بيان الفرق { يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [ المائدة : 41 ] [ سبب النزول | النسخ في الآية | المواضيع | الفضائل | الاعراب | المعاني | التفسير | الأحكام ] سبب النزول قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ...} الآيات. [41-47]. حدَّثنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحِيرِيّ إملاء، قال: أخبرنا أبو محمد حاجب بن أحمد الطوسي، قال: حدَّثنا محمد بن حماد الأَبيورْدِي، قال: حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد الله بن مُرَّة، عن البَرَاء بن عَازب، قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيهودي مُحَمَّماً مجلوداً، فدعاهم فقال: أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم. قالوا: نعم، قال: فدعا رجلاً من علمائهم فقال: أَنْشُدُكَ الله الذي أنزل التوراة على موسى، هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنك نَشَدْتَني لم أخبرك، نجد حدّ الزاني في كتابنا الرّجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إِذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الوضيع أقمنا عليه الحدّ، فقلنا: تعالوا نجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع؛ فاجتمعنا على التَّحْمِيمِ والجلد، مكان الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه. فأمر به فرجم. فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} إلى قوله: {إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ}. يقولون: ائتوا محمداً، فإن أفتاكم بالتَّحْمِيمِ والجلد فخذوا به، وإِن أفتاكم بالرجم فاحْذروا. إلى قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} قال: في اليهود. إلى قوله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} قال: في النصارى. إلى قوله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ}. قال: في الكفار كُلُّهَا. رواه مسلم عن يحيى بن يحيى، عن أبي معاوية. أخبرنا أبو عبد الله بن أبي إسحاق، قال: أخبرنا أبو الهيثم أحمد بن محمد بن غَوْث الكندي، قال: حدَّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحَضْرَمِيّ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبَة، قال: حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعْمَش، عن عبد الله بن مُرَّة، عن البَرَاء بن عَازِب، عن النبي صلى لله عليه وسلم: أنه رجم يهودياً ويهودية ثم قال: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ}، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ}، قال نزلت كلها في الكفار. رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة. رأس الصفحة النسخ في الآية لم يرد في المرجع ناسخ ومنسوخ للآية رقم ( 41 ) من سورة ( المائدة ) رأس الصفحة المواضيع الواردة في الآية الموضوع العنوان السًّرعة --- الفتنة الفتنة بمعنى الإبتلاء والإختبار القلب أحواله الإيمانية القلب أمراضه اليهود نقضهم العهد و المواثيق و اوامر محمد رسول اللّه تثبيت االرسول الله جلّ جلاله الفعّال لما يريد ولا يسأل عما يفعل الآخرة الآخرة هي دار الجزاء أهل الكتاب [اليهود والنصارى] تحريفهم للكتاب وإخفاؤهم الحق فيه بنو إسرائيل تحريفهم للتوراة ولكلام الله فيها الحزن نهى الرسول عليه السلام عن الحزن لعدم إسلام الكفار الخزي المخزيون في الدنيا [ناقضو المواثيق بنو إسرائيل] الارادة لا رادّ لما يريد الله السرعة مسارعة في الكفر والنفاق الطهر قلوب المنافقين غير مطهرة العذاب العذاب العظيم [ما يعذب به الكفرة والمشركون] العذاب عذاب الخزي [بعض عذاب الدنيا] الكتاب [التوراة والإنجيل] تحريفهما وكتمان ما فيهما الكلمة والكلام تحريف الكلم عن مواضعه التنافس الاشقياء يسارعون في الكفر والإثم الذين هادوا بعض سماتهم رأس الصفحة فضائل السورة لم يتم ادخال فضائل سورة ( المائدة ) رأس الصفحة الإعراب {.. لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ..} [41] ويقال: يُحْزِنْكَ ، والأول أفصح. {مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} أي لم يضمروا في قلوبهم الايمان كما نطقت به ألسنتهم {وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} يكون هذا تمام الكلام ثم قال جل وعز {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} أي هم سماعون ومثله {طَوّافونَ عليكم}. وقال الفراء: ويجوز سَمّاعِينَ وطَوّافِينَ كما قال: {ملعونين أَيْنَمَا ثُقِفُوا} وكما قال {إنّ المُتّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ} ثم قال {فاكهين} {وآخذين} ويجوز أن يكونَ المعنى ومن الذين هادوا قَومٌ سَمّاعونَ للكذب {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} ثم قال {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} أي يتأولونه على غير تأويله بعد أن فهموه عنك وعرفوا مواضعه التي أرادها الله عز وجل {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ} أي إِن أُعطيتُم هذا الذي قلنا لكم فاقبلُوهُ {وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ} أي إن نُهِيتُم عنه {فَٱحْذَرُواْ} أن تقبلوه ممن قال لكم فإِنه ليس بِنَبيٍّ يريدون أن يروا ضَعْفَتَهُم أنّهم ينصحونهم. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} أي لم يرد الله عز وجل أن يطهر قلوبهم من الطبع عليها والختم كما طهر قلوب المؤمنين ثواباً لهم. رأس الصفحة المعاني كتاب النحاس وقوله جل وعزَّ: {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} [آية 41]. أي لا يحزنك مسارعتُهم إلى الكفر، لأن الله جلَّ وعز قد وعدكَ النصر. ثم قال جل وعز: {مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} [آية 41]. قال مجاهد يعني المنافقين. ثم قال جل وعز: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} [آية 41]. قال مجاهد: يعني اليهود. فأما معنى {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} والإِنسانُ يسمع الخير والشر، ففيه قولان: أحدهما: أن المعنى قابلون للكذب، وهذا معروف في اللغة أن يقال: لا تسمعْ من فلانٍ أي لا تقبلْ منه، ومنه "سمعَ اللَّهُ لمن حَمِده" معناه قَبِلَ، لأن الله جل وعز سامعٌ لكل شيء. والقولُ الآخر: أنهم سمَّاعون من أجل الكذب، كما تقول: أنا أكرم فلاناً لك أي من أجلك. ثم قال جلَّ وعز: {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} [آية 41]. أي هم عيون لقومٍ آخرين لم يأتوك. ثم قال جل وعز: {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} [آية 41]. أي من بعد أن وضَعَهُ الله مواضعه، فأحلَّ حلالَه، وحرَّم حرامه. ثم قال جلَّ وعز {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ} [آية 41]. أي تقول اليهودُ: إن أُوتيتم هذا الحكم المحرَّف فخذوه، وإن لم تُؤتَوه فاحذروا أن تعملوا به. ومعنى هذا أَنَّ رجلاً منهم زنى وهو مُحْصَنٌ، وقد كُتِبَ الرجم على من زنى وهو محصنٌ في التوراة، فقال بعضهم: أئتوا محمداً لعله يفتيكم بخلاف الرجم، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بالرجم، بعد أن أحضرت التوراة، ووُجِد فيها فرضُ الرجم، وكانوا قد أنكروا ذلك. ثم قال جل وعز: {وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} [آية 41]. قيل: معنى الفتنة ها هنا الاختبار. وقيل: معناها العذاب. ثم قال جل وعز: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} [آية 41]. أي فضيحةٌ وذلٌّ، حين أُحضرتِ التَّوراةُ، فتبيَّن كذبُهم. وقيل: خزيهم في الدنيا: أخذُ الجزية، والذلُّ. كتاب الفراء وقوله: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ...(41)} إن شئت رفعت قوله "سمَّاعون للكذب" بِمِن ولم تجعل (مِن) فى المعنى متصلة بما قبلها، كما قال الله: {فمِنهم ظالِم لِنفسِهِ ومِنهم مقتصِد} وإن شئت كان المعنى: لا يحزنك الذِين يسارِعون فِى الكفرِ من هؤلاء ولا {وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} فترفع حينئِذ (سمَّاعون) على الاستئناف، فيكون مثل قوله {لِيستأذِنكم الذِين ملكت أيمانُكُمْ والذِين لم يبلغوا الحُلُم مِنكم} ثم قال تبارك وتعالى: {طوَّافون عليكم} ولو قيل: سماعين، وطوّافين لكان صوابا؛ كما قال: {ملعونِين أينما ثُقِفوا} وكما قال: {إن المتَّقِين في جَنَّاتٍ وعُيونٍ} ثم قال: {آخِذين، وفاكِهِين، ومتكئِين} والنصب أكثر. وقد قال أيضا فى الرفع: { كلاَّ إِنها لظى نزَّاعة لِلشوى} فرفع (نزَّاعة) على الاستئناف، وهى نكرة من صفة معرفة. وكذلك قوله: {لا تبقِى ولا تذر لَوَّاحَة} وفى قراءة أبىّ "إِنها لإِحدا الكُبَر نِذير لِلبشرِ" بغير ألف. فما أتاك من مثل هذا فى الكلام نصبته ورفعته. ونصبه على القطع وعلى الحال. وإذا حسن فيه المدح أو الذمّ فهو وجه ثالث. ويصلح إذا نصبته على الشتم أو المدح أن تنصب معرفته كما نصبت نكرته. وكذلك قوله {سمَّاعون لِلكذبِ أكَّالون لِلسُّحتِ} على ما ذكرت لك. كتاب الأخفش وقال {لاَ يَحْزُنكَ} خفيفة مفتوحة الياء وأهْل المدينة يقولون {يُحْزِنْكَ} يجعلونها من"أحْزَنَ" والعرب تقول: "أَحْزَنْتُه" و"حَزَنْتُهُ". وقال {ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ} أي: "مِنْ هؤُلاءِ ومِنْ هؤلاء" ثم قال مستأنفاً {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ} أي: هم سماعون. وان شئت جعلته على {وَمِنَ ٱلَّذِينَ هِادُواْ} {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ} ثم تقطعه من الكلام الأول. ثم قال {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [42] على ذلك الرفع للأول وأما قوله {لَمْ يَأْتُوكَ} فها هنا انقطع الكلام والمعنى "وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ يَسْمَعُونَ كَلامَ النَبِيّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم [104 ء] لَيَكْذِبُوا عَلَيْهِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرينَ لَمْ يأتُوكَ بَعْد" يقول: "يَسْمَعُونَ لَهُم فَيُخْبِرونَهُمْ وَهُمْ لَمْ يَأْتُوكَ". رأس الصفحة التفسير لقد تم اختيار التفسير الافتراضي للموقع كونك لم تقم بالدخول كمستخدم مسجل سجل هنا * تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري مصنف و مدقق اختلف أهل التأويـل فـيـمن عُنـي بهذه الآية، فقال بعضهم: نزلت فـي أبـي لُبـابة بن عبد الـمنذر بقوله لبنـي قريظة حين حاصرهم النبـيّ صلى الله عليه وسلم: «إنـما هو الذبح، فلا تنزلوا علـى حكم سعد». ذكر من قال ذلك: حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { لا يحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِـي الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بأفْوَاهِهِم ولَـمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ } قال: نزلت فـي رجل من الأنصار زعموا أنه أبو لُبـابة أشارت إلـيه بنو قُريظة يوم الـحصار ما الأمر؟ وعلام ننزل؟ فأشار إلـيهم: إنه الذبح. وقال آخرون: بل نزلت فـي رجل من الـيهود سأل رجلاً من الـمسلـمين يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حكمه فـي قتـيـل قتله. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا مـحمد بن بشر، عن زكريا، عن عامر: { لا يحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِـي الكُفْرِ } قال: كان رجل من الـيهود قتله رجل من أهل دينه، فقال القاتل لـحلفـائهم من الـمسلـمين: سلوا لـي مـحمداً صلى الله عليه وسلم، فإن كان يقضي بـالدية اختصمنا إلـيه، وإن كان يأمرنا بـالقتل لـم نأته. حدثنا الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن زكريا، عن عامر نـحوه. وقال آخرون: بل نزلت فـي عبد الله بن صُورِيا، وذلك أنه ارتدّ بعد سلامه. ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد وأبو كريب، قالا: ثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي الزهريّ، قال: سمعت رجلاً من مزينة يحدّث عن سعيد بن الـمسيب، أن أبـا هريرة حدثهم، أن أحبـار يهود اجتـمعوا فـي بـيت الـمدارس حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الـمدينة، وقد زنى رجل منهم بعد إحصانه بـامرأة من يهود قد أحصنت. فقالوا: انطلقوا بهذا الرجل وبهذه الـمرأة إلـى مـحمد صلى الله عليه وسلم، فـاسألوه كيف الـحكم فـيهما فولوه الـحكم علـيهما، فإن عمل فـيهما بعملكم من التـحميـم، وهو الـجلد بحبل من لـيف مطلـيّ بقارٍ، ثم يُسوّد وجوههما، ثم يُحملان علـى حمارين وتـحوّل وجوههما من قِبَل دبر الـحمار، فـاتبعوه، فإنـما هو ملك. وإن هو حكم فـيهما بـالرجم (فإنه نبـيّ) فـاحذروه علـى ما فـي أيديكم أن يسلُبكموه. قأتوه فقالوا: يا مـحمد هذا الرجل قد زنى بعد إحصانه بـامرأة قد أحصنت، فـاحكم فـيهما، فقد ولـيناك الـحكم فـيهما فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتـى أتـى أحبـارهم فـي بـيت الـمدارس، فقال: " يا مَعْشَرَ الـيَهُودِ أخْرِجُوا إلـى أعْلَـمَكُمْ " فأخرجوا إلـيه عبد الله بن صُورِيا الأعور. وقد روي بعض بنـي قريظة أنهم أخرجوا إلـيه يومئذٍ مع ابن صوريا أبـا ياسر بن أخطب ووهب بن يهودا، فقالوا: هؤلاء علـماؤنا فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتـى حصل أمرهم، إلـى أن قالوا لابن صوريا: هذا أعلـم من بقـي بـالتوراة. فخلا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان غلاماً شابـاً من أحدثهم سناً، فألظّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم الـمسألة،يقول: " يا ابْنَ صُورِيا أنْشُدُك الله وأذكرك أيادِيه عِنْدَ بنـي إسْرائيـل، هل تَعْلَـمُ أنَّ الله حَكَمَ فـيـمَنْ زَنَى بَعْدَ إحْصَانِهِ بـالرَّجْمِ فـي التَّوْرَاة؟ " فقال: اللهمَّ نعم أما والله يا أبـا القاسم إنهم لـيعلـمون أنكّ نبـيّ مرسل، ولكنهم يحسدونَك. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بهما فرُجما عند بـاب مسجده فـي بنـي عثمان بن غالب بن النـجار. ثم كفر بعد ذلك ابن صُوريا، فأنزل الله: { يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِـي الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بأفْوَاهِهِمْ ولَـمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ }. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي (ح) وحدثنا هناد، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش (ح)، وحدثنا هناد، قال: ثنا عبـيدة بن عبـيد، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن البراء بن عازب، قال: مُرّ علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم بـيهودي مـحمَّـم مـجلود، فدعا النبـيّ صلى الله عليه وسلم رجلاً من علـمائهم، فقال: " أهَكَذا تَـجِدُونَ حَدَّ الزنـى فِـيكُمْ؟ " قال: نعم. قال: " فأنْشُدُك بـالذي أنْزَلَ التَّورَاةَ علـى مُوسَى، أهَكَذا تَـجِدُونَ حَدَّ الزانـي فـيكم " ؟ } قال: لا، ولولا أنك نَشَدْتَنـي بهذا لـم أحدثك، ولكن الرجم، ولكن كثر الزنا فـي أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا علـيه الـحدّ، فقلنا تعالوا نـجتـمع فنضع شيئاً مكان الرجم فـيكون علـى الشريف والوضيع، فوضعنا التـحميـم والـجلد مكان الرّجم. فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم: " اللهمّ إنـي أنا أوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إذْ أَماتُوه " فأمر به فرجم، فأنزل الله: { لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِـي الكُفْرِ... } الآية. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن معمر، عن الزهريّ، قال: كنت جالساً عند سعيد بن الـمسيب وعند سعيد، رجل يوقره، فإذا هو رجل من مزينة كان أبوه شهد الـحديبـية وكان من أصحاب أبـي هريرة، قال: قال أبو هريرة: كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم (ح)، وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح كاتب اللـيث، قال: ثنـي اللـيث، قال: ثنـي عقـيـل، عن ابن شهاب، قال: أخبرنـي رجل من مزينة مـمن يتبع العلـم ويعيه، حدّث عن سعيد بن الـمسيب، أن أبـا هريرة قال: بـينا نـحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه رجل من الـيهود، وكانوا قد أشاروا فـي صاحب لهم زنى بعد ما أحصن، فقال بعضهم لبعض: إن هذا النبـيّ قد بُعث، وقد علـمتـم أن قد فرض علـيكم الرجم فـي التوراة فكتـمتـموه واصطلـحتـم بـينكم علـى عقوبة دونه، فـانطلقوا فنسأل هذا النبـيّ، فإن أفتانا بـما فرض علـينا فـي التوراة من الرجم تركنا ذلك، فقد تركنا ذلك فـي التوراة، فهي أحقّ أن تطاع وتصدّق. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا أبـا القاسم إنه زنى صاحب لنا قد أحصن، فما ترى علـيه من العقوبة؟ قال أبو هريرة: فلـم يرجع إلـيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتـى قام وقمنا معه، فـانطلق يؤمّ مدراس الـيهود حتـى أتاهم، فوجدهم يتدارسون التوراة فـي بـيت الـمدارس، فقال لهم: " يا مَعْشَرَ الـيَهُودِ أنْشُدُكُمْ بـاللّهِ الَّذِي أنْزَلَ التَّوْرَاةَ علـى مُوسَى ماذَا تَـجِدُونَ فِـي التَّوْرَاةِ مِنَ العُقُوبَةِ علـى مَنْ زَنى وَقَدْ أحْصِن " ؟ } قالوا: إنا نـجده يُحَمَّـم ويجلده. وسكت حبرهم فـي جانب البـيت. فلـما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم صمته ألظَّ به النشدة، فقال حبرهم: اللهمّ إذ نشدتنا فإنا نـجد علـيهم الرجم. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فَمَاذَا كانَ أوَّلَ ما تَرَخَّصْتُـمْ بِهِ أمْرَ اللّهِ " ؟ قال: زنى ابن عمّ ملك فلـم يرجمه، ثم زنى رجل آخر فـي أسرة من الناس، فأراد ذلك الـملك رجمه، فقام دونه قومه، فقالوا: والله لا ترجمه حتـى ترجم فلاناً ابن عمّ الـملك فـاصطلـحوا بـينهم عقوبةً دون الرجم، وتركوا الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فإنِّـي أقْضِي بِـمَا فِـي التَّوْرَاةِ " } فأنْزَلَ الله فـي ذلك: { يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِـي الكُفْرِ... } إلـى قوله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] وقال آخرون: بل عُنـي بذلك الـمنافقون. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثـير فـي قوله: { يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِـي الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بأفْوَاهِهِم ولَـمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ } قال: هم الـمنافقون. حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { آمَنَّا بأفْوَاهِهِمْ } قال: يقول هم الـمنافقون. وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب أن يقال: عُنِـي بذلك: { لا يحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِـي الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بأفْوَاهِهِم ولَـمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ }: قوم من الـمنافقـين. وجائز أن يكون كان مـمن دخـل فـي هذه الآية ابن صُوريا، وجائز أن يكون أبو لُبـابة، وجائز أن يكون غيرهما. غير أن أثبت شيء رُوي فـي ذلك ما ذكرناه من الرواية قبل عن أبـي هريرة والبراء بن عازب، لأن ذلك عن رجلـين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا كان ذلك كذلك، كان الصحيح من القول فـيه أن يقال: عُنـي به عبد الله بن صُورِيا. وإذا صحّ ذلك كان تأويـل الآية: يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون فـي جحود نبوّتك والتكذيب بأنك لـي نبـيّ من الذين قالوا: صدّقنا بك يا مـحمد أنك لله رسول مبعوث، وعلـمنا بذلك يقـيناً بوجودنا صفتك فـي كتابنا وذلك أن فـي حديث أبـي هريرة الذي رواه ابن إسحاق، عن الزهري، أن ابن صوريا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله يا أبـا القاسم إنهم لـيعلـمون أنك نبـيّ مرسل، ولكنهم يحسدونك. فذلك كان علـى هذا الـخبر من ابن صوريا إيـماناً برسول الله صلى الله عليه وسلم بفـيه، ولـم يكن مصدّقاً لذلك بقلبه، فقال الله لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم مطلعه علـى ضمير ابن صوريا وأنه لـم يؤمن بقلبه، يقول: ولـم يصدّق قلبه بأنك لله رسول مرسل. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ للكَذِبِ سَمَّاعُونَ لقَوْمٍ آخَرِينَ لَـمْ يأْتُوكَ }. يقول جلّ ثناؤه لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: يا أيها الرسول، لا يحزنك تسرّع من تسرّع من هؤلاء الـمنافقـين الذين يظهرون بألسنتهم تصديقك، وهم معتقدون تكذيبك إلـى الكفر بك، ولا تسرع الـيهود إلـى جحود نبوّتك. ثم وصف جلّ ذكره صفتهم ونعتهم له بنعوتهم الذميـمة وأفعالهم الرديئة، وأخبره معزّياً له علـى ما يناله من الـحزن بتكذيبهم إياه مع علـمهم بصدقه أنهم أهل استـحلال الـحرام والـمآكل الرديئة والـمطاعم الدنـيئة من الرُشَا والسُحْت، وأنهم أهل إفك وكذب علـى الله وتـحريف كتابه. ثم أعلـمه أنه مـحلّ بهم خزيه فـي عاجل الدنـيا، وعقابه فـي آجل الآخرة، فقال: همْ { سَمَّاعُونَ للكَذِبِ } يعنـي هؤلاء الـمنافقـين من الـيهود، يقول: هم يسمعون الكذب، وسمعهم الكذب: سمعهم قول أحبـارهم أن حكم الزانـي الـمـحْصن فـي التوراة: التـحميـم والـجلد، { سَمَّاعُونَ لَقْومٍ آخَرِينَ لَـمْ يَأْتُوكَ } يقول: يسمعون لأهل الزانـي الذين أرادوا الاحتكام إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم القوم الآخرون الذين لـم يكونوا أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا مصرّين علـى أن يأتوه، كما قال مـجاهد. حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال مـجاهد: { سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَـمْ يَأْتُوكَ }: مع من أتوك. واختلف أهل التأويـل فـي السمّاعين للكذب السمّاعين لقوم آخرين، فقال بعضهم: سماعون لقوم آخرين يهود فدك، والقوم الآخرون الذين لـم يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود الـمدينة. ذكر من قال ذلك: حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبـير، عن ابن عيـينة، قال: ثنا زكريا ومـجالد، عن الشعبـيّ، عن جابر فـي قوله: { وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ للكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ } قال: يهود الـمدينة { لَـمْ يَأْتُوكَ يُحَرّفُونَ الكَلِـمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ } قال: يهود فدك يقولون لـيهود الـمدينة: إن أوتـيتـم هذا فخذوه. وقال آخرون: الـمعنىّ بذلك قوم من الـيهود كان أهل الـمرأة التـي بغت بعثوا بهم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الـحكم فـيها، والبـاعثون بهم هم القوم الآخرون، وهم أهل الـمرأة الفـاجرة، لـم يكونوا أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك: حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: { وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ للكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَـمْ يَأْتُوكَ يُحَرّفُونَ } كان بنو إسرائيـل أنزل الله علـيهم: إذا زنى منكم أحد فـارجموه. فلـم يزالوا بذلك حتـى زنى رجل من خيارهم فلـما اجتـمعت بنو إسرائيـل يرجمونه، قام الـخيار والأشراف فمنعوه. ثم زنى رجل من الضعفـاء، فـاجتـمعوا لـيرجموه، فـاجتـمعت الضعفـاء فقالوا: لا ترجموه حتـى تأتوا بصاحبكم فترجمونهما جميعاً فقالت بنو إسرائيل: ان هذا الامر قد اشتد علينا، فتعالوا فلنصلحه، فتركوا الرجم، وجعلوا مكانه أربعين جلدة بحبل مقير ويحممونه ويحملونه على حمار، ووجهه الى ذنبه، ويسوّدون وجهه، ويطوفون به، فكانوا يفعلون ذلك حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم وقدم المدينة، فزنت امرأة من أشراف اليهود، يقال لها بُسرة، فبعث أبوها ناساً من أصحابه إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: سلوه عن الزنا وما نزل إلـيه فـيه فإنا نـخاف أن يفضحنا ويخبرنا بـما صنعنا، فإن أعطاكم الـجلد فخذوه وإن أمركم بـالرجم فـاحذروه. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه، فقال: " الرَّجْم " فأنزل الله عزّ وجلّ: { وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ للكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَـمْ يَأْتُوكَ يُحَرّفُونَ الكَلِـمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ } حين حرّفوا الرجم فجعلوه جلداً. وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب، قول من قال: إن السماعين للكذب، هم السماعون لقوم آخرين. وقد يجوز أن يكون أولئك كانوا من يهود الـمدينة والـمسموع لهم من يهود فدك، ويجوز أن يكونوا كانوا من غيرهم. غير أنه أيّ ذلك كان، فهو من صفة قوم من يهود سمعوا الكذب علـى الله فـي حكم الـمرأة التـي كانت بغت فـيهم وهي مـحصنة، وأن حكمها فـي التوراة التـحميـم والـجلد، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الـحكم اللازم لها، وسمعوا ما يقول فـيها قوم الـمرأة الفـاجرة قبل أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مـحتكمين إلـيه فـيها. وإنـما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك لهم لـيعلـموا أهل الـمرأة الفـاجرة ما يكون من جوابه لهم، فإن لـم يكن من حكمه الرجم رضوا به حكماً فـيهم، وإن كان من حكمه الرجم حذروه وتركوا الرضا به وبحكمه. وبنـحو الذي قلنا كان ابن زيد يقول. حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { سَّماعُونَ للكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ } قال: لقوم آخرين لـم يأتوك من أهل الكتاب، هؤلاء سماعون لأولئك القوم الآخرين الذين لـم يأتوه، يقولون لهم الكذب: مـحمد كاذب، ولـيس هذا فـي التوراة، فلا تؤمنوا به. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { يُحَرّفُونَ الكَلِـمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضَعِهِ يَقُولُونَ إنْ أُوتِـيُتـمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإنْ لَـمْ تُؤْتَوْهُ فـاحْذَرُوا }. يقول تعالـى ذكره: يحرّف هؤلاء السماعون للكذب، السماعون لقوم آخرين منهم لـم يأتوك بعد من الـيهود الكَلِـم. وكان تـحريفهم ذلك: تغيـيرهم حكم الله تعالـى ذكره الذي أنزله فـي التوراة فـي الـمـحصنات والـمـحصنـين من الزناة بـالرجم إلـى الـجلد والتـحميـم، فقال تعالـى ذكره: { يَحرّفُونَ الكَلِـمَ } يعنـي: هؤلاء الـيهود، والـمعنى: حكم الكلـم، فـاكتفـى بذكر الـخبر من تـحريف الكلـم عن ذكر الـحكم لـمعرفة السامعين لـمعناه. وكذلك قوله: { مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ } والـمعنى: من بعد وضع الله ذلك مواضعه، فـاكتفـى بـالـخبر من ذكر مواضعه عن ذكر وضع ذلك، كما قال تعالـى ذكره: وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بـاللّهِ وَالـيَوْمِ الآخِرِ والـمعنى: ولكن البرّ برُّ من آمن بـالله واليوم الآخر. وقد يحتـمل أن يكون معناه: يحرّفون الكلـم عن مواضعه، فتكون «بعد» وُضعت موضع «عن»، كما يقال: جئتك عن فراغي من الشغل، يريد: بعد فراغي من الشغل. ويعنـي بقوله { إنْ أُوتِـيُتـمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإنْ لَـمْ تُؤْتَوْهُ فـاحْذَرُوا } يقول: هؤلاء البـاغون السماعون للكذب، إن أفتاكم مـحمد بـالـجلد والتـحميـم فـي صاحبنا فخذوه، يقول: فـاقبلوه منه، وإن لـم يُفتِكم بذلك وأفتاكم بـالرجم، فـاحذروا. وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي الزهري، قال: سمعت رجلاً من مزينة يحدّث سعيد بن الـمسيب، أن أبـا هريرة حدثهم فـي قصة ذكرها: { وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ للكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَـمْ يَأْتُوكَ } قال: بعثوا وتـخـلفوا، وأمروهم بـما أمروهم به من تـحريف الكلـم عن مواضعه، فقال: يحرّفون الكلـم من بعد مواضعه، يقولون: إن أوتـيتـم هذا فخذوه للتـحميـم، وإن لـم تؤتوه فـاحذروا: أي الرجم. حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: { إنْ أُوتِـيُتـمْ هَذا }: إن وافقكم هذا، { فَخُذُوهُ } يهود تقوله للـمنافقـين. حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { إنْ أُوتِـيُتـمْ هَذَا فَخُذُوهُ }: إن وافقكم هذا فخذوه، وإن لـم يوافقكم فـاحذروه. يهود تقوله للـمنافقـين. حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { يُحَرّفُونَ الكَلِـمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ } حين حرّفوا الرجم فجعلوه جلداً، يقولون: { إنْ أُوتِـيُتـمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإنْ لَـمْ تُؤْتُوهُ فـاحْذَرُوا }. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبـير، عن ابن عيـينة، قال: ثنا زكريا ومـجالد، عن الشعبـيّ، عن جابر: { يُحَرّفُونَ الكَلِـمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إنْ أُوتِـيُتـمْ هَذَا فَخُذُوهُ } يهود فدك يقولون لـيهود الـمدينة: إن أوتـيتـم هذا الـجلد فخذوه، وإن لـم تؤتوه فـاحذروا الرجم. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: { إنْ أُوتِـيُتـمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإنْ لَـمْ تُؤْتَوْهُ فـاحْذَرُوا } هُمُ الـيهود، زنت منهم امرأة، وكان الله قد حكم فـي التوراة فـي الزنا بـالرجم، فنفسوا أن يرجموها، وقالوا: انطلقوا إلـى مـحمد فعسى أن يكون عنده رخصة، فإن كانت عنده رخصة فـاقبلوها. فأتَوْه فقالوا: يا أبـا القاسم إن امرأة منا زنت، فما تقول فـيها؟ فقال لهم النبـيّ صلى الله عليه وسلم: " كَيْفَ حُكْمُ اللَّهِ فِـي التَّوْرَاةِ فـي الزّانِـي؟ " فقالوا: دعنا من التوراة، ولكن ما عندك فـي ذلك فقال: " ائْتُونِـي بأعْلَـمِكُمْ بـالتَّوْرَاةِ التـي أُنْزِلَتْ علـى مُوسَى " فقال لهم: " بـالَّذِي نَـجَّاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وَبـالَّذِي فَلَقَ لَكُمْ البَحْرَ فَأْنـجاكمْ وأغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ إلاَّ أخْبَرْتُـمُونِـي ما حُكْمُ اللَّهِ فِـي التَّوْرَاةِ فِـي الزَّانِـي " قالوا: حكمه الرجم. فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { لَـمْ يَأْتُوكَ يُحَرّفُونَ الكَلِـمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إنْ أُوتِـيُتـمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإنْ لَـمْ تُؤْتَوْهُ فـاحْذَرُوا } ذكر لنا أن هذا كان فـي قتـيـل من بنـي قريظة قتلته النضير، فكانت النضير إذا قتلت من بنـي قريظة لـم يقـيدوهم، إنـما يعطونهم الدية لفضلهم علـيهم، وكانت قريظة إذا قتلت من النضير قتـيلاً لـم يرضوا إلا بـالقود لفضلهم علـيهم فـي أنفسهم تعزّزاً. فقدم نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم الـمدينة علـى هيئة فعلهم هذا، فأرادوا أن يرفعوا ذلك إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم رجل من الـمنافقـين: إن قتـيـلكم هذا قتـيـل عمد، متـى ما ترفعوه إلـى مـحمد صلى الله عليه وسلم أخشى علـيكم القود، فإن قبل منكم الدية فخذوه، وإلا فكونوا منه علـى حذر. حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { يُحَرّفُونَ الكَلِـمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ } يقول يحرّف هؤلاء الذين لـم يأتوك الكلـم عن مواضعه، لا يضعونه علـى ما أنزله الله. قال: وهؤلاء كلهم يهود، بعضهم من بعض. حدثنا هناد، قال: ثنا أبو معاوية وعبـيدة بن حميد، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن البراء بن عازب: { يَقُولُونَ إنْ أُوتِـيُتـمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإنْ لَـمْ تُؤْتَوْهُ فـاحْذَرُوا } يقولون: ائتوا مـحمداً، فإن أفتاكم بـالتـحميـم والـجلد فخذوه، وإن أفتاكم بـالرجم فـاحذروا. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَمَنْ يُرِدِ اللَّهِ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَـمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً }. وهذا تسلـية من الله تعالـى ذكره نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم من حزنه علـى مسارعة الذين قصّ قصتهم من الـيهود والـمنافقـين فـي هذه الآية، يقول له تعالـى ذكره: لا يحزنك تسرّعهم إلـى جحود نبوّتك، فإنـي قد حَتَـمْتُ علـيهم أنهم لا يتوبون من ضلالتهم، ولا يرجعون عن كفرهم للسابق من غضبـي علـيهم، وغير نافعهم حزنك علـى ما ترى من تسرّعهم إلـى ما جعلته سببلاً لهلاكهم واستـحقاقهم وعيدي. ومعنى الفتنة فـي هذا الـموضع: الضلالة عن قصد السبـيـل. يقول تعالـى ذكره: ومن يرد الله يا مـحمد مرجعه بضلالته عن سبـيـل الهدى، فلن تـملك له من الله استنقاذاً مـما أراد الله به من الـحيرة والضلالة، فلا تشعر نفسك بالـحزن علـى ما فـاتك من اهتدائه للـحقّ. كما: حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: وَمَنْ يُرِدِ اللَّهِ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَـمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { أُولَئِكَ الَّذِينَ لَـمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوَبهُمْ لَهُمْ فِـي الدُّنْـيا خِزْيٌ، ولَهُمْ فِـي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيـمٌ }. يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: لا يحزنك الذين يسارعون فـي الكفر، من الـيهود الذين وصفت لك صفتهم، وإن مسارعتهم إلـى ذلك أن الله قد أراد فتنتهم وطبع على قلوبهم ولا يهتدون أبداً { أُولَئِكَ الَّذِينَ لَـمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوَبهُمْ }. يقول هؤلاء الذين لم يرد الله أن يُطَّهِرْ من دنس الكفر ووسخ الشرك قلوبهم بطهارة الاسلام ونظافة الإيمان فيتوبوا، بل أراد بهم الخزى في الدنيا، وذلك الذل والهوان، وفي الآخرة عذاب جهنـم خالدين فـيها أبداً. وبنـحو الذي قلنا فـي معنى الـخزي روي القول عن عكرمة. حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفـيان، عن علـيّ بن الأرقم وغيره، عن عكرمة: { أُولَئِكَ الَّذِينَ لَـمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوَبهُمْ لَهُمْ فِـي الدُّنْـيا خِزْيٌ } قال: مدينة فـي الروم تُفتـح فـيُسْبَوْن. رأس الصفحة الأحكام كتاب ابن العربي 1) الجهاد 2) عقيدة (اليهود) 3) عقيدة (أهل الكتاب) 4) الجهاد (الجاسوس) 5) التحكيم 6) الحُكم بين أهل الكتاب 7) الحُكم بغير ما أنزل الله قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحِرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِه يَقُولُون إنْ أُوتِيْتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوهُ وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أنُ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ، لَهُمْ في الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ في الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ. سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإنْ جاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ، وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِيْنَ. إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْن وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [الآيات: 41، 42، 43، 44]. فيها إحدى عشرة مسألة: المسألة الأولى: في سبب نزولها: فيه ثلاثة أقوال: الأول: أنها نزلت في شأن أبي لُبابة حين أرسله النبيُّ صلّى الله عليه وسلم إلى بني قُرَيظة فخانه. الثاني: نزلت في شأن بني قُريظة والنَّضير، وذلك أنهم شكوا إلى النبي صلّى الله عليه وسلم فقالوا له: إنّ النضير يجعلون خراجَنا على النصف من خراجهم. ويقتلون منّا مَن قَتَلَ منهم، وإن قتل أحدٌ منهم أحداً منا ودَوْه أربعين وَسْقاً من تمر. الثالث: أنها نزلت في اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقالوا له: إنَّ رجلاً منا وامرأةً زَنَيا؛ فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم: "ما تَجِدون في التوراة في شأن الرَّجْم؟" فقالوا: نَفْضَحُهم ويُجْلَدون. قال عبدالله بن سَلاَم: كذبتم، إنّ فيها آية الرجْم، فأْتُوا بالتوراة، فأَتَوْا بها فوضع أحدُهُم يدَهُ على أية الرَّجْم، فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبدالله بن سلام: ارفَعْ يدَك. فرفع يده، فإذا آيةُ الرّجْم تلوحُ. فقالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم. فأمر بهما رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم فرجُما. هكذا رواه مالك [والبخاري] ومسلم والترمذي وأبو داود. قال أبو داود، عن جابر بن عبد الله: إن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال لهم: "ائتوني أعلم رجلين فيكم"، فجاؤوا بابني صُورِيا، فنشدهما الله كيف تجدان أمْرَ هذين في التوراة، قالا: نجد في التوراة إذا شهد أربعةٌ أنهم رأوا ذكَره في فرجها كالمرْوَد في الْمكْحلة رُجما. قال: "فما يمنعكما أن تَرْجُموهما؟" قال: ذهب سلطانُنا، فكرهْنا القَتْل. فدعا النبيُّ صلّى الله عليه وسلم بالشهود، فجاؤوا فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فَرْجها مثل المِيل في الْمُكْحُلة. فأمر النبيُّ صلّى الله عليه وسلم برَجْمِهِما فرُجِما. المسألة الثانية: في المختار من ذلك: وأما مَن قال: إنها في شأن أبي لُبابة وما قال عليّ عن النبيّ لبني قُرَيظة فضعيف لا أصْلَ له. وأما مَن قال: إنها نزلت في شأن قُريظة والنَّضِير، وما شكوه من التفضيل بينهم فإنه ضعيف؛ لأن اللهَ تعالى أخبر أنه كان تحكيماً منهم للنبيّ صلّى الله عليه وسلم لا شَكْوَى. والصحيحُ ما رواه الجماعةُ، عن عبدالله بن عمر، وجابر بن عبدالله، كلاهما في وصْفِ القصة كما تقدّمَ ـ أن اليهودَ جاؤوا إلى النبي صلّى الله عليه وسلم وحكّموه، فكان ما ذكرنا في الأمر. المسألة الثالثة: ثبت كما تقدم أنّ اليهودَ جاؤوا إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلم فذكروا له أمْرَ الزانيين. وجملةُ الأمر أنّ أهلَ الكتابِ مصالحون، وعمدةُ الصلح ألاّ يُعرض لهم في شيء، وإنْ تعرَّضُوا لنا ورَفَعُوا أمْرَهم إلينا فلا يخلو أن يكونَ ما رفعوه ظُلْماً لا يجوزُ في شريعةٍ، أو مما تختلفُ فيه الشريعةُ؛ فإنْ كان مما لا تختلفُ فيه الشرائع كالغَصْبِ والقتل وشِبْهه لم يمكّن بعضهم من بعض فيه. وإذا كان مما تختلف فيه الشرائعُ ويحكموننا فيه ويتراضَوْا بحكمنا عليهم فيه فإنّ الإمام مخيَّر إنْ شاء أن يَحْكُمَ بينهم حَكَم، وإن شاء أن يُعْرِض عنهم أعرض. قال ابن القاسم: والأفضل له أن يُعْرِضَ عنهم. قلت: وإنما أنفذ النبيُّ صلّى الله عليه وسلم الْحُكْمَ بينهم، ليحقّق تحريفَهم وتبديلَهم وتكذيبهم وكَتمهم ما في التوراة. ومنه صفةُ النبيّ صلّى الله عليه وسلم، والرجْم على مَن زنا منهم. وعنه أخبر الله سبحانه وتعالى بقوله: {يا أهلَ الكِتابِ قد جاءكم رسولُنا يُبيّنُ لكم كثيراً مما كنتُم تُخْفُونَ مِنَ الكتاب ويَعْفُو عن كثير} [المائدة: 15]؛ فيكون ذلك من آياتِه الباهرة، وحُجَجه البينة، وبراهينه المثبتة للأمة، المخزية لليهود والمشركين. المسألة الرابعة: في التحكيم من اليهود: قال ابن القاسم: إذا جاء الأساقفةُ والزانيان فالحاكم مخيّر إن شاء حكم أو لا؟ لأن إنفاذ الحكم حقّ الأساقفة. وقال غيره: إذا حكَّم الزانيان الإمام جاز إنفاذُه الْحُكْم، ولا يلتفت إلى الأساقفة؛ وهو الأصحّ؛ لأن مسلمين لو حكّما بينهما رجلاً لنفذ حكمُه. ولم يعْتَبر رِضا الحاكم؛ فالكتابيُّون بذلك أولى؛ إذ الحكم ليس بحق للحاكم على الناس، وإنما هو حقّ للناس عليه. وقال عيسى، عن ابن القاسم: لم يكونوا أهلَ ذمّة، إنما كانو أهْلَ حرب، وهذا الذي قاله عيسى عنه إنما نزع به لما رواه الطبري وغيره أنّ الزانيين كانا من أهل خَيْبَر أو فَدك، وكانوا حَرْباً لرسول الله صلّى الله عليه وسلم، واسمُ المرأة الزانية يسرة، وكانوا بعثوا إلى يهود المدينة يقولون لهم: اسألوا محمداً عَن هذا، فإنْ أَفْتاكم بغير الرَّجْمِ فخذوه منه واقبلوه، وإن أفتى به فاحذَرُوه، وهذه فتنةٌ أرادها اللهُ فيهم فنفذت، فأتوا النبيَّ صلّى الله عليه وسلم، فسألوه، فقال لهم: "مَنْ أعْلَمُ يهود فيكم"؟ قالوا: ابن صُورِيا. فأرسل إليه فَدَك، فجاء فنَشده الله، فانتشد له وصدقه بالرَّجْم كما تقدم، وقال له: والله يا محمد، إنهم ليعلمون أنّك رسولُ الله، ثم طبع الله على قَلْبِه، فَبَقِيَ على كُفْرِه. وهذا لو كان صحيحاً لكان مجيئهم بالزانيين وسؤالهم عَهْداً وأماناً، وإن لم يكن عند ذمة ودار لكان لهم حكم الكفّ عنهم والعدل فيهم، فلا حجةَ لرواية عيسى في هذا، وعنهم أخبر الله سبحانه وتعالى بقوله: {سَمَّاعُونَ للكذِبِ سمَّاعُون لقومٍ آخَرين لم يأتوك...} [المائدة: 41]؛ قال سفيان بن عُيينة ـ وهي: المسألة الخامسة: إنّ الله ذكر الجاسوس بقوله: {سمَّاعُونَ لقومٍ آخرِين لم يأْتوك}؛ فهؤلاء هم الجواسيس، ولم يَعْرض النبيُّ صلّى الله عليه وسلم لهم مع عِلْمِه بهم؛ لأنه لم يكن حينئذ تقررت الأحكامُ، ولا تمكَّنَ الإسلامُ؛ وسنبينه بعد هذا إن شاء الله تعالى. المسألة السادسة: لما حكَّمُوا النبيَّ صلّى الله عليه وسلم أنفذ عليهم الْحُكْم، ولم يكن لهم الرجوع، وكل من حكَّمَ رجلاً في الدين فأصلُه هذه الآية. قال مالك: إذا حكَّم رجلٌ رجلاً فحكْمُه ماضٍ، وإن رُفع إلى قاضٍ أمْضاه إلا أن يكونَ جَوْراً بيّناً. وقال سَحْنُون: يمضيه إن رآه. قال ابنُ العربي: وذلك في الأموال والحقوق التي تختصُّ بالطالب، فأما الحدودُ فلا يَحكُم فيها إلا السلطان. والضابطُ أنَّ كلَّ حقّ اختص به الخصمان جاز التحكيمُ فيه ونفذ تحكيم المحكّم به. وقال الشافعي: التحكيم جائز، وهو غيرُ لازم؛ وإنما هو فَتْوى ـ قال: لأنه لا يقدم آحادُ الناس الولاة والحكام، ولا يأخذ آحادُ الناس الولاية من أيديهم، وسنعقد في تعليم التحكيم مقالاً يَشْفِي إن شاء الله تعالى، إشارته إلى أن كل محكّم فإنه هو مفعل من حكم؛ فإذا قال: حكمت، فلا يخلو أن يقَع لَغْواً أو مُفيداً، ولا بد أن يقع مفيداً، فإذا أفاد فلا يخلو أن يُفيد التكثير كقولك: كلمته وقللته، أو يكون بمعنى جعلت له، كقولك: ركبته وحسنته، أي جعلت له مركوباً وحسناً؛ وهذا يفيدُ جعلته حكماً. وتحقيقُه أنّ الحكم بين الناس إنما هو حقُّهم لا حقّ الحاكم، بَيْدَ أنَّ الاسترسال على التحكيم خرمٌ لقاعدة الولايةِ ومؤدٍّ إلى تَهارُج الناس تهارج الحمر، فلا بدّ من نَصْب فاصل؛ فأمر الشرع بنصب الوالي ليحسم قاعدة الهرج، وأذِن في التحكيم تخفيفاً عنه وعنهم في مشقّةِ الترافع، لتتمَّ المصلحتان، وتحصل الفائدتان. والشافعي ومَن سواه لا يلحظون الشريعة بعَين مالك رحمه الله، ولا يلتفتون إلى المصالح، ولا يعتبرون المقاصدَ، وإنما يلحَظُونَ الظَّواهر وما يستنبطون منها، وقد بينَّا ذلك في أصولِ الفقه والقبس في شرح موَطأ مالك بن أنَس. ولم أرْو في التحكيم حديثاً حضرني ذكْرُه الآن إلاّ ما أخبرني به القاضي العراقي، أخبرنا الجوْني، أخبرنا النيسابوري، أخبرنا النسائي، أخبرنا قُتيبة بن سعيد، حدثنا يزيد ـ يعني ابن المقدام بن شُريح، عن أبيه شُريح، عن أبيه هانئ، قال: لما وفد إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم مع قومه سمعهم وهم يكنونه أبا الحكم، فدعاه رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم، فقال: "إن الله هو الحكم، وإليه الحكم، فلم تكنى أبا الحكم؟" فقال: إنّ قومي إذا اختلفوا في شيء أتَوْني فحكمْتُ بينهم، فرَضِي كِلا الفريقين. فقال: "ما أحسن هذا؟ فما لَكَ مِن الولد؟" قال: لي شُريح، وعبدالله، ومسلم. قال: "فمَنْ أكبرهم؟" قال: شُريح. قال: "فأنت أبو شُريح"، ودعا له ولولده. المسألة السابعة: كيف أنفذ النبيُّ صلّى الله عليه وسلم الْحُكْم بينهم؟: اختلف في ذلك جوابُ العلماء على ثلاثة أقوال: الأول: أنه حكَم بينهم بحُكْم الإسلام، وأن أهلَ الكتاب من زنى منهم وقد تزوّج عليه الرَّجْم، فيحكم عليهم به الإمام، ولا يشترط الإسلام في الإحصان؛ قاله الشافعي. الثاني: حكَم النبيّ عليه السلام عليهم بشريعة موسى عليه السلام وشهادة اليهود، إذ شَرْعُ مَنْ قبلنا شَرْعٌ لنا، فيلزمُ العملُ بها حتى يقومَ الدليلُ على تَرْكِها. وقد بينّا ذلك في أصول الفقه، وفيما تقدَّم مِنْ قولنا، وإنه الصحيح من المذهبِ الحقّ في الدليل حسبما تقدم؛ قاله عيسى عن ابن القاسم. الثالث: إنما حكَم النبيُّ صلّى الله عليه وسلم بينهم؛ لأنّ الحدودَ لم تكن نزلت، ولا يَحْكُم الحاكم اليوم بحُكْم التوراة؛ قاله في كتاب محمد. المسألة الثامنة: في المختار: أما قولُ الشافعي فلا يصحُّ؛ فإن اليهودَ جاؤوا إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلم باختيارهم، وسألوه عن أمْرهم، ففي هذا يكونُ النظر. وقد قال الله سبحانه وتعالى، مخبراً عن الحقيقة فيه: {وكيف يُحَكِّمُونَك وعندهم التوراةُ فيها حُكْمُ اللهِ ثم يتولَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلك} [المائدة: 43]؛ وأخبر أنهم جاؤوا من قِبَل أنفسهم، فقال: {فإنْ جاؤوك}. ثم خيّره. فقال: {فاحْكُم بينهم، أو أعْرِضْ عنهم}، ثم قال له: { وإنْ حكَمْتَ فاحْكم بينهم بالقِسْطِ}، وهي: المسألة التاسعة: والقِسْط هو العدل، وذلك حُكْم الإسلام، وحكم الإسلام شهودٌ منّا عدول؛ إذ ليس في الكفار عَدْل، كما تقدم. وإنما أراد النبيُّ صلّى الله عليه وسلم إقامة الحجة عليهم وفضيحة اليهود حسبما شرحنا؛ وذلك بيِّنٌ من سياق الآية والحديث. ولو نظر إلى الْحُكْم بدِينِ الإسلام لما أرسل إلى ابن صُورِيا، ولكنه اجتمعت للنبيّ صلّى الله عليه وسلم الوجوهُ فيه من قبولِ التحكيم وإنفاذه عليهم بحكم التوراة، وهي الحق حتى ينسخ، وبشهادة اليهود، وذلك دِين قبل أن يُرْفَع بالعدول منا. المسألة العاشرة: قوله تعالى: {يَحْكُم بها النبيُّون}: قال أبو هريرة وغيره: ومحمد منهم؛ يَحْكُمونَ بما فيها من الحقّ، وكذلك قال الحسن، وهو الذي يقتضيه ظاهِرُ اللفظ ومطلَقه في قوله: {النبيُّون الذين أسلَمُوا للذين هادُوا والربَّانِيُّونَ والأحبار}، آخرهم عبدالله بن سلام. المسألة الحادية عشرة: قوله تعالى: {وَمَنْ لم يحكُمْ بما أنزل اللهُ فأولئك هم الكافِرُون}: اختلف فيه المفسرون؛ فمنهم من قال: الكافرون والظالمون والفاسقون كلّه لليهود، ومنهم من قال: الكافرون للمشركين، والظالمون لليهود، والفاسقون للنصارى، وبه أقول؛ لأنه ظاهِرُ الآيات، وهو اختيارُ ابْن عباس، وجابر بن زيد، وابن أبي زائدة، وابن شُبرمة. قال طاوس وغيره: ليس بكُفْر ينقل عن الملّة، ولكنه كفْر دون كفر. وهذا يختلف إنْ حكم بما عنده على أنه مِن عند الله؛ فهو تبديلٌ له يوجِبُ الكفر، وإن حكم به هَوًى ومعصية فهو ذَنْبٌ تدرِكُه المغفرة على أصلِ أهل السنة في الغُفْران للمذنبين. كتاب الجصاص 1) عقائد (تحريف الكلم) مطلب: في معنى التحريف قوله: {يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} تحريفهم إياه يكون بوجهين، أحدهما: بسوء التأويل، والآخر: بالتغيير والتبديل. وأما ما قد استفاض وانتشر في أيدي الكافة فغير ممكن تغيير ألفاظه إلى غيرها لامتناع التواطؤ على مثلهم، وما لم يستفض في الكافة وإنما كان عِلْمُهُ عند قوم من الخاصة يجوز على مثلهم التواطؤ، فإنه جائز وقوع تغيير ألفاظه ومعانيه إلى غيرها وإثبات ألفاظ أُخَرَ سواها. وأما المستفيض الشائع في أيدي الكافّة فإنما تحريفهم على تأويلات فاسدة، كما تأولت المشبِّهة والمجبِّرة كثيراً من الآي المتشابهة على ما تعتقده من مذهبها وتدّعي من معانيها ما يوافق اعتقادها دون حَمْلِهَا على معاني الآي المحكمة. وإنما قلنا إنه غير جائز وقوعُ التحريف من جهة تغيير الألفاظ فيما استفاض وانتشر عند الكافة، مِنْ قِبَلِ أن ذلك لا يقع إلاّ بالتواطؤ عليه، ومثلهم مع اختلاف هِمَمِهِمْ وتباعُدِ أوطانهم لا يجوز وقوع التواطؤ منهم على مثله، كما لا يجوز وقوع التواطؤ من المسلمين على تغيير شيء من ألفاظ القرآن إلى غيره؛ ولو جاز ذلك لجاز تواطؤهم على اختراع أخبار لا أصل لها، ولو جاز ذلك لما صحّ أن يعلم بالأخبار شيء؛ وقد عُلم بطلان هذا القول اضطراراً.
إرسال تعليق