذلك من قائله أن له الـخيار فـي الـحكم وترك الـحكم كان معلوماً بذلك أن لا دلالة فـي قوله:
{وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ}
[المائدة: 49] أنه ناسخ قوله: { فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ وَإنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإنْ حَكَمْتَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ بـالقِسْطِ } لـما وصفنا من احتـمال ذلك ما بـينا، بل هو دلـيـل علـى مثل الذي دلّ علـيه قوله: { وَإنْ حَكَمْتَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ بـالقِسْطِ }. وإذا لـم يكن فـي ظاهر التنزيـل دلـيـل علـى نسخ إحدى الآيتـين الأخرى، ولا نفـي أحد الأمرين حكمَ الآخر، ولـم يكن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر يصحّ بأن أحدهما ناسخ صاحبه، ولا من الـمسلـمين علـى ذلك إجماع صحّ ما قلنا من أن كلا الأمرين يؤيد أحدهما صاحبه ويوافق حكمه حكمه ولا نسخ فـي أحدهما للآخر. وأما قوله: { وَإنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً } فإن معناه: وإن تعرض يا مـحمد عن الـمـحتكمين إلـيك من أهل الكتاب فتدع النظر بـينهم فـيـما احتكموا فـيه إلـيك، فلا تـحكم فـيه بـينهم، فلن يضرّوك شيئاً، يقول: فلن يقدروا لك علـى ضرّ فـي دين ولا دنـيا، فدع النظر بـينهم إذا اخترت ترك النظر بـينهم. وأما قوله: { وَإنْ حَكَمْتَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ بـالقِسْطِ } فإن معناه: وإن اخترت الـحكم والنظر يا مـحمد بـين أهل العهد إذا أتوك، فـاحكم بـينهم بـالقسط، وهو العدل، وذلك هو الـحكم بـما جعله الله حكماً فـي مثله علـى جميع خـلقه من أمة نبـينا صلى الله عليه وسلم. وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال جماعة أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك: حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيـم والشعبـي: { وَإنْ حَكَمْتَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ بـالقِسْطِ } قالا: إن حكم بـينهم حكم بـما فـي كتاب الله. حدثنا سفـيان، قال: ثنا يزيد بن هاون، عن العوّام بن حوشب، عن إبراهيـم: { وَإنْ حَكَمْتَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ بـالقِسْطِ } قال: أمِر أن يحكم فـيهم بـالرجم. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن العوّام، عن إبراهيـم التـيـمي فـي قوله: { وَإنْ حَكَمْتَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ بـالقِسْطِ } قال: بـالرجم. حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { بـالقِسْطِ }: بـالعدل. حدثنا هناد، قال: ثنا هشيـم، عن العوّام بن حوشب، عن إبراهيـم التـيـمي فـي قوله: { فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ بـالقِسْطِ } قال: أمر أن يحكم بـينهم بـالرجم. وأما قوله: { إنَّ اللّهَ يُحِبُّ الـمُقْسِطِينَ } فمعناه: إن الله يحبّ العاملـين فـي حكمه بـين الناس، القاضين بـينهم بحكم الله الذي أنزله فـي كتابه وأمر أنبـياءه صلوات الله علـيهم، يقال منه: أقسط الـحاكم فـي حكمه إذا عدل وقضى بـالـحقّ يُقسط إقساطاً به. وأما قسط فمعناه: الـجور، ومنه قول الله تعالـى:
{وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً}
[الجن: 15] يعنـي بذلك: الـجائرين علـى الـحقّ.
رأس الصفحة
الأحكام
كتاب الكيا الهراسي
1) المعاملات (الرشوة)
قوله تعالى: {سمّاعُونَ لِلكّذِبِ أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ} الآية [42].
أصل السحت الاستئصال, يقال أسحته إسحاتاً إذا استأصله واذهبه.
قال الله تعالى: {فَيُسحِتَكُم بِعَذَابٍ}: أي يستأصلكم, ويقال اسحت ماله إذا أفسده، فسمى الحرام سحتاً لأنه لا بركه لأهله فيه، ويهلك به صاحبه هلاك الاستئصال، فأخذ الرشوة على الحكم غاية المحظور من الرشوة، فإنه يجب عليه إظهار الحق فيأخذ الرشوة، ومن أجله منع الشافعي الصلح على الإنكار، لأن الذي ينكر إذا جعل القول قوله، فكأنه بما يبذله من المال يبغي رفع الظلم عن نفسه، فكان كالرشوة على فعل واجب أو رفع ظلمه.
ومن هذا القبيل أن يستشفع به إلى السلطان من يتقيء شر السلطان، فيستشفع له على رشوة يأخذها منه.
ويقرب من هذا أخذ القاضي الهدية، إذا كان لا يهدى إليه من قبل.
فالارتشاء على الحكم، هو الذي ورد فيه اللعن على الراشي والمرتشى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والرشوة هي التي دعت اليهود إلى كتمان ما أنزل الله تعالى من نعوت نبينا على الانبياء المرسلين، فإنهم آثروا حظهم من الدنيا على اتباعه، فكتموا ما أنزل الله تعالى من نعوته، بعد أن كانوا أغروا به من آبائهم وأبنائهم، وجحدوا بألسنتهم ما استيقنته أنفسهم ظلماً وعتواً، فأدّاهم شؤم الارتشاء إلى الكفر بما أنزل الله تعالى، فصاروا إلى محاربة الله ورسوله وعذاب الأبد.
كتاب الكيا الهراسي
1) الجهاد
2) أهل الذِّمة
3) العتاق (الإستثناء)
قوله تعالى: {فإنْ جَاؤُوكَ فاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عنهُم} الآية [42]:
وقد اختلف العلماء فيه: فقال قائلون: يتخير الإمام في حقهم: إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم وردهم إلى دينهم.
وقال قائلون: التخيير منسوخ.
والقولان محكيان عن الشافعي.
وقال ابن عباس: آيتان نسختا من المائدة: آية القلائد، وقوله تعالى: {فاحكُم بينهُم أو أعرض عَنهم}.
أما القلائد، فنسخها الأمر بقتل المشركين حيث كانوا، وأي شهر كانوا، وأما الأخرى فنسخت بقوله تعالى: {وأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللهُ}.
ولا يقول ابن عباس إنه نسخ ذلك من طريق الرأي، فإن مدركه التوقيف والعلم بالتواريخ، إلا أنه يقال: يجوز أن يكون قد أخطأ وغلط في الذي ادّعاه من التوقيف، ولم يكن طريقة النسخ، وإذ قال الصحابي أو التابعي كذا منسوخ بكذا، فلا يقبل ذلك دون أن ينظر فيه.
ويجوز أن يكون معنى قوله: {وأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللهُ}: المنع من اتباع آرائهم فيما قد نسخ، ولا يمنع ذلك من جواز الإعراض عنهم، مثل منوب الجزية عليهم، فإنهم ماكانوا إذ ذاك داخلين في أحكام الإسلام، وإنما كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم هدنة، أن لا يتعرض لهم ولا يؤاخذون بشيء من أحكام الإسلام، فتكون منهم ولهم، فلما أمر الله تعالى بأخذ الجزية منهم وإجراء أحكام المسلمين عليهم، أمر بالحكم بينهم بما أنزل الله تعالى، فسيكون حكماً للآيتين جميعاً تاماً.
فإذا احتمل الأمرين، فليس قوله: أو أعرض عنهم، نصاً حتى يحتاج إلى طلب نسخه، فعلى هذا ينبغي أن يقال: يجب على الإمام أن يحكم بينهم.
ويحتمل أن يقال: من حيث إنهم لا يؤاخذون بأحكام الإسلام وتفاصيل الحلال والحرام، يجوز للامام أن لا يحكم بينهم أصلاً.
وروي عن ابن عباس ان الآية التي في المائدة قوله: {فاحْكُم بَيْنَهُم أَو أَعْرِضْ عَنْهُم}، إنما نزلت في الدية بين بني قريظة وبني النضير، وذلك أن بني النضير كان لهم شرف يدون دية كاملة، وأن بني قريظة يدون نصف الدية ، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله، فأنزل الله تعالى الآية فيهم، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق في ذلك، فجعل الدية سوى، وأن بني قريظة والنضير ما كان لهم ذمة أصلاً، وقد أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهل الذمة لا يجوز ذلك فيهم، وبنو قريظة قتلوا عن آخرهم لما نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس في أصحابنا من يفصل بين المعاهدة والذمي في هذا المعنى، فالأقرب أن يقال: إن الحكم في الجميع سواء.
وروي عن ابن عباس رواية أخرى.
وعن الحسن وعن مجاهد والزهدي أن الآية وهي قوله: {وأن احْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللهُ ولاَ تَتَبِع أَهْوَاءَهُم}، نزلت في شأن الرجم حين تحاكموا إليه وهم أيضاً لم يكونوا أهل ذمة، وإنما تحاكموا إليه طلباً للرخصة وزوال الرجم، فصار النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيت مدارسهم ووقفهم على آية الرجم، وعلى كذبهم وتحريفهم كتاب الله تعالى، ورجم اليهوديين وقال: أنا أولى من أحيا سنة أماتوها، وهذا يدل دلالة تامة على جواز رجم اليهود خلافاً لأبي حنيفة، ويدل على أن أهل الذمة محمولون في عقودهم وقضاياهم على موجب أحكام المسلمين كالمسلمين، ويدل أيضاً على أن الخمر ليست بمضمونة على متلفها، ولا أنها مال من أموالهم، لأن إيجاب الضمان على متلفها حكم على موجب أهواء اليهود، وقد أمرنا بخلاف ذلك.
نعم، لا نتعرض لهم في خمورهم ولا في مناكحتهم الباطلة، وقد فتح عمر سواد العراق، وكان أهلها مجوساً، ولم يتعرض لمناكحتهم الواردة من قبل على بناتهم وأخواتهم، ولا فرّق بينهم.
وتحقيق القول فيه، أن إعراضنا عن ذلك مع علمنا بوجود المحرم لضرب من المصلحة، غير أن المصلحة منقسمة إلى مصلحة روعيت في حق مرتكبي المحرمات بمنعهم منها، وبزجرهم عنها، مثل النهي عن المنكرات في حق المسلمين، وهذا لم يشرع في حق أهل الذمة، فإذا عرفنا يقيناً أنهم في بيعهم يقولون ما يقولون، فلا يتعرض لهم لمصلحة تعود إلى أهل الإسلام من وجه ، وإلى أهل الذمة من وجه آخر.
فأما ما يرجع إلى أهل الإسلام فلا خفاء به.
وأما الذي يرجع إلى أهل الذمة، فهو أن البغية بعقد الذمة تقبيح سنن رشادهم، حتى إذا شاهدوا من آيات الله تعالى والأعلام على نبوة نبينا وخالطونا، انفتحت بصائرهم وقرب الأمر في استجابتهم، ولو لم يعقد لهم عقد الذمة، نفروا واستكبروا ولم يتحقق اللطف الذي يؤمن به قرب إجابتهم، فهذا هو السبب في تقريرنا إياهم وترك الإنكار عليهم، هذا إن عللنا.
وإن لم نعلل قلنا: الأصل أن لا يقرون ويمنعون إلا حيث أرخص الشرع فيه، وقد أرخص في تدك النكير في نكاح المحارم وغيره من المحظورات، فهذا تمام هذا الفن.
فإذا ثبت ذلك، فقد كان في إبتداء الإسلام مخيراً في أن يحكم بينهم أو يعرض عنهم، ثم صار ذلك منسوخاً، ونفي الإعراض في غير ما تحاكموا إليه فيه، وقبل ذلك كان الإعراض جائزاً فيما تحاكموا إليه فيه، وقد قال أبو حنيفة: إذا ترافعوا إلينا وقد جرى النكاح في العدة، فلا يعترض عليهم في الدوام، ومعلوم أن أول النكاح في العدة لم يكن على نحو ما يجوز في الإسلام، إلا أنهم يرون مانع العدة مختصاً بالابتداء، وهو عذرهم في الشهادة، وهذا يقتضي أن ما جرى في الشرك مجري على مقتضى اعتقادهم، فإذا كان كذلك، فإذا تزوج خمساً دفعه وماتت الخامسة في الشرك يجب ألا يعترض على النكاح، لأن النكاح إنما امتنع دواماً لوجوب قطع البعض، فإذا ماتت الخامسة لم يبق مانع في الحال، غير أنكم جعلتم ما مضى مانعاً، فهلا كان هاهنا كذلك، وهذا لا جواب عنه.
كتاب الشافعي
1) القضاء
2) الجهاد
3) القضاء (بين غير المسلمين)
(أنا) أبو سعيد، نا أبو العباس، أنا الربيع، أنا الشافعى، قال: "قال الله (تبارك وتعالى) لنبيِّه (صلى الله عليه وسلم) فى أهلِ الكتابِ: {فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ} [5: 42-42]."
"قال الشافعى: فى هذه الآيةِ، بيانٌ (والله أعلم): أنَّ اللهَ (عز وجل) جَعَل لنبيِّه (صلى الله عليه وسلم) الخِيَارَ: فى أن يَحكُمَ بيْنهم، أو يُعْرِضَ عنهم. وجَعَل عليه -: إنْ حَكَمَ. -: أنْ يحْكُمَ بيْنهم بالقِسْطِ.
والقِسْطُ: حُكْمُ اللهِ الذي أُنْزِلَ على نبيِّه (صلى الله عليه وسلم): المَحْضُ الصادقُ، أحدَثُ الأخبارِ عهداً بالله (عز وجل). قال الله عز وجل: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} الآية: [5: 49-49]. قال: وفى هذه الآيةِ، ما فى التى قبلَها: من أمْرِ اللهِ (عز وجل) له، بالحكمِ: بما أنزَل اللهُ إليه"
"قال: وسمعتُ مَن أرْضَى -: من أهلِ العلمِ. - يقولُ فى قولِ اللهِ عز وجل: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ}: إنْ حَكَمْتَ؛ لا: عَزْماً أنْ تَحْكُمَ."
ثم ساق الكلامَ، إلى أنْ قال: "أنا إبراهيم بن سعدٍ، عن ابن شِهابٍ، عن عُبَيْد الله بن عبدالله بن عُتْبةَ، عن ابن عباس - أنه قال: كيفَ تسألون أهلَ الكتابِ عن شىءٍ: وكتابُكم الذي أنزَل اللهُ على نبيِّه (صلى الله عليه وسلم): أحدَثُ الأخبارِ، تَقرَءُونَه مَحْضاً: لم يُشَبْ.؟! ألمْ يُخْبِرْكم اللهُ فى كتابه: أنهم حَرَّفُوا كتابَ اللهِ (عز وجل) وبَدّلُوا، وكتَبُوا كتاباً بأيديهم، فقالوا: {هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} [2: 79-79].؟! ألاَ يَنْهاكم العِلمُ الذى جاءكم، عن مَسألتِهم؟! واللهِ: ما رأيْنا رجلا منهم قَطُّ: يَسألُكم عما أنزَل اللهُ إليكم.".
هذا: قوله فى كتابِ الْحُدودِ؛ وبمعناه: أجاب فى كتابِ القضاءِ باليمينِ مع الشاهدِ؛ وقال فيه:
"فسمعتُ مَن أرْضَى عِلمَه، يقول: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ}: إنْ حَكَمْتَ؛ على معنى قولِه: {فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ}. فتلك: مفسِّرةٌ؛ وهذه: جُملةٌ."
"وفى قوله عز وجل: {فَإِن تَوَلَّوْاْ} [5: 49-49]؛ دَلالةٌ: على أنهم إنْ تولَّوْا: لم يكنْ عليه الحكمُ بيْنهم. ولو كان قولُ اللهِ عز وجل: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ}؛ إلْزاماً منه للحُكمِ بيْنهم -: ألزمهم الْحُكمَ: مُتَوَلِّينَ. لأنهم إنما يَتَوَلّوْنَ: بعدَ الإتْيانِ؛ فأمَّا: ما لم يأتُوا؛ فلا يُقالُ لهم: تَوَلَّوْا."
وقد أخبرَنا أبو سعيد - فى كتاب الجِزْيةِ -: نا أبو العباس، أنا الربيع، أنا الشافعى، قال: "لم أعلمْ مخالفاً -: من أهلِ العِلم بالسِّيَرِ. -: أنَّ رسولَ الله (صلى الله عليه وسلم) لمَّا نَزَل المدينةَ: وادَعَ يَهودَ كافَّةً على غير جِزْيةٍ؛ و أنَّ قولَ اللهِ (عزوجل): {فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ}؛ إنما نَزَلَتْ: فى اليهودِ الْمُوَادِعِينَ: الذين لم يُعطُوا جِزْيةً، ولم يُقِرُّوا: بأنْ تَجرِىَ عليهم وقال بعضهم: نَزَلَتْ فى اليهودِيَّيْنِ الَّذَيْنِ زَنَيَا."
"قال: والذى قالوا، يُشْبِهُ ما قالوا؛ لقول الله عز وجل: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ} [5: 43-43]؛ وقال: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ}؛ يعنى (والله أعلم): فإن تَوَلَّوْا عن حُكمِك بغير رضاهم. فهذا يُشْبِهُ: أنْ يكونَ ممَّن أتاك: غيرَ مَقْهورٍ على الحُكم."
"والذين حاكَمُوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) - فى امرأة منهم ورجلٍ: زَنَيا. -: مُوَادِعُونَ؛ فكان فى التوراة: الرَّجْمُ؛ ورَجَوْا: أن لا يكونَ مِن حُكمِ رسولِ الله (صلى الله عليه وسلم). فجاؤا بهما: فرَجَمهما رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم).". وذَكَر فيه حديثَ ابن عمرَ.
قال الشافعى: "فإذا وادَعَ الإمامُ قوماً -: من أهلِ الشركِ. ولم يشترطْ: أنْ يَجْرِىَ عليهم الحُكمُ؛ ثم جاءوه مُتَحاكِمينَ -: فهو بالخيارِ: بيْنَ أنْ يَحكمَ بيْنهم، أو يَدَعَ الحُكمَ. فإن اختار أنْ يَحكمَ بيْنهم: حكَم بيْنهم حُكمَه بيْن المسلمين. فإن امتَنَعُوا - بعدَ رضاهم بحُكمِه - حارَبَهم."
"قال: و ليس للإِمام الخِيارُ فى أحد -: من المُعاهَدِينَ: الذين يجرِى عليهم الحكمُ. -: إذا جاءوه فى حَدٍّ لله (عز وجل). وعليه: أنْ يُقيمَه."
"قال: وإذا أبَى بعضُهم على بعضٍ، ما فيه له حَقٌّ عليه؛ فأتَى طالبُ الحقِّ إلى الإمامِ، يَطلُبُ حقَّه -: فَحقٌّ لازمٌ للإِمامِ (والله أعلم): أنْ يَحكمَ له على مَنْ كان له عليه حَقٌّ: منهم؛ وإن لم يأتِه المطلوبُ: راضياً بحُكمهِ؛ وكذلك: إنْ أظهرَ السخَطَ لحُكمِه. لما وَصَفْتُ: من قول اللهِ عزوجل: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} [9: 29-29]. فكان الصَّغَارُ (والله أعلم): أنْ يَجرِىَ عليهم حُكمُ الإسلامِ.". وبسَط الكلامَ فى التَّفريعِط
وكأنه وَقَف - حينَ صَنَّفَ كتابَ الجِزْيةِ -: أنَّ ايةَ الخِيار ورَدَتْ فى المُوَادِعينَ؛ فرَجَع عما قال - فى كتاب الْحُدُودِ - فى المُعَاهَدِينَ: فأوْجَبَ الحُكمَ بينهم بما أنزَل اللهُ (عز وجل). إذا ترافَعُوا إلينا
* * *
(أنا) أبو عبد الله (قراءةً عليه): نا أبو العباس، أنا الربيع، قال: قال الشافعى (رحمه الله): قال الله جل ثناؤه: {يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ} [38: 26-26]؛ وقال فى أهلِ الكتابِ: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ} [5: 42-42]؛ وقال لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ}؛ الآيةَ: [5: 49-49]؛ وقال: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ} [4: 58-58]."
"قال الشافعي: فأعلَمَ اللهُ نبيَّه (صلى الله عليه وسلم): أنّ فرْضاً عليه، وعلى مَن قَبْلَه، والناسِ -: إذا حَكَموا. -: أنْ يَحكُمُوا بالعَدلِ؛ والعَدلُ: اتِّباعُ حُكمِه الْمُنْزَلِ.".
(أنا) أبو سعيد بنُ أبى عمرو، نا أبو العباس، أنا الربيع، قال: قال الشافعى - فى قوله عز وجل: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} [5: 48 و49]. -: "يَحْتَمِلُ: تسَاهُلَهُم فى أحكامِهِم؛ ويَحتمِلُ: ما يَهْوَوْنَ. وأيُّهما كان فقد نُهِىَ عنه؛ وأُمِرَ: أنْ يُحكَمَ بيْنهم: بما أنزل اللهُ على نبيِّه صلى الله عليه وسلم.".
(أنا) أبو عبد الله الحافظُ، نا أبو العباس، أنا الربيع، قال: قال الشافعى. "قال الله جل ثناؤه: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} [21: 78-79]."
"قال الشافعى: قال الحسنُ بنُ أبى الحسنِ: لوْلاَ هذه الآيةُ، لرأيْتُ: أنَّ الحُكَّامَ قد هلَكوا؛ ولكنَّ اللهَ (تعالى): حَمِدَ هذا: بصَوَابِه؛ وأثنَى على هذا: باجتهادِه.".
وبهذا الإسنادِ، قال: قال الشافعى: "قال الله جل ثناؤه: {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} [75: 36-36]؛ فلم يَختلِفْ أهلُ العلمِ بالقرآنِ - فيما علِمتُ -: أنَّ (السُّدَى) هو: الذى لا يُؤْمَرُ، ولا يُنْهَى".
كتاب الجصاص
1) المعاملات (الرشوة)
2) تفسير (السُّحت)
3) القضاء (الحكم بين أهل الكتاب)
باب الرشوة
قال الله تعالى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ للسُّحْتِ} قيل إن أصل السُّحْتِ الاستئصال، يقال: أسْحَتَهُ إسْحاتاً: إذا استأصله وأذهبه، قال الله عز وجل: {فيسحتكم بعذاب} [طه: 61] أي يسأصلكم به. ويقال: أسحت مالَهُ، إذا أفسده وأذهبه. فسمّي الحرام سحتاً لأنه لا بركة فيه لأهله ويهلك به صاحبه هلاك الاستئصال. وروى ابن عيينة عن عمار الدهنيّ عن سالم بن أبي الجعد عن مسروق قال: سألت عبدالله بن مسعود عن السّحْتِ أهو الرشوة في الحكم؟ فقال: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ} ولكنّ السحْتَ أن يستشفع بك على إمام فتكلمه فيهدي لك هدية فتقبلها. وروى شعبة عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن مسروق قال: سألت عبدالله عن الجور في الحكم، فقال: "ذلك كُفْرٌ"؛ وسألته عن السحت، فقال: "الرشا". ورَوَى عبد الأعلى بن حماد: حدثنا حماد عن أبان عن أبي عياش عن مسلم، أن مسروقاً قال: قلت لعمر: يا أمير المؤمنين أرأيت الرشوة في الحكم من السحت؟ قال: "لا، ولكن كُفْرٌ، إنما السّحْتُ أن يكون لرجل عند سلطان جاهٌ ومنزلةٌ ويكون للآخر إلى السلطان حاجةٌ، فلا يقضي حاجته حتى يُهْدِيَ إليه". ورُوي عن علي بن أبي طالب قال: "السّحْتُ الرَّشْوَةُ في الحكم ومهرُ البغيِّ وعسبُ الفحل وكسب الحجّام وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن والاستجعال في القضية". فكأنه جعل السحت اسماً لأخذ ما لا يطيب أخذه. وقال إبراهيم والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك: "السحتُ الرّشا". ورَوَى منصور عن الحكم عن أبي وائل عن مسروق قال: "إن القاضي إذا أخذ الهدية فقد أكل السحت، وإذا أكل الرشوة بلغت به الكفر". وقال الأعمش عن خيثمة عن عمر قال: "بابانِ مِنَ السحت يأكلهما الناس: الرشا ومهر الزانية". ورَوَى إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن مسلم عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هَدَايا الأُمَرَاءِ مِنَ السُّحْتِ". ورَوَى أبو إدريس الخولاني عن ثوبان قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما". ورَوَى أبو سلمة بن عبدالرحمن عن عبدالله بن عمر قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي". ورَوَى أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِي والمُرْتَشِي في الحُكْمِ".
قال أبو بكر: اتّفق جميعُ المتأوِّلين لهذه الآية على أن قبول الرشا محرم، واتفقوا على أنه من السحت الذي حرمه الله تعالى.
مطلب: في وجوه الرشوة
والرّشْوة تنقسم إلى وجوه: منها الرشوة في الحكم، وذلك محرَّمٌ على الراشي والمرتشي جَميعاً، وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "لَعَنَ اللَّهُ الراشي والمُرْتَشِي" والرَّائِشُ وهو الذي يمشي بينهما، فذلك لا يخلو من أن يرشوه ليقضي له بحقه أو بما ليس بحقّ له، فإن رشاه ليقضي له بحقه فقد فسق الحاكم بقبول الرشوة على أن يقضي له بما هو فَرْضٌ عليه، واستحقّ الراشي الذمَّ حين حاكم إليه وليس بحاكم، ولا يَنْفُذُ حكمه، لأنه قد انعزل عن الحكم بأخذه الرشوة، كمن أخذ الأجرة على أداء الفروض من الصلاة والزكاة والصوم. ولا خلاف في تحريم الرشا على الأحكام وأنها من السحت الذي حرمه الله في كتابه. وفي هذا دليلٌ على أن كل ما كان مفعولاً على وَجْهِ الفرض والقُرْبة إلى الله تعالى أنه لا يجوز أخْذُ الأجرة عليه، كالحجّ وتعليم القرآن والإسلام؛ ولو كان أخْذُ الأبدال على هذه الأمور جائزاً لجاز أخْذُ الرشا على إمضاء الأحكام، فلما حرم الله أخْذَ الرشا على الأحكام واتفقت الأمّة عليه دلّ ذلك على فساد قول القائلين بجواز أخذ الأبدال على الفروض والقرب. وإن أعطاه الرشوة على أن يقضي له بباطل فقد فسق الحاكم من وجهين، أحدهما: أخذ الرشوة، والآخر: الحكم بغير حق؛ وكذلك الراشي. وقد تأوّل ابن مسعود ومسروق السحْتَ على الهدية في الشفاعة إلى السلطان، وقال "إن أخذ الرشا على الأحكام كَفَرَ". وقال علي رضي الله عنه وزيد بن ثابت ومن قدمنا قوله: "الرشا من السحت". وأما الرشوة في غير الحكم، فهو ما ذكره ابن مسعود ومسروق في الهدية إلى الرجل ليعينه بجاهه عند السلطان، وذلك منهيٌّ عنه أيضاً لأن عليه معونته في دفع الظلم عنه، قال الله تعالى: {وتعاونوا على البرّ والتقوى} [المائدة: 2]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يَزَالُ اللَّهُ فِي عَوْنِ المَرْءِ مَا دَامَ المَرْءُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ". ووجه آخر من الرشوة؛ وهو الذي يرشو السلطان لدفع ظُلْمِهِ عنه، فهذه الرشوة محرمة على آخذها غير محظورة على معطيها. ورُوي عن جابر بن زيد والشعبي قالا: "لا يأس بأن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم"، وعن عطاء وإبراهيم مثله. ورَوَى هشام عن الحسن قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي" قال الحسن: "ليُحِقَّ باطلاً أو يُبْطِلٍ حقّاً، فأما أن تدفع عن مالك فلا بأس". وقال يونس عن الحسن: "لا بأس أن يعطي الرجلُ من ماله ما يصون به عِرْضَهُ". ورَوَى عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: "اجعل مالَكَ جُنَّةً دون دينك ولا تجعل دينك جُنَّةً دون مالك". ورَوَى سفيان عن عمرو عن أبي الشعثاء قال: "لم نجد زمن زياد شيئاً أنفع لنا من الرشا". فهذا الذي رخّص فيه السلف إنما هو في دفع الظلم عن نفسه بما يدفعه إلى من يريد ظلمه أو انتهاك عرضه؛ وقد رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قسم غنائم خيبر وأعطى تلك العطايا الجزيلة، أعطى العباس بن مرداس السلمي شيئاً، فَسَخِطَهُ فقال شعراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اقْطَعُوا عَنَّا لِسَانَهُ" فزادوه حتى رَضِي.
وأما الهدايا للأمراء والقضاة، فإن محمد بن الحسن كرهها، وإن لم يكن للمُهْدي خصم ولا حكومة عند الحاكم؛ ذهب في ذلك إلى حديث أبي حميد الساعدي في قصة ابن اللُّتْبِيَّة حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة، فلما جاء قال: هذا لكم وهذا أُهْدِيَ لي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما بَالُ أَقْوَامٍ نَسْتَعْمِلُهُمْ عَلَى مَا وَلاَّنا اللَّهُ فيقولُ هَذَا لَكُمْ وهذا أُهْدِيَ لي! فهَلاَّ جَلَسَ في بَيْتِ أبِيهِ فَنَظَرَ أيُهْدَى له أم لا!". وما رُوي عنه عليه السلام أنه قال: "هدايا الأُمَرَاءِ غُلولٌ وهدايا الأمَراءِ سُحْتٌ". وكره عمر بن عبدالعزيز قبول الهدية، فقيل له: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية ويثيب عليها، فقال: كانت حينئذ هدية وهي اليوم سحتٌ. ولم يكره محمد للقاضي قبول الهدية ممن كان يهاديه قبل القضاء؛ فكأنه إنما كره منها ما أُهْدِيَ له لأجل أنه قاض ولولا ذلك لم يُهْدَ له. وقد دل على هذا المعنى قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: "هَلاَّ جَلَسَ في بيت أبيه وأمّهِ فنظر أيُهْدَى له أم لا" فأخبر أنه إنما أهْديَ له لأنه عامل، ولولا أنه عامل لم يُهْدَ له، وأنه لا يحلّ له؛ وأما من كان يهاديه قبل القضاء وقد علم أنه لم يُهْدِهِ إليه لأجل القضاء، فجائز له قبوله على حسب ما كان يقبله قبل ذلك. وقد رُوي أن بنت ملك الروم أهدت لأم كلثوم بنت عليّ امرأة عمر، فردَّها عمر ومنع قبولها.
باب الحكم بين أهل الكتاب
قال الله تعالى: {فإنْ جَاؤُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} ظاهر ذلك يقتضي معنيين، أحدهما: تخليتهم وأحكامهم من غير اعتراض عليهم، والثاني: التخيير بين الحكم والإعراض إذا ارتفعوا إلينا. وقد اختلف السلف في بقاء هذا الحكم، فقال قائلون منهم: "إذا ارتفعوا إلينا فإن شاء الحاكم حكم بينهم وإن شاء أعْرَضَ عنهم وردَّهم إلى دينهم". وقال آخرون: "التخيير منسوخٌ، فمتى ارتفعوا إلينا حَكَمْنا بينهم من غير تخيير".
فممن أخذ بالتخيير عند مجيئهم إلينا الحسنُ والشعبي وإبراهيم روايةً؛ ورُوي عن الحسن: "خلّوا بين أهل الكتاب وبين حاكمهم، وإذا ارتفعوا إليكم فأقيموا عليهم ما في كتابكم". ورَوَى سفيان بن حسين عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس قال: "آيتان نُسِخَتا من سورة المائدة: آية القلائد، وقوله تعالى: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ}؛ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مُخَيَّراً إن شاء حكم بينهم أو أعرض عنهم فردهم إلى أحكامهم، حتى نزلت: {وأنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله ولا تَتَّبِعْ أهْوَاءَهُمْ} فأُمِرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بما أنزل الله في كتابه". ورَوَى عثمان بن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله: {فإنْ جَاؤُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أو أعْرِضْ عَنْهُمْ} قال: نسخها قوله: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ}. ورَوَى سعيد بن جبير عن الحكم عن مجاهد: {فإن جَاؤُوكَ فاحكم بينهم أو أعرض عنهم}. قال: نسختها: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ}. وروى سفيان عن السديّ عن عكرمة مثله.
قال أبو بكر: فذكر هؤلاء أن قوله: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ}. ناسخٌ للتخيير المذكور في قوله: {فإن جَاؤُوكَ فاحكم بينهم أو أعرض عنهم}؛ ومعلوم أن ذلك لا يقال من طريق الرأي، لأن العلم بتواريخ نزول الآي لا يُدْرَك من طريق الرأي والاجتهاد، وإنما طريقه التوقيف، ولم يقل من أثبت التخيير إن آية التخيير نزلت بعد قوله: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بما أَنْزَلَ اللهُ}، وإن التخيير نسخه، وإنما حُكي عنهم مذاهبهم في التخيير من غير ذكر النسخ، فثبت نسخ التخيير بقوله: {وأنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ الله}، كرواية من ذكر نسخ التخيير. ويدل على نسخ التخيير قوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، الآيات ومن أعرض عنهم فلم يحكم في تلك الحادثة التي اختصموا فيها بما أنزل الله. ولا نعلم أحداً قال إن في هذه الآيات: {ومن لم يحكم بما أنزل الله} [المائدة: 44] منسوخاً إلا ما يُرْوَى عن مجاهد، رواه منصور عن الحكم عن مجاهد أن قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله} [المائدة: 44] نسخها ما قبلها: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ} وقد رَوَى سفيان بن حسين عن الحكم عن مجاهد أن قوله: {فإنْ جاؤُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} منسوخ بقوله: {وَأنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ الله}. ويحتمل أن يكون قوله تعالى: {فإنْ جَاؤُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ} قبل أن تُعْقَد لهم الذمّة ويدخلوا تحت أحكام الإسلام بالجزية، فلما أمر الله بأخذ الجزية منهم وجرت عليهم أحكام الإسلام، أُمِرَ بالحكم بينهم بما أنزل الله، فيكون حكم الآيتين جميعاً ثابتاً: التخييرُ في أهل العهد الذين لا ذمة لهم ولم يَجْرِ عليهم أحكام المسلمين كأهل الحرب إذا هادناهم، وإيجابُ الحكم بما أنزل الله في أهل الذمة الذين يَجْرِي عليهم أحكام المسلمين. وقد رُوي عن ابن عباس ما يدل على ذلك؛ روى محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس، أن الآية التي في المائدة قول الله تعالى: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ} إنما نزلت في الدية بين بني قُرَيْظة وبين بني النَّضِير، وذلك أن بني النضير كان لهم شَرَفٌ يُدَوْنَ دِيَةً كاملة، وأن بني قريظة يُدَوْنَ نِصْفَ الدية؛ فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ذلك فيهم، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحقّ في ذلك فجعل الدية سواءً. ومعلوم أن بني قريظة والنضير لم تكن لهم ذمّة قطّ، وقد أجْلَى النبي صلى الله عليه وسلم بني النضير وقتل بني قريظة، ولو كان لهم ذمّة لما أجلاهم ولا قتلهم، وإنما كان بينه وبينهم عَهْدٌ وهدنة فَنَقَضُوها. فأخبر ابن عباس أن آية التخيير نزلت فيهم، فجائز أن يكون حكمها باقياً في أهل الحرب من أهل العهد، وحكم الآية الأخرى في وجوب الحكم بينهم بما أنزل الله تعالى ثابتاً في أهل الذمة فلا يكون فيها نسخ. وهذا تأويل سائغٌ لولا ما رُوي عن السلف من نسخ التخيير بالآية الأخرى. ورُوي عن ابن عباس رواية أخرى، وعن الحسن ومجاهد والزهري: أنها نزلت في شأن الرجم حين تحاكموا إليه، وهؤلاء أيضاً لم يكونوا أهل ذمة، وإنما تحاكموا إليه طلباً للرخصة وزوال الرجْمِ، فصار النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت مدارسهم ووَقَفَهم على آية الرجم وعلى كذبهم وتحريفهم كتاب الله، ثم رجم اليهوديين وقال: "اللَّهُمَّ إنّي أوَّلُ مَنْ أَحْيَا سُنَّةً أماتُوها".
وقال أصحابنا: "أهل الذمة محمولون في البيوع والمواريث وسائر العقود على أحكام الإسلام كالمسلمين، إلاّ في بيع الخمر والخنزير، فإن ذلك جائز فيما بينهم لأنهم مقرُّون على أن تكون مالاً لهم، ولو لم يَجُزْ مبايعتهم وتصرفهم فيها والانتفاع بها لخرجت من أن تكون مالاً لهم، ولما وجب على مستهلكها عليهم ضمان". ولا نعلم خلافاً بين الفقهاء فيمن استهلك لذميٍّ خمراً أن عليه قيمتها. وقد رُوي أنهم كانوا يأخذون الخمر من أهل الذمّة في العُشُور، فكتب إليهم عُمَرُ: "أنْ ولُّوهُم بيعها وخذوا العُشْرَ من أثمانها" فهذان مالٌ لهم يجوز تصرفهم فيهما، وما عدا ذلك فهو محمول على أحكامنا لقوله: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم}. ورُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كتب إلى أهل نجران: "إمَّا أنْ تَذَرُوا الرِّبَا وإمَّا أنْ تأْذَنُوا بحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ" فجعلهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم في حظر الربا ومنعهم منه كالمسلمين، قال الله تعالى: {وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل} [النساء: 161] فأخبر أنهم مَنْهِيُّون عن الربا وأكل المال بالباطل، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم} [النساء: 29] فسَوَّى بينهم وبين المسلمين في المنع من الربا والعقود الفاسدة المحظورة، وقال تعالى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكَّالُونَ للسُّحْتِ}. فهذا الذي ذكرناه مذهبُ أصحابنا في عقود المعاملات والتجارات والحدود، أهلُ الذمة والمسلمون فيها سواءٌ، إلاّ أنهم لا يُرجمون لأنهم غير مُحْصَنِين. وقال مالك: "الحاكم مخيَّرٌ إذا اختصموا إليه بين أن يحكم بينهم بحكم الإسلام أو يُعْرِضَ عنهم فلا يحكم بينهم" وكذلك قوله في العقود والمواريث وغيرها.
واختلف أصحابنا في مناكحتهم فيما بينهم، فقال أبو حنيفة: "هم مُقَرَّوْنَ على أحكامهم لا يُعترض عليهم فيها إلاّ أن يرضوا بأحكامنا، فإن رضي بها الزوجان حُمِلاَ على أحكامنا، وإن أبَى أحدهما لم يُعْتَرَضْ عليهم، فإذا تراضيا جميعاً حَمَلَهُما على أحكام الغسلام إلا في النكاح بغير شهود والنكاح في العدة فإنه لا يفرق بينهم، وكذلك إن أسلموا". وقال محمد: "إذا رضي أحدهما حُمِلاَ جميعاً على أحكامنا وإن أبَى الآخر، إلاّ في النكاح بغير شهود خاصة". وقال أبو يوسف: "يُحملون على أحكامنا وإن أبوا إلاّ في النكاح بغير شهود تجيزه إذا تراضوا بها". فأما أبو حنيفة فإنه يذهب في إقرارهم على مُنَاكحاتهم، إلى أنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هَجَرَ مع علمه بأنهم يستحلّون نكاح ذوات المحرم، ومع علمه بذلك لم يأمر بالتفرقة بينهما؛ وكذلك اليهود والنصارى يستحلّون كثيراً من عقود المناكحات المحرَّمة ولم يأمر بالتفرقة بينهم حين عقد لهم الذمة من أهل نجران ووادي القُرَى وسائر اليهود والنصارى الذين دخلوا في الذمة ورضوا بإعطاء الجزية؛ وفي ذلك دليلٌ على أنه أقرَّهم على مناكحاتهم كما أقرّهم على مذاهبهم الفاسدة واعتقاداتهم التي هي ضلالٌ وباطلٌ، ألا ترى أنه لما علم استحلالهم للربا كتب إلى أهل نجران: "إمّا أنْ تَذَرُوا الرّبا وإما أنْ تَأْذَنُوا بحَرْبٍ من الله ورسوله"؟ فلم يقرّهُمْ عليه حين علم تبايعتم به. وأيضاً قد علمنا أن عمر بن الخطاب لما فتح السَّوادَ أقَرَّ أهْلَها عليها وكانوا مجوساً، ولم يثبت أنه أمر بالتفريق بين ذوي المحارم منهم مع علمه بمناكحاتهم. وكذلك سائر الأمة بعده جَرَوْا على منهاجه في ترك الاعتراض عليهم؛ وفي ذلك دليل على صحة ما ذكرنا.
فإن قيل: فقد رُوي عن عمر أنه كتب إلى سعد يأمره بالتفريق بين ذوي المحارم منهم وأن يمنعهم من المذهب فيه. قيل له: لو كان هذا ثابتاً لورد النقل متواتراً كوروده في سيرته فيهم في أخْذِ الجزية ووضع الخراج وسائر ما عاملهم به، فلما لم يَرِدْ ذلك من جهة التواتر علمنا أنه غير ثابت. ويحتمل أن يكون كتابه إلى سعد بذلك إنما كان فيمن رضي منهم بأحكامنا؛ وكذلك نقول إذا تراضوا بأحكامنا. وأيضاً قد بينا أن قوله: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله} ناسخٌ للتخيير المذكور في قوله: {فإنْ جَاؤُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ}، والذي ثبت نسخه من ذلك هو التخييرُ، فأما شرط المجيء منهم فلم تقم الدلالة على نسخه، فينبغي أن يكون حكم الشرط باقياً والتخيير منسوخاً، فيكون تقديره مع الآية الأخرى: فإن جَاؤُوكَ فاحكم بينهم بما أنزل الله. وإنما قال: "إنهم يحملون على أحكامنا إذا رضوا بها إلاّ في النكاح بغير شهود والنكاح في العدة" مِنْ قِبَلِ أنه لما ثبت أنه ليس لنا اعتراضٌ عليهم قبل التراضي منهم بأحكامنا، فمتى تراضَوْا بها وارتفعوا إلينا فإنما الواجب إجراؤهم على أحكامنا في المستقبل، ومعلوم أن العدّة لا تمنع بقاء النكاح في المستقبل وإنما تمنع الابتداء، لأن امرأة تحت زوج لو طرأت عليها عدّة من وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ لم يمنع ما وجب من العدّة بقاء الحكم، فثبت أن العدة إنما تمنع ابتداء العقد ولا تمنع البقاء؛ فمن أجل ذلك لم يفرق بينهما. ومن جهة أخرى أن العدة حق الله تعالى وهم غير مؤاخذين بحقوق الله تعالى في أحكام الشريعة، فإذا لم تكن عندهم عدّة واجبة لم تكن عليها عدة، فجاز نكاحها الثاني. وليس كذلك نكاح ذوات المحارم، إذْ لا يختلف فيها حكم الابتداء والبقاء في باب بطلانه، وأما النكاح بغير شهود فإن الذي هو شرطٌ في صحة العقد وجود الشهود في حال العقد، ولا يحتاج في بقائه إلى استصحاب الشهود؛ لأن الشهود لو ارتدّوا بعد ذلك أو ماتوا لم يؤثّر ذلك في العقد؛ فإذا كان إنما يحتاج إلى الشهود للابتداء لا للبقاء لم يَجُزْ أن يمنع البقاء في المستقبل لأجل عدم الشهود. ومن جهة أخرى أن النكاح بغير شهود مختلَفٌ فيه بين الفقهاء، فمنهم من يُجِيزُهُ، والاجتهادُ سائغ في جوازه، ولا يعترض على المسلمين إذا عقدوه ما لم يختصموا فيه، فغير جائز فَسْخُه إذا عقدوه في حال الكفر، إذْ كان ذلك سائغاً جائزاً في وقت وقوعه، لو أمضاه حاكم ما بين المسلمين جاز ولم يَجُزْ بعد ذلك فَسْخُه. وإنما اعتبر أبو حنيفة تراضيهما جميعاً بأحكامنا مِنْ قِبَلِ قول الله تعالى: {فَإنْ جَاؤُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ} فشرط مجيئهم، فلم يَجُزِ الحكمُ على أحدهما بمجيء الآخر.
فإن قال قائل: إذا رضي أحدهما بأحكامنا فقد لزمه حكم الإسلام فيصير بمنزلته لو أسلم فيحمل الآخر معه على حكم الإسلام. قيل له: هذا غلطٌ، لأن رضاه بأحكامنا لا يلزمه ذلك إيجاباً، ألا ترى أنه لو رجع عن الرضا قبل الحكم عليه لم يلزمه إياه وبعد الإسلام يمكنه الرضا بأحكامنا؟ وأيضاً إذا لم يَجُزْ أن يعترض عليهم إلا بعد الرضا بحكمنا فمن لم يَرْضَ به مُبْقًى على حكمه لا يجوز إلزامه حكماً لأجل رضا غيره. وذهب محمد إلى أن رضا أحدهما يُلْزِمُ الآخر حكم الإسلام كما لو أسلم. وذهب أبو يوسف إلى ظاهر قوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ}.
إرسال تعليق