(سبب لنزول الآية) : (1) :(من) (سورة المائدة) -->
مدونة بلوجر  مدونة بلوجر
أخر الأخبار

أخر الأخبار

أخر الأخبار
التسميات
جاري التحميل ...
التسميات

(سبب لنزول الآية) : (1) :(من) (سورة المائدة)

{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } [ المائدة : 1 ] [ سبب النزول | النسخ في الآية | المواضيع | الفضائل | الاعراب | المعاني | التفسير | الأحكام ] سبب النزول لم يرد في المرجع سبب لنزول الآية رقم ( 1 ) من سورة ( المائدة ) رأس الصفحة النسخ في الآية لم يرد في المرجع ناسخ ومنسوخ للآية رقم ( 1 ) من سورة ( المائدة ) رأس الصفحة المواضيع الواردة في الآية الموضوع العنوان الأنعام --- الحَج --- الصيد --- العقود --- الله جلّ جلاله الفعّال لما يريد ولا يسأل عما يفعل الاكل ما حرم أكله فهو الخبيث الحجّ أحكام الصيد للمحرم الارادة لا رادّ لما يريد الله الصيد تحريم الصيد على المحرم الطعام الطعام المحرم الطعام كل الطيبات حلال العقد وجوب الوفاء به الأنعام ما يحل أكله من لحومها رأس الصفحة فضائل السورة لم يتم ادخال فضائل سورة ( المائدة ) رأس الصفحة الإعراب {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ..} [1] {يَا} للنداء وحروف النداء عند سيبويه خمسة وهي: يا وأَيَا وهَيّا وأَيْ والألف. و {ها} للتنبيه و {أيّ} نداء مفرد والنعت لازم له لِيُبيِّنَهُ {ٱلَّذِينَ} نعت لأيّ ويقال: "الَّذُونَ" {آمَنُوا} صلة الذين والأصل "أأْمَنُوا" فَخُفِّفَتِ الهمزةُ الثانية ولا يجوز ألجمع بينهما في حرف واحد إلاّ في فَعّال. {أَوْفُواْ} مجزوم عند الكوفيين واضمروا اللام، وغير معرب عند البصريين لأنه لا يُضارِعُ. {بِٱلْعُقُودِ} خفض بالباء وهو جمع عَقْدٍ يُقالُ: عَقَدتُ الحبلَ والعهدَ وأعقدت العسل ووجبَ بهذا أن يُوَفى بكل يمين وأمانٍ وبيع واجارة إذا لم يكن حراماً. {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ} اسم ما لم يُسَمّ فاعله أي أحل لكم أكلُها والانتفاع بها. وبنو تميم يقولون: "بِهِيمةٌ". {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} في موضع نصب بالاستثناء، وهو عند سيبويه بمنزلة المفعول، وعند أبي العباس بمعنى استثنيتُ. قال أبو إسحاق: لا يجوز إلا ما قال سيبويه والذي قال أبو العباس لا يصحّ، وزعم الفراء: أنه يجوز الرفع بجعلها "إلا" العاطفة والنصب عنده بإِنْ. {غَيْرَ مُحِلِّي} نصب على الحال مما في أوفوا. قال الأخفش: أي يا أيها الذين آمنوا أوفُوا بالعقود غير محلي الصيد، وقال غيره: حال من الكاف والميم، التقدير احلت لكم بهيمة الأنعام غير محلى الصيد، والأصل محلين حذفت النون استخفافاً وَحُذِفَتِ الياء في الوصل لالتقاء الساكنين. {وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} ابتداء وخبر {إِنَّ ٱللَّهَ} اسم "إِنّ" {يَحْكُمُ} في موضع الخبر أي بين عباده. رأس الصفحة المعاني كتاب النحاس من ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} [آية 1]. قال مجاهد: العقودُ: العهودُ. وذلك معروفٌ في اللغة، يُقال:عهدتُ إليه إذا أمرتُه بأمرٍ،وعقدتُ عليه، وعاقدتُه: إذا أمرتُه واستوثقتُ منه. وقيل: يُراد بالعقود ها هنا الفرائض. ثم قال جل وعز: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} [آية 1]. قال الحسن: الأنعامُ: الإِبلُ، والبقرُ، والغنمُ. وروى عوف عن الحسن {بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ}: الشاةُ: والبعير، والبقرةُ. وروى زهير بن معاوية عن قابوس بن أبي ظبيان قال: "ذبحنا بقرةً، فأخذ الغلمان من بطنها ولداً ضخماً، قد أشعر، فشووه ثم أتوا به أبا ظبيان، فقال: حدثنا عبداللـه بن عباس أن هذا بهيمة الأنعام". قال أبو جعفر: الأولُ أولى لأن بعده {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} وليس في الأجنة ما يُسْتَثنى. وقيل لها "بهيمة الأنعام" لأنها أُبهمت عن التمييز. ثم قال جل وعز: {غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} [آية 1]. واحد الحُرُم حرام، وحرامٌ بمعنى محرم، قيل له محرم وحرام لما حرم عليه النكاح وغيره. يقال: أحرمَ إذا دخل في الحرم، كما يقال: أَشْتَى إذا دخل في الشتاء، وأَشْهَر: إذا دخل في الشهر. كتاب الفراء ومن قوله تبارك وتعالى: {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُود...(1)} يعنى: بالعهود. [والعقود] والعهود واحد. وقوله: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ} وهى بقر الوحش والظباء والحُمُر الوحشيَّة. وقوله: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} فى موضع نصب بالاستثناء، ويجوز الرفع، كما يجوز: قام القوم إلا زيدا وإلاّ زيد. والمعنى فيه: إلا ما نبينه لكم من تحريم ما يَحْرُم وأنتم مُحرمون، أو فى الحَرَم. فذلك قوله {غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ} يقول: أحلّت لكم هذه غير مستحِلّين للصيد {وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}. ومثله {إلَى طَعَامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إنَاهُ} وهو بمنزلة قولك (فى قولك) أحلَّ لك هذا الشىء لا مفرطا فيه ولا متعدّيا. فإذا جعلت (غير) مكان (لا) صار النصب الذى بعد لا فى غير. ولو كان (محلِّين الصيد) نصبت؛ كما قال الله جل وعز {ولا آمِّين الْبَيْتَ الحَرَامَ} وفى قراءة عبدالله (ولا آمِّى البيتِ الحرامِ). {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ}: يقضى ما يشاء. كتاب الأخفش قال: {غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ} {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} {غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ} نصب (غيرَ) على الحال. رأس الصفحة التفسير لقد تم اختيار التفسير الافتراضي للموقع كونك لم تقم بالدخول كمستخدم مسجل سجل هنا * تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري مصنف و مدقق يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا }: يا أيها الذين أقرّوا بوحدانـية الله وأذعنوا له بـالعبودية، وسلـموا له الألوهية، وصدّقوا رسوله مـحمداً صلى الله عليه وسلم فـي نبوّته وفـيـما جاءهم به من عند ربهم من شرائع دينه، أوْفُوا بـالعُقُودِ يعنـي: أوفوا بـالعهود التـي عاهدتـموها ربكم والعقود التـي عاقدتـموها إياه، وأوجبتـم بها علـى أنفسكم حقوقاً وألزمتـم أنفسكم بها لله فروضاً، فأتـموها بـالوفـاء والكمال والتـمام منكم لله بـما ألزمكم بها، ولـمن عاقدتـموه منكم بـما أوجبتـموه له بها علـى أنفسكم، ولا تنكثوها فتنقضوها بعد توكيدها. واختلف أهل التأويـل فـي العقود التـي أمر الله جلّ ثناؤه بـالوفـاء بها بهذه الآية، بعد إجماع جميعهم علـى أن معنى العقود: العهود فقال بعضهم: هي العقول التـي كان أهل الـجاهلـية عاقد بعضهم بعضاً علـى النصرة والـمؤازرة والـمظاهرة علـى من حاول ظلـمه أو بغاه سوءاً، وذلك هو معنى الـحلف الذي كانوا يتعاقدونه بـينهم. ذكر من قال ذلك: معنى العقود العهود: حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ، عن ابن عبـاس قوله: { أوْفُوا بـالعُقُودِ } يعنـي: بـالعهود. حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله جلّ وعزّ: { أوْفُوا بـالعُقُودِ } قال: العهود. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله. حدثنا سفـيان، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن رجل، عن مـجاهد مثله. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبـيد الله، عن أبـي جعفر الرازيّ، عن الربـيع بن أنس، قال: جلسنا إلـى مطرف بن الشِّخِّير وعنده رجل يحدثهم، فقال: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بـالعُقُودِ } قال: هي العهود. حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: { أوْفُوا بـالعُقُودِ } قال: العهود. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بـالعُقُودِ } قال: هي العهود. حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول: { أوْفُوا بـالعُقُودِ } بـالعهود. حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة فـي قوله: { أوْفُوا بـالعُقُودِ } قال: بـالعهود. حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { أوْفُوا بـالعُقُودِ } قال: هي العهود. حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: سمعت الثوري يقول: { أوْفُوا بـالعُقُودِ } قال: بـالعهود. حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله. قال أبو جعفر: والعقود: جمع عقد، وأصل العقد: عقد الشيء بغيره، وهو وصله به، كما تعقد الـحبل بـالـحبل: إذا وُصِل به شدّاً، يقال منه: عقد فلان بـينه وبـين فلان عقداً فهو يعقده، ومنه قول الـحطيئة: قَوْمٌ إذَا عَقَدُوا عَقْداً لـجارِهِمُ شَدُّوا العِناجَ وشَدُّوا فوْقَهُ الكَرَبـا وذلك إذا واثقه علـى أمر، وعاهده علـيه عهدا بـالوفـاء له بـما عاقده علـيه، من أمان وذمة، أو نصرة، أو نكاح، أو بـيع، أو شركة، أو غير ذلك من العقود. ذكر من قال الـمعنى الذي ذكرنا عمن قاله فـي الـمراد من قوله: { أوْفُوا بـالعُقُودِ }. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة فـي قوله: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بـالعُقُودِ } أي بعقد الـجاهلـية. ذكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " أوْفُوا بعَقْدِ الـجاهِلِـيَّةِ، وَلا تُـحْدِثُوا عَقْدا فـي الإسْلامِ " وذكر لنا أن فرات بن حيان العجلـيّ سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلف الـجاهلـية، فقال نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم: " لعَلَّكَ تَسألُ عَنْ حِلْفِ لْـخَمٍ وَتْـيـمِ اللَّهِ؟ " فقال: نعم يا نبـيّ الله، قال: " لا يَزِيدُهُ الإسْلامُ إلاَّ شِدَّةً " حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: ثنا معمر، عن قتادة: { أوْفُوا بـالعُقُودِ } قال: عقود الـجاهلـية: الـحلف. وقال آخرون: بل هي الـحلف التـي أخذ الله علـى عبـاده بـالإيـمان به وطاعته فـيـما أحلّ لهم وحرم علـيهم. ذكر من قال ذلك: حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: { أوْفُوا بـالعُقُودِ } يعنـي: ما أُحِلّ، وما حرّم، وما فُرض، وما حدّ فـي القرآن كله، فلا تغدروا ولا تنكُثُو ثم شدّد ذلك فقال: {وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} [الرعد: 25]... إلـى قوله: {سُوۤءُ ٱلدَّارِ} [الرعد: 25]. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { أوْفُوا بـالعُقُودِ } ما عقد الله علـى العبـاد مـما أحلّ لهم وحرّم علـيهم. وقال آخرون: بل هي العقود التـي يتعاقدها الناس بـينهم ويعقدها الـمرء علـى نفسه. ذكر من قال ذلك: حدثنا سفـيان بن وكيع، قال: ثنـي أبـي، عن موسى بن عبـيدة، عن أخيه عبد الله بن عبـيدة، قال: العقود خمس: عُقدة الإيـمان، وعقدة النكاح، وعقدة العهد، وعقدة البـيع، وعقدة الـحِلف. حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا وكيع. عن موسى بن عبـيدة، عن مـحمد بن كعب القُرَظِيّ أو عن أخيه عبد الله بن عبـيدة، نـحوه. حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بـالعُقُودِ } قال: عقد العهد وعقد الـيـمين، وعقد الـحلف، وعقد الشركة، وعقد النكاح. قال: هذه العقود خمس. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عتبة بن سعيد الـحمصي، قال: ثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلـم، قال: ثنا أبـي فـي قول الله جلّ وعزّ: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بـالعُقُودِ } قال: العقود خمس: عقدة النكاح، وعقد الشركة، وعقد الـيـمين، وعقدة العهد، وعقدة الـحلف. وقال آخرون: بل هذه الآية أمر من الله تعالـى لأهل الكتاب بـالوفـاء بـما أخذ به ميثاقهم من العمل بـما فـي التوراة والإنـجيـل فـي تصديق مـحمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عند الله. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: { أوْفُوا بـالعُقُودِ } قال: العهود التـي أخذها الله علـى أهل الكتاب أن يعملوا بـما جاءهم. حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي اللـيث، قال: ثنـي يونس، قال: قال مـحمد بن مسلـم. قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلـى نـجران، فكان الكتاب عند أبـي بكر بن حزم، فـيه: هذا بـيان من الله ورسوله { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بـالعُقُودِ }. فكتب الآيات منها، حتـى بلغ: {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} [المائدة: 4]. وأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب ما قاله ابن عبـاس، وأن معناه: أوفوا يا أيها الذين آمنوا بعقود الله التـي أوجبها علـيكم وعقدها، فـيـما أحلّ لكم وحرّم علـيكم، وألزمكم فرضه، وبـين لكم حدوده. وأنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب من غيره من الأقوال، لأن الله جلّ وعزّ أتبع ذلك البـيان عما أحلّ لعبـاده وحرّم علـيهم وما أوجب علـيهم من فرائضه، فكان معلوماً بذلك أن قوله: { أوْفُوا بـالعُقُودِ } أمر منه عبـاده بـالعمل بـما ألزمهم من فرائضه وعقوده عقـيب ذلك، ونهي منه لهم عن نقض ما عقده علـيهم منه، مع أن قوله: { أوْفُوا بـالعُقُودِ } أمر منه بـالوفـاء بكلّ عقد أذن فـيه، فغير جائز أن يخصّ منه شيء حتـى تقوم حجة بخصوص شيء منه يجب التسلـيـم لها. فإذ كان الأمر فـي ذلك كما وصفنا، فلا معنى لقول من وجَّه ذلك إلـى معنى الأمر بـالوفـاء ببعض العقود التـي أمر الله بـالوفـاء بها دون بعض. وأما قوله: { أوْفُوا } فإن للعرب فـيه لغتـين: إحداهما: «أوفوا» من قول القائل: أوفـيت لفلان بعهده أو فـى له به والأخرى من قولهم: وَفَـيْتُ له بعهده أفـي. والإيفـاء بـالعهد: إتـمامه علـى ما عُقد علـيه من شروطه الـجائزة. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيـمَةُ الأنْعامِ }. اختلف أهل التأويـل فـي بهيـمة الأنعام التـي ذكر الله عزّ ذكره فـي هذه الآية أنه أحلها لنا، فقال بعضهم: هي الأنعام كلها. ذكر من قال ذلك: حدثنا سفـيان بن وكيع، قال: ثنا عبد الأعلـى، عن عوف، عن الـحسن، قال: بهيـمة الأنعام: هي الإبل والبقر والغنـم. حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيـمَةُ الأنْعامِ } قال: الأنعام كلها. حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا ابن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيـمَةُ الأنْعامِ } قال: الأنعام كلها. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس فـي قوله: { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيـمَةُ الأنْعامِ } قال: الأنعام كلها. حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: { بَهِيـمَةُ الأنْعامِ }: هي الأنعام. وقال آخرون: بل عنـي بقوله: { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيـمَةُ الأنْعامِ }: أجنة الأنعام التـي توجد فـي بطون أمهاتها إذا نُـحِرت أو ذبحت ميتة. ذكر من قال ذلك: حدثنـي الـحرث بن مـحمد، قال: ثنا عبد العزيز، قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن الفزاري، عن عطية العوفـيّ، عن ابن عمر فـي قوله: { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيـمَةُ الأنْعامِ } قال: ما فـي بطونها. قال: قلت: إن خرج ميتاً آكلُه؟ قال: نعم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا يحيى بن زكريا، عن إدريس الأودي، عن عطية، عن ابن عمر نـحوه، وزاد فـيه، قال: نعم، هو بـمنزلة رِئتها وكبدها. حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن قابوس، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قال: الـجنـين من بهيـمة الأنعام فكلوه. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن مِسْعر وسفـيان، عن قابوس، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: أن بقرة نُـحِرت، فوجد فـي بطنها جنـين، فأخذ ابن عبـاس بذَنَب الـجنـين، فقال: هذا من بهيـمة الأنعام التـي أحلت لكم. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يـمان، عن سفـيان، عن قابوس، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قال: هو من بهيـمة الأنعام. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم ومؤمِّل، قالا: ثنا سفـيان، عن قابوس، عن أبـيه، قال: ذبحنا بقرة، فإذا فـي بطنها جنـين، فسألنا ابن عبـاس، فقال: هذه بهيـمة الأنعام. وأولـى القولـين بـالصواب فـي ذلك قول من قال: عَنَى بقوله: { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيـمَةُ الأنْعامِ }: الأنعام كلها، أجِنَتّها وسِخالها وكبـارها، لأن العرب لا تـمتنع من تسمية جميع ذلك بهيـمة وبهائم، ولـم يخصص الله منها شيئاً دون شيء، فذلك علـى عمومه وظاهره حتـى تأتـي حجة بخصوصه يجب التسلـيـم لها. وأما النعم فإنها عند العرب: أسم للإبل والبقر والغنـم خاصة، كما قال جلّ ثناؤه: {وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [النحل: 5] ثم قال: {وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل: 8] ففصل جنس النعم من غيرها من أجناس الـحيوان. وأما بهائمها فإنها أولادها. وإنـما قلنا: يـلزم الكبـار منها اسم بهيـمة كما يـلزم الصغار، لأن معنى قول القائل: بهيـمة الأنعام، نظير قوله: ولد الأنعام فلـما كان لا يسقط معنى الولادة عنه بعد الكبر، فكذلك لا يسقط عنه اسم البهيـمة بعد الكبر. وقد قال قوم: بهيـمة الأنعام: وحشيها كالظبـاء وبقر الوحش والـحمر. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { إلاَّ ما يُتْلَـى عَلَـيْكُمْ }. اختلف أهل التأويـل فـي الذي عناه الله بقوله: { إلاَّ ما يُتْلَـى عَلَـيْكُمْ } فقال بعضهم: عنى الله بذلك: أحلت لكم أولاد الإبل والبقر والغنـم، إلا ما بـين الله لكم فـيـما يتلـى علـيكم بقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ} [المائدة: 3] الآية. ذكر من قال ذلك: حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { بَهِيـمَةُ الإنْعامِ إلاَّ ما يُتْلَـى عَلَـيْكُمْ }: إلا الـميتة وما ذكر معها. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيـمَةُ الأنْعامِ إلاَّ ما يُتْلَـى عَلَـيْكُمْ }: أي من الـميتة التـي نهى الله عنها وقدّم فـيها. حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: { إلاَّ ما يُتْلَـى عَلَـيْكُمْ } قال: إلا الـميتة، وما لـم يذكر اسم الله علـيه. حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { إلاَّ ما يُتْلَـى عَلَـيْكُمْ }: الـميتة، والدم، ولـحم الـخنزير. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس: { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيـمَةُ الأنْعامِ إلاَّ ما يُتْلَـى عَلَـيْكُمْ }: الـميتة ولـحم الـخنزير. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس: { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيـمَةُ الأنْعامِ إلاَّ ما يُتْلَـى عَلَـيْكُمْ }: هي الـميتة والدم ولـحم الـخنزير، وما أهلّ لغير الله به. وقال آخرون: بل الذي استثنى الله بقوله: { إلاَّ ما يُتْلَـى عَلَـيْكُمْ } الـخنزير. ذكر من قال ذلك: حدثنـي عبد الله بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: { إلاَّ ما يُتْلَـى عَلَـيْكُمْ } قال: الـخنزير. حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: { إلاَّ ما يُتْلَـى عَلَـيْكُمْ } يعنـي: الـخنزير. وأولـى التأويـلـين فـي ذلك بـالصواب تأويـل من قال: عنـي بذلك: إلا ما يتلـى علـيكم من تـحريـم الله ما حرّم علـيكم بقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ...} [المائدة: 3] الآية، لأن الله عزّ وجلّ استثنى مـما أبـاح لعبـاده من بهيـمة الأنعام ما حرّم علـيهم منها، والذي حرّم علـيهم منها ما بـينه فـي قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3] وإن كان حرّمه الله علـينا فلـيس من بهيـمة الأنعام فـيستثنى منها، فـاستثناء ما حرِّم علـينا مـما دخـل فـي جملة ما قبل الاستثناء أشبه من استثناء ما حرّم مـما لـم يدخـل فـي جملة ما قبل الاستثناء. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { غيرَ مُـحِلِّـى الصَّيْدِ وأنْتُـمْ حُرُمٌ إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ }. اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بـالعقود غير مـحلـى الصيد وأنتـم حرم، أحلت لكم بهيـمة الأنعام. فذلك علـى قولهم من الـمؤخر الذي معناه التقديـم، فـ «غير» منصوب علـى قول قائلـي هذه الـمقالة علـى الـحال مـما فـي قوله: «أوفوا»، من ذكر الذين آمنوا. وتأويـل الكلام علـى مذهبهم: أوفوا أيها الـمؤمنون بعقود الله التـي عقدها علـيكم فـي كتابه، لا مـحلـين الصيد وأنتـم حرم. وقال آخرون: معنى ذلك: أحلت لكم بهيـمة الأنعام الوحشية من الظبـاء والبقر والـحمر، غير مـحلـي الصيد: غير مستـحلـي اصطيادها، وأنتـم حرم، إلا ما يتلـى علـيكم. فـ «غير» علـى قول هؤلاء منصوب علـى الـحال من الكاف والـميـم اللتـين فـي قوله: «لَكُمْ» بتأويـل: أحلت لكم أيها الذين آمنوا بهيـمة الأنعام، لا مستـحِّلـي اصطيادها فـي حال إحرامكم. وقال آخرون: معنى ذلك: أحلت لكم بهيـمة الأنعام كلها، إلا ما يتلـى علـيكم، إلا ما كان منها وحشياً، فإنه صيد فلا يحلّ لكم وأنتـم حرم. فكأنّ من قال ذلك، وجه الكلام إلـى معنى: أحلت لكم بهيـمة الأنعام كلها، إلا ما يتلـى علـيكم، إلا ما يُبـيِّن لكم من وحشيها، غير مستـحلـي اصطيادها فـي حال إحرامكم، فتكون «غير» منصوبة علـى قولهم علـى الـحال من الكاف والـميـم فـي قوله: { إلاَّ ما يُتْلَـى عَلَـيْكُمْ }. ذكر من قال ذلك: حدثنا سفـيان بن وكيع، قال: ثنا عبـيد الله، عن أبـي جعفر الرازي، عن الربـيع بن أنس، قال: جلسنا إلـى مُطَرِّفَ بن الشِّخِّير وعنده رجل، فحدثهم فقال: أحلت لكم بهيـمة الأنعام صيداً، غير مـحلـي الصيد وأنتـم حرم، فهو علـيكم حرام. يعنـي: بقر الوحش والظبـاء وأشبـاهه. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس فـي قوله: { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيـمَةُ الأنْعامِ إلاَّ ما يُتْلَـى عَلَـيْكُمْ غيرَ مُـحِلِّـي الصَّيْدِ وأنْتُـمْ حُرُمٌ } قال: الأنعام كلها حِلّ إلا ما كان منها وحشيًّا، فإنه صيد، فلا يحلّ إذا كان مـحرِماً. وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب علـى ما تظاهر به تأويـل أهل التأويـل فـي قوله: { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيـمَةُ الأنْعامِ } من أنها الأنعام وأجنتها وسخالها، وعلـى دلالة ظاهر التنزيـل قول من قال: معنى ذلك: أوفوا بـالعقود غير مـحلـي الصيد وأنتـم حرم، فقد أحلت لكم بهيـمة الأنعام فـي حال إحرامكم أو غيرها من أحوالكم، إلا ما يتلـى علـيكم تـحريـمه من الـميتة منها والدم وما أهلّ لغير الله به. وذلك أن قوله: { إلاَّ ما يُتْلَـى عَلَـيْكُمْ } لو كان معناه: إلا الصيد، لقـيـل: إلا ما يتلـى علـيكم من الصيد غير مـحلـيه، وفـي ترك الله وصْل قوله: { إلاَّ ما يُتْلَـى عَلَـيْكُمْ } بـما ذكرت، وإظهار ذكر الصيد فـي قوله: { غيرَ مُـحِلِّـي الصَّيْدِ } أوضح الدلـيـل علـى أن قوله: { إلاَّ ما يُتْلَـى عَلَـيْكُمْ } خبر متناهيةٌ قصته، وأن معنى قوله: { غيرَ مُـحِلِّـي الصَّيْدِ } منفصل منه. وكذلك لو كان قوله: { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيـمَةُ الأنْعامِ } مقصوداً به قصد الوحش، لـم يكن أيضاً لإعادة ذكر الصيد فـي قوله: { غيرَ مُـحِلِّـي الصَّيْدِ } وجه وقد مضى ذكره قبل، ولقـيـل: أحلت لكم بهيـمة الأنعام، إلا ما يتلـى علـيكم، غير مـحلـيه وأنتـم حرم. وفـي أظهاره ذكر الصيد فـي قوله: { غيرَ مُـحِلِّـي الصَّيْدِ } أبـين الدلالة علـى صحة ما قلنا فـي معنى ذلك. فإن قال قائل: فإن العرب ربـما أظهرت ذكر الشيء بـاسمه وقد جرى ذكره بـاسمه؟ قـيـل: ذلك من فعلها ضرورة شعر، ولـيس ذلك بـالفصيح الـمستعمل من كلامهم، وتوجيه كلام الله إلـى الأفصح من لغات من نزل كلامه بلغته أولـى ما وجد إلـى ذلك سبـيـل من صرفه إلـى غير ذلك. فمعنى الكلام إذن: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بعقود الله التـي عقد علـيكم، مـما حرّم وأحلّ، لا مـحلـين الصيد فـي حَرمكم، ففـيـما أحلّ لكم من بهيـمة الأنعام الـمذكَّاة دون ميتتها متسع لكم ومستغنى عن الصيد فـي حال إحرامكم. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيد }. يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: إن الله يقضي فـي خـلقه ما يشاء من تـحلـيـل ما أراد تـحلـيـله، وتـحريـم ما أراد تـحريـمه، وإيجاب ما شاء إيجابه علـيهم، وغير ذلك من أحكامه وقضاياه، فأوفوا أيها الـمؤمنون له بـما عقد علـيكم من تـحلـيـل ما أحلّ لكم وتـحريـم ما حرّم علـيكم، وغير ذلك من عقوده فلا تنكُثُوها ولا تنقضوها. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { إنَّ اللّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ }: إن الله يحكم ما أراد فـي خـلقه، وبـين لعبـاده، وفرض فرائضه، وحدّ حدوده، وأمر بطاعته، ونَهَى عن معصيته. رأس الصفحة الأحكام كتاب الكيا الهراسي 1) الحج 2) الأيمان والنذور 3) المعاملات (العقود) 4) الصيد 5) الذبائح قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُوا أَوْفُوا بالْعُقُود} الآية [1]: اعلم أن العقود في الشرع منقسمة إلى ما يجب الوفاء به، وإلى ما لا يجب، وإلى ما لا يجوز. فأما ما لا يجوز مثل عقود الجاهلية على النصرة على الباطل في قولهم: دمي دمك، ولا مالي مالك، وأنا أجبرك، فيعاهده على أن ينصره على الباطل، ويمنع حفاً توجه عليه، فهذا لا يجب الوفاء به. والوجه الآخر: ما يتخير في الوفاء به. والوجه الثالث: ما يجب الوفاء به، والذي يجب الوفاء به، هو الذي يتضمن تحقيق حق أوْجب اله تعالى الوفاء به. فإذا انقسمت العقود إلى باطل وصحيح، فربما يقول القائل: الأصل اتباع الشروط والعقود، نظراً إلى مطلق اللفظ، والقائل الآخر يقول: إنما يجب علينا اتباع عقود شرعية ورد الشرع بها، ولذلك قال عليه السلام: "ما بال أقوام يشترطون ما ليس في كتاب الله تعالى؟ كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل". ولا شك أن الذي ورد الشرع به محصور مضبوط، والذي يمكن اشتراطه مما يهجس في النفس، فمما لا نهاية له، فلا يمكن أن يقال إن الأصل وجوب الوفاء بكل ما يهجس في النفس، فيعقد عليه، بل الشرع ضبط لنا ما يجب الوفاء به، والباقي مردود، فهو كقول القائل: إفعلوا الخير، لا يجوز أن يحتج به في وجوب كل خير، فإن ما لا يجب فعله من الخيرات لا نهاية له، فالمخصوص مجهول على ذلك، وكذلك المخصوص من الشروط، فإن الباطل من الشروط لا نهاية له، وإنما الجائز منها محصور، فعلى هذا لا يجوز التعلق بعموم قوله عليه السلام: "المؤمنون عند شروطهم". ولا بمطلق قوله: {أوفوا بالعقود}. فهذا هو المختار فيه. والذي هو عقد أو يسمى عقداً، ينقسم إلى ما كان على المستقبل, وإلى ما كان على الماضي. أما ما على المستقبل: مثل قول القائل: والله لأفعلن. وأما على الماضي: كقول القائل: والله لقد كان كذا، ويقال في مثله: إنه عقد اليمين عليه، لا على معنى أنه عزم على فعل شيء، فإن اليمين يعقد على فعل الغير من غير أن يصح العزم عليه، وإنما معناه أنه يظهر المحلوف عليه، ويحيل إلى غيره تحقيقه، فينظر ما يكون من عاقبة يمينه، وفي الماضي إظهار الصدق قائم، وقصد تحقيق القول قائم، فيقال عقد اليمين، أي قصد تحقيق قوله وتصديق نفسه، فهو عقد من هذا الوجه. يبقى أن يقال هو في علم الله تعالى غير منعقد. فيقال هو في علم الله تعالى، وإن لم يقصد تحقيق ما حلف لعلمه به، ففي المستقبل ربما لا يتصور منه العقد، ولكن يحيل العقد، وربما ظن الصدق في الماضي، فيقصد تحقيق قوله بعقد اليمين، فسمي عقداً من هذا الوجه. واعلم أنه قد تبين بما قدمناه، أن كل عهد وعقد لا يجب الوفاء به، فمطلق قوله {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}، محمول على القيد في قوله: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا}. وإنما عنى به العقد مع الله سبحانه فيما أمر الله تعالى عباده بالوفاء به وإلا فكل يمين على منع النفس من مباح أو واجب، فذلك مما لا يجب الوفاء به لقوله صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير". نعم، إختلف أصحاب الشافعي فيما إذا نذر قربة من غير أن يستنجح بها طلبة، أو يستدفع بها بلية. فمنهم من أوجب لأنها داخلة تحت قوله تعالى: {وأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إذَا عَاهَدْتُمْ}. ومنهم من لم ير ذلك، لأنه ليس إلى العباد إيجاب ما لم يوجبه الله تعالى عليهم، فإن الذي وجب، إنما وجب لعلم الشرع أنه داعي إلى المستحسنات العقلية، وناهي عن المستقبحات العقلية، ولا يجوز ذلك فيما يوجبه العبد على نفسه. والقول الآخر يقول: إن العبد إذا باشر السبب الموجب، أوجبه الله تعالى عليه، فيكون من العبد مباشرة السبب الوحيد، وكون السبب موجباً عرف بالشرع، فوجب بإيجاب الشرع، لا بغيره، وهذا بيّن. ولعل الأظهر اندراج ذلك تحت العموم، ولا خلاف أن المباح نذره لا يوجب شيئاً، لأنه لا يتوهم كونه داعياً إلى المستحسنات العقلية، ولا أن له في الوجوب أصلاً يتوهم، كون هذا داخلاً تحته، وهذا بيّن لا غبار عليه. ولما حلف الصديق على ما كان فعله خيراً من تركه، قيل له: {وَلاَ يأتَلِ أوُلُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ والسّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولي القُرْبَى}. فحنث الصديق عن نفسه، وكفر عن يمينه. قوله تعالى: {أُحِلّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} الآية [1]: قيل في الأنعام: إنها الإبل والبقر والغنم، وقيل يقع الانعام على هذه الأصناف الثلاثة، وعلى الظباء وبقر الوحش، ولا يدخل فيها الحافر، لأنه أحد من يعمه الوطء. والذي يدل على تناوله للجميع، استثناؤه الصيد منها، بقوله في نسق الآية: {غَيْرَ مُحِلي الصَّيْدِ وأَنْتُمْ حُرُمٌ}. ويدل على أن الحافر ليس داخلاً في الأنعام قوله تعالى: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ ومِنْهَا تَأْكُلُونَ}. ثم عطف عليه قوله تعالى: {وَالخَيْلَ والبِغَالَ والحَمِيرَ}. فلما استأنف ذكرها وعطفها على الأنعام، دل على ذلك على أنها ليست منها. وذكر ذاكرون دقيقة فقالوا: لما قال تعالى: {يَا أيُّهَا الذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بالْعُقودِ}، أذن ذلك بأن الإباحة مجازاة على الوفاء بالعقود، فإن الكفار محظور عليهم ذبح البهائم، فإن ذبح البهائم إنما عرفت إباحته بالسمع، والسمع إنما عرف بنبوته صلى الله عليه وسلم، فإذا تثبت ذلك، فلا يباح ذبح البهائم للكفار، وإن كانوا أهل الكتاب، وهذا بعيد. فإنه لو لم يكن مباحاً لهم، لما جاز للمسلمين تناول ذبائحهم. ويمكن أن يجاب عنه بأنه محرم أن يذبحوا، ولكن إذا ذبحوا على تسمية الكتاب حل للمسلم. وبالجملة، هذا طريق المعتزلة. وعندنا لا يحرم قبل السمع شيء، ولا يحل أيضاً، فإن الحكم حكم الله تعالى، فلا تعلق له بما تقدم على هذا الطريق، فاعلمه. قوله تعالى: {إلاَّ مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ}. يحتمل أن يكون فيما قد حصل تحريمه قبل ذلك، فالباقي على الإباحة؟ إلا ما خصه الدليل، فيكون عاماً محتجاً به. ويحتمل أن يكون المراد بقوله {إلاَّ مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ}: إلا ما يريد أن يحرمه، فيكون مؤذناً بورود بيان من بعد، إلا أن ذلك لا يقتضي التخصيص، ولا يتحقق فيه معنى الاستثناء، إذا لم يكن محرماً في الحال. ويحتمل أن يريد به إلا ما قد حرم عليكم مطلقاً، وسيرد بيانه. فعلى هذا يكون القدر المخصوص منه مجملاً لجهالة المخصوص. أو يجوز أن يكون الكل قد ورد دفعة واحدة, فيذكر الكلام مطلقاً إلا ما سيرد تفصيله، ويسوق الكلام إلى غايته، ويكون ذلك كمطلق يعقبه خصوص، ويسوق الكلام إلى آخره. نعم، قوله {إلاَّ مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ}، لا يتناول محل الصيد، فإنه لو استثنى ذلك سقط حكم الاستثناء الثماني، وهو قوله {غَيْرَ مُحِلّي الصَّيْدِ}, وصار بمثابة قوله {إلاَّ مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ}، وهو تحريم الصيد على المحرم، وذلك تعسف في التأويل، ويوجب ذلك أيضاً أن يكون الاستثناء من إباحة الأنعام مقصوراً على الصيد، وقد علمنا أن الميتة من بهيمة الأنعام مستثنى من الاباحة، فهذا تأويل لا وجه له. وقوله {غَيْرَ مُحِلّي الصَّيْدِ}، لا يخلو إما أن يكون مستثنى مما يليه من الاستثناء، فيصير بمنزلة قوله تعالى: {إلاَّ مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ} إلا محلي الصيد وأنتم حرم، فلو كان كذلك لوجب إباحة الصيد في الإحرام، لأنه مستثنى من المحظور، إن كان قوله تعالى {إلاَّ مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ} سوى الصيد مما قدمناه، ويستثنى تحريمه في الثاني، وأن يكون معناه: أوفوا غير محلي الصيد، وأحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم. كتاب ابن العربي 1) أصول الفقه (الإستثناء) 2) الحج 3) الذبائح 4) العقود 5) أصول فقه (الحقيقة العرفية والشرعية) 6) أصول فقه (الكتاب [القرآن]) 7) أصول فقه (تأخير البيان إلى وقت الحاجة) 8) الصيد والذبائح 9) أصول فقه (العُرف) 10) معارف عامة (ترجمة ابن العربي) قوله تعالى: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعامِ إلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} [الآية:1]. فيها عشرون مسألة: المسألة الأولى: قال علماؤنا: قال عَلْقمة: إذا سمعت: {يا أيُّها الذين آمَنُوا} فهي مدنيّة، وإذا سمعت: {يا أيُّها الناس} فهي مكّية؛ وهذا ربما خرج على الأكثر. المسألة الثانية: روى أبو سلَمة، أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم كان لما رجع من الْحُدَيْبية قال لعليّ: "يا عليّ؛ أشعرت أنه نزلَتْ عليَّ سورةُ المائدة، وهي نعمت الفائدة". قال الإمام القاضي: هذا حديثٌ موضوع، لا يحلّ لمسلم اعتقادُه، أما أنّا نقول: سورة المائدة نعمت الفائدة فلا نؤثره عن أحَد، ولكنه كلامٌ حسَن. المسألة الثالثة: قال أبو مَيْسرة: في المائدة ثماني عشرة فَرِيضة. وقال غيره: فيها {يا أَيها الذين آمَنُوا} في ستة عشرة موضعاً؛ فأما قول أبي مَيْسرة: إنّ فيها ثماني عشرة فريضة فربما كان ألفُ فريضة، وقد ذكرناها نحن في هذا المختصر للأحكام. المسألة الرابعة: شاهدتُ المائدة بطُور زَيْتا مِراراً، وأكلتُ عليها ليلاً ونهاراً، وذكَرْتُ اللهَ سبحانه فيها سرّاً وجهاراً، وكان ارتفاعها أسفل من القامة بنحو الشِّبْرِ، وكان لها درجتان قلبياً وجوفياً، وكانت صخرة صَلْداء لا تؤثر فيها المعاولُ، فكان الناس يقولون: مسخت صخرة إذ مسخ أربابُها قِرَدة وخنازير. والذي عندي أنها كانت في الأصل صخْرَةً قُطِعَت من الأرض محلاً للمائدة النازلة من السماء، وكلّ ما حولها حجارة مثلها، وكان ما حولها محفوفاً بقُصور، وقد نُحِت في ذلك الحجَر الصلْد بيوتٌ، أبوابُها منها، ومجالسها منها مقطوعة فيها، وحناياها في جوانبها، وبيوت خدمتها قد صوِّرت من الحجر، كما تصوّر من الطين والخشَب، فإذا دخلت في قصر من قصورها وردَدْت الباب وجعلت من ورائه صخرة كثُمْنِ درهم لم يفتحه أهلُ الأرض لِلُصُوقه بالأرض؛ فإذا هبّت الريح وحثَتْ تحته التراب لم يفتح إلا بعد صَبّ الماء تحته والإكثار منه، حتى يسيلَ بالتراب وينفرج منعرج الباب، وقد مات بها قومٌ بهذه العلة، وقد كنتُ أخْلُو فيها كثيراً للدرس، ولكني كنتُ في كل حين أكنس حَوْل الباب مخافةً مما جرى لغيري فيها، وقد شرحت أمرَها في كتاب "ترتيب الرحلة" بأكثر من هذا. المسألة الخامسة: قوله تعالى: {أَوْفُوا}: يقال: وَفَى وأَوْفَى. قال أهلُ العربية: واللغتان في القرآن؛ قال الله تعالى: {ومَنْ أوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ} [التوبة:111]. وقال شاعر العرب: * أمَّا ابنُ طَوْقِ فقد أوْفَى بذمَّتِه * كما وَفَى بِقِلاصِ النجم حاديها * فجمع بين اللغتين. وقال الله تعالى: {وإبراهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم:377]. وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: "من وَفَّى منكم فأجْرُه على الله". المسألة السادسة: العقود: واحدها عقد، وفي ذلك خمسة أقوال: القول الأول: العقود، العهود؛ قاله ابن عباس. الثاني: حلف الجاهلية؛ قاله قتادة. وروي عن ابن عباس، والضحاك، ومجاهد والثوري. الثالث: الذي عقد اللهُ عليكم وعقدتم بعضكم على بعض؛ قاله الزجاج. الرابع: عقد النكاح والشركة واليمين والعهد والحلف، وزاد بعضهم البيع؛ قاله زيد ابن أسلم. الخامس: الفرائض؛ قاله الكسائي؛ وروى الطبري أنه أمرٌ بالوفاء بجميع ذلك. قال ابنُ العربي: وهذا الذي قاله الطبري صحيح، ولكنه يحتاج إلى تنقيح - وهي المسألة السابعة: [في تنقيح قول الطبري]: قال: وذلك أن أصل عهد في اللغة الإعلام بالشيء، وأصلُ العقد الربْط والوَثيقة، قال الله سبحانه: {ولقد عَهِدْنا إلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ ولم نَجِدْ لَهُ عَزْماً} [طه:115]. وقال عبدُالله بن عُمر: "الدينار بالدينار والدّرْهم بالدرهم لا فَضْلَ بينهما، هذا عَهْد نَبِيِّنا إلينا وعَهْدُنا إليكم". وتقول العرب: عَهِدْنا أمْرَ كذا وكذا؛ أي: عرفناه، وعقَدْنا أمر كذا وكذا؛ أي: ربطناه بالقول، كربط الحبل بالحبل؛ قال الشاعر: * قومٌ إذا عقَدُوا عَقْداً لجارِهم * شَدُّوا العِناج وشَدُّوا فَوْقَه الكَرَبا * وعَهْدُ الله إلى الخلق إعلامُه بما ألزمهم وتعاهَد القومُ: أي أعلن بعضُهم لبعض بما التزمَهُ له وارتبط معه إليه وأعلمه به؛ فبهذا دخلَ أحدُ اللفظين في الآخر، فإذا عرفْتَ هذا علمتَ أن الذي قَرْطَس على الصواب هو أبو إسحاق الزجاج؛ فكلُّ عهدٍ لله سبحانه أعلمَنا به ابتداءً، والتزمْناه نحن له، وتعاقدنا فيه بيننا، فالوفاءُ به لازمٌ بعموم هذا القول الْمُطْلق الوارد منه سبحانه علينا في الأمر بالوفاء به. وأما من خصَّ حلف الجاهلية فلا قُوّةَ له إلا أنْ يريدَ أنه إذا لزم الوفاء به، وهو من عَقْد الجاهلية؛ فالوفاءُ بعقد الإسلام أوْلى، وقد أمر اللهُ سبحانه بالوفاء به؛ قال الله تعالى: {والذين عَقَدَتْ أيمانُكم فآتُوهم نَصِيبَهم} [النساء:33]؛ قال ابن عباس: يعني من النصيحة والرفادة والنصرة، وسقط الميراث خاصة بآية الفرائض وآيةِ الأنفال. وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلم: "المؤمنون عند شروطهم". وأما مَن قال عقد البيع وما ذكر معه، فإنما أشار إلى عقود المعاملات وأسقط غيرها وعقود الله والنذور؛ وهذا تقصير. وأما قولُ الكسائي: الفرائض، فهو أخو قولِ الزجاج، ولكن قول الزجاج أوْعَب؛ إذ دخَل فيه الفَرْضُ المبتدأ والفرض الملتزم والندب، ولم يتضمَّن قول الكسائي ذلك كله. المسألة الثامنة: إذ ثبت هذا فرَبْطُ العقد تارة يكون مع الله، وتارةً يكون مع الآدمي، وتارة يكونُ بالقول، وتارة بالفعل؛ فمن قال: "لله عليّ صومُ يوم" فقد عقده بقوله مع رَبّه؛ ومَن قام إلى الصلاة فَنَوى وكبّر فقد عقدها لربه بالفعل، فيلزم الأول ابتداء الصوم، ويلزم هذا تمام الصلاة؛ لأن كل واحدٍ منهما قد عقدها مع ربه، والتزم. والعقدُ بالفعل أقوى منه بالقول. وكما قال سبحانه: {يُوفُونَ بالنَّذْرِ ويخافُونَ يَوْماً كان شَرُّه مُسْتَطِيراً} [الإنسان:7]. كذلـك قـال: {يا أيها الذين آمنُوا أَطِيعوا اللهَ وأَطِيعُوا الرسولَ ولا تُبْطِلُوا أعمالكم} [محمد:33]. وما قال القائلُ: عليّ صَوْم يوم أو صلاة ركعتين إلاّ ليفعل، فإذا فعل كان أقوى من القبول؛ فإن القولَ عقد وهذا نقد؛ وقد مهدنا ذلك في مسائل الخلاف وشرح الحديث على الشافعي تمهيداً بليغاً، فلينظر هنالك. فإن قيل: فكيف يلزم الوفاءُ بعقد الجاهلية حين كانوا يقولون: هَدْمي هَدْمك، ودَمِي دمك، وهم إنما كانوا يتعاقدون على النصرة في الباطل. قلْنا: كذبتم؛ إنما كانوا يتعاقدون على ما كانوا يعتقدونه حقّاً، وفيما كانوا يعتقدونه حقّاً ما هو حق كنُصْرة المظلوم، وحَمْل الكَلّ، وقِرَى الضيف، والتعاون على نوائب الحق. وفيه أيضاً باطل؛ فرفع الإسلامُ من ذلك الباطلَ بالبيان، وأوثق عُرَى الجائز، وألحق منه بالأمر بالوفاء بإتيانهم نصيبهم فيه، كما تقدم من النصيحة والرفادة والنصرة، وهذا كما قال صلّى الله عليه وسلم: "المؤمنون عند شروطهم". معناه إنما تظهر حقيقة إيمانهم عند الوفاء بشروطهم. وقال صلّى الله عليه وسلم: "أحق الشروط أن يوفى به ما ستحللتُم به الفروج". ثم قال: "ما بالُ أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان اشترط مائةَ شرط". فبيَّن أن الشرطَ الذي يجبُ الوفاءُ به ما وافق كتابَ اللهِ تعالى، أي دينَ الله تعالى، كذلك لا يلزم الوفاءُ بعقد إلا أن يُعْقد على ما في كتاب الله. وعلى المسلمين أن يلتزموا الوفاءَ بعهودهم وشروطهم إلاّ أن يظهرَ فيها ما يخالفُ كتابَ الله، فيسقط. ولا يمنع هذا التعلّق بعموم القولين؛ ولذلك حثَّ على فعل الخير، فقال: {وافْعَلُوا الخيْرَ لعلّكم تُفْلِحُونَ} [الحج:77]. وأمر بالكفّ عن الشر، فقال: "لا ضرَر ولا ضرار". فهذا حثٌّ على فعل كل خير واجتنابِ كل شر. فأما اجتنابُ الشر فجميعُه واجب. وأمّا فعل الخير فينقسم إلى ما يجب وإلى ما لا يجبُ؛ وكذلك الوفاءُ بالعقود، ولكنّ الأصل فيها وجوب، إلاّ ما قام الدليلُ على نَدْبِه؛ وقد جهل بعضُهم فقال: لما كانت العقودُ الباطلة والشروطُ الباطلة لا نهايةَ لها والجائزُ منها محصورٌ فصار مجهولاً فلا يجوز الاحتجاج على الوفاء بالعقود ولا بالشروط لأجلِ ذلك وهي عبارة عظيمة، وهي: المسألة التاسعة: قلنا: وما لا يجوز كيف يدخلُ تحت مطلقِ أمْرِ الله سبحانه حتى يجعله مجملاً. والله لا يأمر بالفحشاء ولا بالباطل: لقد ضلَّت إمامتك وخابت أمانتك، وعلى هذا لا دليلَ في الشرع لأمرٍ يفعل؛ فإن منه كله ما لا يجوز، ومنه ما يجوز، فيؤدي إلى تعطيل أدِلّةِ الشرع وأوامره. والذين قالوا بالوقف لم يرتكبوا هذا الخطر، ولا سَلَكُوا هذا الوعر، فدَعْ هذا، وعَدِّ القولَ إلى العلم إن كنتَ من أهله. فإن قيل: محمول قوله: {أوْفُوا بالعقود} على المقيَّد لما بينّا، وهي: المسألة العاشرة: قلنا: فقد أبطلنا ما يثبتُ محمولَ قوله: {أوْفُوا بالعقود} على كل عَقْدٍ مطلق ومقيد. وماذا تريد بقولك مقيّداً؟ تريد قيّد بالجواز أم قيّد بقُربة، أو قيّد بشرط؟ فإن أردْتَ به قُيّد بشرط لزمكَ فيه ما لزمك في المطلق مِن أنّ الشرط منه ما لا يجوز كما تقدم لك، وإن قلت: مقيّد بقُرْبة، فيبطل بالمعاملات، وإن قلت: مقيّد بالدليل، فالدليلُ، هو قولُ الله سبحانه، وقد قال: {أوفوا بالعقود}. فإن قيل: هذا عقد اليمين لا يجبُ الوفاء به، وهي: المسألة الحادية عشرة: قلنا: لا يجبُ الوفاءُ بشيء أكثر مما يجب الوفاءُ باليمين، وكيف لا يجبُ الوفاءُ به وهو عَقْدٌ أكّد باسمِ الله سبحانه؟ حاشا لله أن نقول هذا، ولكنَّ الشرعَ أذِن رحمةً ورُخْصة في إخراج الكفّارة بدلاً من البر، وخَلَفاً من المعقود عليه الذي فوَّته الحِنْث. وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف، وستراه في آية الكفّارة من هذه السورة إن شاء الله تعالى. فإن قيل: فقد قال الشافعي: إذا نذر قُرْبة لا يدفع بها بلية ولا يستنجح بها طَلبة فإنه لا يلزمُ الوفاء بها. قلنا: مَنْ قال بهذا فقد خفيت عليه دلائلُ الشرع؛ وقد قال النبيّ صلّى الله عليه وسلم لعمر: "أَوْفِ بنَذْرِك". وقد بينا قولَ الله عز وجل فيه وماذا على الشريعة أو ماذا يقدح في الأدلة مِنْ رأي الشافعي وأمثاله من العلماء. وأما نذرُ الْمُباح فلم يلزم بإجماع الأمة ونص النبي صلّى الله عليه وسلم في الصحيح، وهي شيءٌ جهلْتَه يا هذا العالم، فادرج عن هذه الأغراض، فليس بوكْرٍ إلاَّ لمن أمَّنته معرفةُ أحاديثِ النبيّ صلّى الله عليه وسلم من المكْر، ولم يتكلم برأيه وحده، ولا أعجب بطرق من النظر حصَّلها، ولم يتَمرّس فيها بكتاب الله عز وجلّ ولا بسنةِ رسوله صلّى الله عليه وسلم؛ فافهمْ هذا، والله يوفقُكم وإيانا بتوفيقه لتوفية عهود الشريعة حقّها. المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَام}: اختلف فيها على ثلاثة أقوال: الأول: إنه كلّ الأنعام؛ قاله السُّدّي، والربيع، والضحاك. الثاني: إنه الإبل، والبقر، والغنم؛ قاله ابن عباس، والحسن. الثالث: إنه الظباء، والبقر، والْحُمُر الوَحْشيان. المسألة الثالثة عشرة: في المختار: أما من قال: إن النَّعَم هي الإبل والبقر والغنم، فقد علمت صحةََ ذلك دليلاً، وهو أنَّ النَّعم عند بعض أهل اللغة اسم خاصّ للإبل يذكّر ويؤنّث؛ قاله ابنُ دُرَيْد وغيره. وقد قال الله تعالى: {والأنعامَ خلقَها لكُم فيها دِفْءٌ ومَنَافِعُ ومنها تأكلون. ولكم فيها جمَالٌ حِيْنَ تُرِيحُون وحينَ تَسْرَحُون. وتحملُ أثقالَكم} [النحل:5، 6، 7]. وقال تعالى: {ومِنَ الأنعامِ حَمُولَةً وفَرْشاَ، كُلُوا مِمَّا رزقكمُ اللهُ ولا تتَّبِعُوا خُطُواتِ الشيطانِ، إنه لكم عدوٌّ مُبِين. ثمانيةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأنِ اثنين ومِنَ المَعْزِ اثنين} [الأنعام:142]. وقال: {ومِنَ الإبلِ اثنين ومن البقَر اثنين} [الأنعام:144]. فهذا مرتبط بقوله: ومن الأنعامِ حمولةً وفَرْشاً، أي خلق جنات وخلقَ من الأنعام حمولة وفَرْشاً، يعني كباراً وصغاراً، ثم فسّرها فقال: ثمانيةَ أزواجٍ... إلى قوله: {أم كنتم شهداء إذ وَصَّاكم الله بهذا}. وقال تعالى:{وجعل لكُمْ مِنْ جُلُودِ الأنعامِ بُيوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكم ويوم إقامَتِكُم، ومِنْ أَصْوَافِها - وهي الغَنَم - وأَوْبارِها - وهي الإبل - وأشعارِها - وهـي المِعْـزَى، أثاثاً ومتاعاً إلى حين} [النحل:8]. فهذه ثلاثة أدلّة تنبىء عن تضمّن اسم النَّعَم لهذه الأجناس الثلاثة: الإبل والبقر والغنم، لتأنيس ذلك كله، فأما الوحشية فلم أعلمه إلى الآن إلا اتباعاً لأهل اللغة. أما أنه قد قال بعضُ العلماء: إنّ قوله سبحانه: {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} يقتضي دخولَ البقَر والحمر والظباء تحت قوله: بَهيمة الأنعام؛ فصار تقدير الكلام: أُحِلَّتْ لكم بهيمةُ الأنعام إنسيّها ووحشيّها غير مُحلِّي الصَّيْدِ وأنتم حُرُم؛ أي ما لم تكونوا مُحْرِمين. فإن كان هذا متعلقاً فقد قال: {يا أيُّها الذينَ آمَنُوا لا تقتُلُوا الصَّيْدَ وأنتم حُرُم، ومَنْ قتلَهُ منكم مُتَعَمِّداً فجزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ من النَّعَم} [المائدة:95]. فجعل الصيدَ والنعم صنفين. وأيضاً فإن مَنْ أراد أن يُدخل الظباء والبقر والحمر الوحشية فيه ليعمَّ ذلك كله في الإحلال ماذا يصنَعُ بصنف الصَّيْد الطائر كله؟ فالدليلُ الذي أحلّه ولم يدخل في هذه الآية محلّ الظباء والبقر والْحُمُر الوحشية وإن لم يدخل في الآية. وقد ينتهي العِيُّ ببعضهم إلى أن يقول: إنَّ الأنعامَ هي الإبل لنعمة أخفافها في الوَطْءِ، ولا يدخل فيه الحافر ولا الظلْفُ لِجَساوته وتحدّده. ويقال له: إن الأنعام إنما سميت به لما يُتَنَعَّم به من لحومها وأصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين. وبهذه الآية كان يدخل صنف الوحشيّ فيها؛ لأنها ذات أشعار من جهة أنه يتأتّى ذلك فيه حسّاً وإن لم يكن يتناول ذلك منها عُرْفاً. فإن قلنا: إن اللفظَ يحمل على الحقيقة الأصلية، فيدخل في هذا اللفظ في النحل ويتناولها اللفظ في سورة المائدة. وإن قلنا: إن الألفاظ تُحْمَل على الأحوال المعتادة العرفية لم يدخل فيها؛ إذ لا يعتاد ذلك مِنْ أوْبارها. وهاهنا انتهى تحقيق ذلك في هذا المختصر. المسألة الرابعة عشرة: قوله تعالى: {إلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ}: قالوا: مِنْ قوله تعالى: {حُرِّمَت عليكم الْمَيْتة} [المائدة:3] وقيل من قوله: {غَيْرَ مُحلِّي الصَّيْدِ} والصحيحُ أنه من قوله في كل محرَّم في كتاب الله تعالى أو سنة نبيه صلّى الله عليه وسلم. فإن قيل: فقد قال: {إلا ما يُتْلَى عَلَيْكُمْ}. والذي يُتْلَى هو القرآن، ليس السنة. قلنا: كلُّ كتاب يُتْلى، كما قال تعالى: {وما كنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْله من كتاب} [العنكبوت:48] وكلُّ سنةٍ لرسول الله صلّى الله عليه وسلم فهي من كتابِ الله. والدليلُ عليه أمران: أحدهما: قولُه صلّى الله عليه وسلم في قصة العَسِيف: "لأَقْضِيَنّ بينكما بكتابِ الله، أما غَنمُك وجاريتك فردٌّ عليك، وعلى ابنك جَلْد مائة وتَغرِيبُ عام". وليس هذا في القرآن، ولكنه في كتابِ الله الذي أوحاه إلى رسوله عِلْماً من كتابه المحفوظ عنده. والدليلُ الثاني: في حديث عبدالله بن مسعود؛ قال: "لعن الله الواشِمَاتِ، والمستَوْشِمَات، والمتَنَمِّصَاتِ، والمتفلِّجَات للحُسْن، والمغيِّرات لخَلْق الله". فبلغ ذلك امرأة من بني أَسد يقال لها أم يعقوب، فجاءت فقالت: إنه بلغني أنكَ لعنْتَ كيت وكيت. فقال: ومالي لا أَلعن مَنْ لعنَ رَسول الله صلّى الله عليه وسلم؟ أليس هو في كتابِ الله؟ فقال: لقد قرأتُ ما بين اللَّوْحَيْن فما وجدتُ فيه ما تقول. فقال: لئن كنتِ قرأتيه لقد وجدتيه. أو ما قرأتِ: {وما آتاكم الرسولُ فخُذُوه وما نَهَاكُمْ عنه فانْتَهُوا}؟ [الحشر:7] قالت: بلى. قال: فإنه قد نهى عنه. قالت: فإني أَرى أهلك يفعلونه. قال: فاذهبي فانْظُري، فذهبت فنظَرَت فلم تر من حاجتها شيئاً. فقال: لو كانت كذلك ما جامعتها. المسألة الخامسة عشرة: يحتمل قوله: إلاّ ما يُتْلى عليكم الآن، أو إلاّ ما يُتْلى عليكم فيما بَعْدُ مِنْ مستقبل الزمان. وفي هذا دليل على جواز تأخير البيان عن وقتٍ لا يُفْتَقرُ فيه إلى تعجيل الحاجة، وهي مسألة أُصولية، وقد بيناها في "المحصول"، ومعناه أن الله سبحانه أباح لنا شيئاً وحرّم علينا شيئاً استثناء منه. فأما الذي أباح لنا فسماه وَبيّنه. وأما الذي استثناه فوعد بذِكْره في حين الإباحة، ثم بيّنه بعد ذلك في وقتٍ واحد أو في أوقات متفرقة على اختلافِ التأويلين المتقدّمين، وكلُّ ذلك تأخير للبيان، والله أعلم. المسألة السادسة عشرة: قوله تعالى: {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ}: فيه ثلاثة أقوال: الأوّل: معناه أوفوا بالعقود غير مُحلِّي الصَّيْدِ. الثاني: أُحلت لكم بهيمةُ الأنعام الوحشية غير مُحلِّي الصيد وأنتم حُرُم. الثالث: أُحِلَّت لكم بهيمةُ الأنعام إلا ما يُتْلَى عليكم إلا ما كان منها و حشياً فإنه صيد لا يحل لكم وأنتم حرم. المسألة السابعة عشرة: في تنقيحها. أما قوله: إن معناه أوفوا بالعقود غير محلي الصيد وأنتم حُرُم فاختاره الطبري والأخفش، وقالا: فيه تقديم وتأخير، وهو جائز في نظام الكلام وإعرابه؛ وهذا فاسد؛ إذ لا خلاف أن الاستثناء إذا كان باسم الفاعل فإنه حال؛ فيكون تقدير الآية: "أوفوا بالعقود لا محلّين للصيد في إحرامكم". ونَكْثُ العهد ونَقْض العقد محرم، والأمرُ بالوفاء مستمر في هذه الحال وفي كل حال. ولو اختص الوفاء بها في هذه الحال لكان ما عداها بخلاف على رأي القائلين بدليل الخطاب. وذلك باطل أو يكون مسكوتاً عنه. وإنما ذكر الأقل من أحوال الوفاء وهو مأمورٌ به في كل حال، وهذا تهجين للكلام وتحقيرٌ للوفاء بالعقود. وأما من قال: أحِلَّتْ لكم الوحشية، فهو خطأ من وجهين: أحدهما: أن فيه تخصيص بعض المحللات، و هو تخصيص للعموم بغير دليل لا سيما عموم متفق عليه. والثاني: أنه حملُ للفظ بهيمة الأنعام على الوحشية دون الإنْسية، وذلك تفسير للّفْظِ بالمعنى التابع لمعانيه المختلف منها فيه. وأما من قال: معناه أحِلَّتْ لكم بهيمة الأنعام إلا ما يُتْلى عليكم إلا ما كان منها وَحْشِياً فإنه صيد، ولا يحلُّ لكم الصيدُ وأنتم حُرُم. وهذا أشبهها معنى، إلا أن نظامَ تقديره ليس بجار على قوانين العربية؛ فإنه أضمر فيه ما لا يحتاجُ إليه، وإنما ينبغي أن يقال؛ تقديره: أحِلَّتْ لكم بهيمةُ الأنعام إلا ما يتلى عليكم، غير محلين صيدها وأنتم حرم؛ فيصح المعنى، ويقلّ فضول الكلام، ويجري على قانون النحو. وفيها مسألة بديعة؛ وهي: المسألة الثامنة عشرة: [مسألة بديعة، تثنية الاستثناء في الجملة الواحدة]: وهي تثنيةُ الاستثناء في الجملة الواحدة، وهي تردُ على قسمين: أحدهما: أن يتكرر، ويكون الثاني من الأول، كقوله تعالى: {إلاَّ آلَ لوط إنّا لمنجُّوهُمْ أجمعين إلا امرأته} [الحجر:59، 60]. الثاني: أن يكون جميعاً من الأول، كقوله هاهنا: إلا ما يُتلى عليكم إلا الصيد وأنتم مُحرمون، فقوله: {إلا ما يُتْلَى عليكم} استثناء من بهيمة الأنعام على أحد القولين وأظهرهما، وقوله: إلا الصيد استثناء آخر أيضاً معه. وقد مهدنا ذلك في كتاب "ملجئة المتفقهين إلى معرفة غوامِض النحويين". المسألة التاسعة عشرة: في تمثيل لهذا التقدير من حديث النبيّ صلّى الله عليه وسلم: وذلك ما روي أنَّ أبا قَتادة الحارث بن رِبْعي الأنصاري قال: كنّا مع النبي صلّى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة وهم محرمون وأنا حِلٌّ على فرس لي، فكنت أرقى على الجبال، فبينا أنا كذلك إذ رأيتُ الناس مُشْرفين لشيء، فذهبت لأنظر، فإذا هو حمار وحْشِي، فقلت لهم: ما هذا؟ فقالوا: لا ندري. فقلت: هو حمار وحشي. قالوا: هو ما رأيت. وكنْتُ نسيت سَوْطي. فقلت لهم: ناوِلُوني سَوْطي. فقالوا: لا نُعينك عليه، فنزلْتُ وأخذْتُه ثم صرتُ في أثَره، فلم يكن إلا ذاك حتى عَقَرْتُه؛ فأتيتُ إليهم فقلت: قوموا فاحتملوا. فقالوا: لا نمسّه، فحملتُه حتى جئتُهم به، فأبى بعضهم، وأكل بعضهم. قلت: أنا أستوقفُ لكم النبيَّ صلّى الله عليه وسلم، فأدركته، فحدّثته الحديث، فقال لي: "أَبقِيَ معكم منه شيء؟" قلت: نعم. قال: "فكُلوا فهو طعمة أطعمكموها الله". فأحلّ لهم الحمُر مطلقاً إلاَّ ما يتلى عليهم، إلا ما صادوه وهم محرمون منها؛ وما صادَه غيرُهم فهو حلال لهم، فإنما حُرّم عليهم منه ما وقع إليهم بصيدهم، إلى تفصيلٍ يأتي بيانه إذا صِيدَ لهم، فإن حرم فإنما هو بدليل آخر غير هذه الآية. المسألة الموفية عشرين: مضى في سَرْدِ هذه الأقوال أنّ من الصحابة من قال في جَنِين الناقة أو الشاة أو البقرة أو نحوها: إنها من بهيمة الأنعام المحلَّلة. وللعلماء فيه ثلاثة أقوال: الأول: أنه حلال بكلّ حال؛ قاله الشافعي. الثاني: أنه حرام بكل حال، إلا أن يذكى؛ قاله أبو حنيفة. الثالث: الفرق بين أن يكون قد استقل ونبت شَعْرُه وبين أن يكون بَضْعة كالكبد والطحال؛ قاله مالك. وتعلق بعضهم بالحديث المشهور: "ذكاةُ الجنين ذكاةُ أمه". ولم يصح عند الأكثر، وصححه الدارقُطْني؛ واختلفوا في ذكر "ذكاة" الثانية، هل هي برفع التاء فيكون الأول الثاني ولا يفتقر الجنين إلى ذكاة، أو هو بنصب التاء فيكون الأول غير الثاني، ويفتقر إلى الذكاة. وقد مهدناه في الرسالة الملجئة، وبيّنّا في "مسائل الخلاف" أنّ المعوَّل فيه على اعتبار الْجَنين بجزء من أجزائها، أم يُعتبر مستقلاً بنفسه، وقد بينا في كتاب "الإنصاف" الحقَّ فيها، وأنه في مذهبنا باعتبار ذَكاة المستقبل؛ والله أعلم. وسنشير إلى شيء من ذلك في الآية بعدها إن شاء الله. كتاب ابن العربي 1) أصول الفقه (الإستثناء) 2) الحج 3) الذبائح 4) العقود 5) أصول فقه (الحقيقة العرفية والشرعية) 6) أصول فقه (الكتاب [القرآن]) 7) أصول فقه (تأخير البيان إلى وقت الحاجة) 8) الصيد والذبائح 9) أصول فقه (العُرف) 10) معارف عامة (ترجمة ابن العربي) قوله تعالى: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعامِ إلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} [الآية:1]. فيها عشرون مسألة: قال علماؤنا: قال عَلْقمة: إذا سمعت: {يا أيُّها الذينَ آمَنُوا} فهي مدنيّة، وإذا سمعت: {يا أيُّها الناس} فهي مكّية؛ وهذا ربما خرج على الأكثر. المسألة الثانية: روى أبو سلَمة، أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم كان لما رجع من الْحُدَيْبية قال لعليّ: "يا عليّ؛ أشعرت أنه نزلَتْ عليَّ سورةُ المائدة، وهي نعمت الفائدة". قال الإمام القاضي: هذا حديثٌ موضوع، لا يحلّ لمسلم اعتقادُه، أما أنّا نقول: سورة المائدة نعمت الفائدة فلا نؤثره عن أحَد، ولكنه كلامٌ حسَن. المسألة الثالثة: قال أبو مَيْسرة: في المائدة ثماني عشرة فَرِيضة. وقال غيره: فيها {يا أيها الذين آمَنُوا} في ستة عشرة موضعاً؛ فأما قول أبي مَيْسرة: إن فيها ثماني عشرة فريضة فربما كان ألفُ فريضة، وقد ذكرناها نحن في هذا المختصر للأحكام. المسألة الرابعة: شاهدتُ المائدة بطُور زَيْتا مِراراً، وأكلتُ عليها ليلاً ونهاراً، وذكَرْتُ اللهَ سبحانه فيها سرّاً وجهاراً، وكان ارتفاعها أسفل من القامة بنحو الشِّبْرِ، وكان لها درجتان قلبياً وجوفياً، وكانت صخرة صَلْداء لا تؤثر فيها المعاولُ، فكان الناس يقولون: مسخت صخرة إذ مسخ أربابُها قِرَدة وخنازير. والذي عندي أنها كانت في الأصل صخْرَةً قُطِعَت من الأرض محلاً للمائدة النازلة من السماء، وكلّ ما حولها حجارة مثلها، وكان ما حولها محفوفاً بقُصور، وقد نُحِت في ذلك الحجَر الصلْد بيوتٌ، أبوابُها منها، ومجالسها منها مقطوعة فيها، وحناياها في جوانبها، وبيوت خدمتها قد صوِّرت من الحجر، كما تصوّر من الطين والخشَب، فإذا دخلت في قصر من قصورها وردَدْت الباب وجعلت من ورائه صخرة كثُمْنِ درهم لم يفتحه أهلُ الأرض لِلُصُوقه بالأرض؛ فإذا هبّت الريح وحثَتْ تحته التراب لم يفتح إلا بعد صَبّ الماء تحته والإكثار منه، حتى يسيلَ بالتراب وينفرج منعرج الباب، وقد مات بها قومٌ بهذه العلة، وقد كنتُ أخْلُو فيها كثيراً للدرس، ولكني كنتُ في كل حين أكنس حَوْل الباب مخافةً مما جرى لغيري فيها، وقد شرحت أمرَها في كتاب "ترتيب الرحلة" بأكثر من هذا. المسألة الخامسة: قوله تعالى: {أَوْفُوا}: يقال: وَفَى وأَوْفَى. قال أهلُ العربية: واللغتان في القرآن؛ قال الله تعالى: {ومَنْ أوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ} [التوبة: 111]. وقال شاعر العرب: * أمَّا ابنُ طَوْقِ فقد أوْفَى بذمَّتِه * كما وَفَى بِقِلاصِ النجم حاديها * فجمع بين اللغتين. وقال الله تعالى: {وإبراهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم: 377]. وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: "من وَفّى منكم فأجْرُه على الله". المسألة السادسة: العقود: واحدها عقد، وفي ذلك خمسة أقوال: القول الأول: العقود، العهود؛ قاله ابن عباس. الثاني: حلف الجاهلية؛ قاله قتادة. وروي عن ابن عباس، والضحاك، ومجاهد والثوري. الثالث: الذي عقد اللهُ عليكم وعقدتم بعضكم على بعض؛ قاله الزجاج. الرابع: عقد النكاح والشركة واليمين والعهد والحلف، وزاد بعضهم البيع؛ قاله زيد ابن أسلم. الخامس: الفرائض؛ قاله الكسائي؛ وروى الطبري انه أمرٌ بالوفاء بجميع ذلك. قال ابنُ العربي: وهذا الذي قاله الطبري صحيح، ولكنه يحتاج إلى تنقيح - وهي المسألة السابعة: [في تنقيح قول الطبري]: قال: وذلك أن أصل عهد في اللغة الإعلام بالشيء، وأصل العقد الربْط والوَثيقة، قال الله سبحانه: {ولقد عَهِدْنا إلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ ولم نَجِدْ لَهُ عَزْماً} [طه: 115]. وقال عبدُ الله بن عُمر: "الدينار بالدينار والدّرْهم بالدرهم لا فَضْلَ بينهما، هذا عَهْدُ نَبِيِّنا إلينا وعَهْدُنا إليكم". وتقول العرب: عَهِدْنا أمْرَ كذا وكذا؛ أي: عرفناه، وعقَدْنا أمر كذا وكذا؛ أي: ربطناه بالقول، كربط الحبل بالحبل؛ قال الشاعر: * قومٌ إذا عقَدُوا عَقْداً لجارِهم * شَدُّوا العِناج وشَدُّوا فَوْقَه الكَرَبا * وعَهْدُ الله إلى الخلق إعلامُه بما ألزمهم وتعاهَد القومُ: أي أعلن بعضُهم لبعض بما التزمَهُ له وارتبط معه إليه وأعلمه به؛ فبهذا دخلَ أحدُ اللفظين في الآخر، فإذا عرفْتَ هذا علمتَ أن الذي قَرْطَس على الصواب هو أبو إسحاق الزجاج؛ فكلُّ عهدٍ لله سبحانه أعلمَنا به ابتداءً، والتزمْناه نحن له، وتعاقدنا فيه بيننا، فالوفاءُ به لازمٌ بعموم هذا القول الْمُطْلق الوارد منه سبحانه علينا في الأمر بالوفاء به. وأما من خصَّ حلف الجاهلية فلا قُوّةَ له إلا أنْ يريدَ أنه إذا لزم الوفاء به، وهو من عَقْد الجاهلية؛ فالوفاءُ بعقد الإسلام أوْلى، وقد أمر اللهُ سبحانه بالوفاء به؛ قال الله تعالى: {والذين عَقَدَتْ أيمانُكم فآتُوهم نَصِيبَهم} [النساء: 33]؛ قال ابن عباس: يعني من النصيحة والرفادة والنصرة، وسقط الميراث خاصة بآية الفرائض وآيةِ الأنفال. وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلم: "المؤمنون عند شروطهم". وأما مَن قال عقد البيع وما ذكر معه، فإنما أشار إلى عقود المعاملات وأسقط غيرها وعقود الله والنذور؛ وهذا تقصير. وأما قولُ الكسائي: الفرائض، فهو أخو قولِ الزجاج، ولكن قول الزجاج أوْعَب؛ إذ دخَل فيه الفَرْضُ المبتدأ والفرض الملتزم والندب، ولم يتضمَّن قول الكسائي ذلك كله. المسألة الثامنة: إذ ثبت هذا فرَبْطُ العقد تارة يكون مع الله، وتارةً يكون مع الآدامي، وتارة يكونُ بالقول، وتارة بالفعل؛ فمن قال: "لله عليّ صومُ يوم" فقد عقده بقوله مع رَبّه؛ ومَن قام إلى الصلاة فَنَوى وكبّر فقد عقدها لربه بالفعل، فيلزم الأول ابتداء الصوم، ويلزم هذا تمام الصلاة؛ لأن كل واحدٍ منهما قد عقدها مع ربه، والتزم. والعقدُ بالفعل أقوى منه بالقول. وكما قال سبحانه: {يُوفُونَ بالنَّذْرِ ويخافُونَ يَوْماً كان شَرُّه مُسْتَطِيراً} [الإنسان: 7]. كذلـك قـال: {يا أيها الذين آمنُوا أَطِيعوا اللهَ وأَطِيعُوا الرسولَ ولا تُبْطِلُوا أعمالكم} [محمد: 33]. وما قال القائلُ: عليّ صَوْم يوم أو صلاة ركعتين إلاّ ليفعل، فإذا فعل كان أقوى من القبول؛ فإن القولَ عقد وهذا نقد؛ وقد مهدنا ذلك في مسائل الخلاف وشرح الحديث على الشافعي تمهيداً بليغاً، فلينظر هنالك. فإن قيل: فكيف يلزم الوفاءُ بعقد الجاهلية حين كانوا يقولون: هَدْمي هَدْمك، ودَمِي دمك، وهم إنما كانوا يتعاقدون على النصرة في الباطل. قلْنا: كذبتم؛ إنما كانوا يتعاقدون على ما كانوا يعتقدونه حقّاً، وفيما كانوا يعتقدونه حقّاً ما هو حق كنُصْرة المظلوم، وحَمْل الكَلّ وقِرَى الضيف، والتعاون على نوائب الحق. وفيه أيضاً باطل؛ فرفع الإسلامُ من ذلك الباطلَ بالبيان، وأوثق عُرَى الجائز، وألحق منه بالأمر بالوفاء بإتيانهم نصيبهم فيه، كما تقدم من النصيحة والرفادة والنصرة، وهذا كما قال صلّى الله عليه وسلم: "المؤمنون عند شروطهم". معناه إنما تظهر حقيقة إيمانهم عند الوفاء بشروطهم. وقال صلّى الله عليه وسلم: "أحق الشروط أن يوفى به ما ستحللتُم به الفروج". ثم قال: "ما بالُ أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان اشترط مائةَ شرط". فبيَّن أن الشرطَ الذي يجبُ الوفاءُ به ما وافق كتابَ اللهِ تعالى، أي دينَ الله تعالى، كذلك لا يلزم الوفاءُ بعقد إلا أن يُعْقد على ما في كتاب الله. وعلى المسلمين أن يلتزموا الوفاءَ بعهودهم وشروطهم إلاّ أن يظهرَ فيها ما يخالفُ كتابَ الله، فيسقط. ولا يمنع هذا التعلّق بعموم القولين؛ ولذلك حثَّ على فعل الخير، فقال: {وافْعَلُوا الخيْرَ لعلّكم تُفْلِحُونَ} [الحج: 77]. وأمر بالكفّ عن الشر، فقال: "لا ضرَر ولا ضرار". فهذا حثٌّ على فعل كل خير واجتنابِ كل شر. فأما اجتنابُ الشر فجميعُه واجب. وأمّا فعل الخير فينقسم إلى ما يجب وإلى ما لا يجبُ؛ وكذلك الوفاءُ بالعقود، كانت العقودُ الباطلة والشروطُ الباطلة لا نهايةَ لها والجائزُ منها محصورٌ فصار مجهولاً فلا يجوز الاحتجاج على الوفاء بالعقود ولا بالشروط لأجلِ ذلك وهي عبارة عظيمة، وهي: المسألة التاسعة: قلنا: وما لا يجوز كيف يدخلُ تحت مطلقِ أمْرِ الله سبحانه حتى يجعله مجملاً. والله لا يأمر بالفحشاء ولا بالباطل: لقد ضلَّت إمامتك وخابت أمانتك، وعلى هذا لا دليلَ في الشرع لأمرٍ يفعل؛ فإن منه كله ما لا يجوز، ومنه ما يجوز، فيؤدي إلى تعطيل أدِلّةِ الشرع وأوامره. والذين قالوا بالوقف لم يرتكبوا هذا الخطر، ولا سَلَكُوا هذا الوعر، فدَعْ هذا، وعَدِّ القولَ إلى العلم إن كنتَ من أهله. فإن قيل: محمول قوله: {أوْفُوا بالعقود} على المقيَّد لما بينّا، وهي: المسألة العاشرة: قلنا: فقد أبطلنا ما يثبتُ محمولَ قوله: {أوْفُوا بالعقود} على كل عَقْدٍ مطلق ومقيد. وماذا تريد بقولك مقيّداً؟ تريد قيّد بالجواز أم قيّد بقُربة، أو قيّد بشرط؟ فإن أردْتَ به قُيّد بشرط لزمكَ فيه ما لزمك في المطلق مِن أنّ الشرط منه ما لا يجوز كما تقدم لك، وإن قلت: مقيّد بقُرْبة، فيبطل بالمعاملات، وإن قلت: مقيّد بالدليل، فالدليلُ، هو قولُ الله سبحانه، وقد قال: {أوفوا بالعقود}. فإن قيل: هذا عقد اليمين لا يجبُ الوفاء به، وهي: المسألة الحادية عشرة: قلنا: لا يجبُ الوفاءُ بشيء أكثر مما يجب الوفاءُ باليمين، وكيف لا يجبُ الوفاءُ به وهو عَقْدٌ أكّد باسمِ الله سبحانه؟ حاشا لله أن نقول هذا، ولكنَّ الشرعَ أذِن رحمةً ورُخْصة في إخراج الكفّارة بدلاً من البر، وخَلَفاً من المعقود عليه الذي فوَّته الحِنْث. وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف، وستراه في آية الكفّارة من هذه السورة إن شاء الله تعالى. فإن قيل: فقد قال الشافعي: إذا نذر قُرْبة لا يدفع بها بلية ولا يستنجح بها طَلبة فإنه لا يلزمُ الوفاء بها. قلنا: مَنْ قال بهذا فقد خفيت عليه دلائلُ الشرع؛ وقد قال النبيّ صلّى الله عليه وسلم لعمر: "أَوْفِ بنَذْرِك". وقد بينا قولَ الله عز وجل فيه وماذا على الشريعة أو ماذا يقدح في الأدلة مِنْ رأي الشافعي وأمثاله من العلماء. وأما نذرُ المُباح فلم يلزم بإجماع الأمة ونص النبي صلّى الله عليه وسلم في الصحيح، وهي شيءٌ جهلْتَه يا هذا العالم، فادرج عن هذه الأغراض، فليس بوكْرٍ إلاَّ لمن أمَّنته معرفةُ أحاديثِ النبيّ صلّى الله عليه وسلم من المكْر، ولم يتكلم برأيه وحده، ولا أعجب بطرق من النظر حصَّلها، ولم يتَمرّس فيها بكتاب الله عز وجلّ ولا بسنةِ رسوله صلّى الله عليه وسلم، فافهمْ هذا، والله يوفقُكم وإيانا بتوفيقه لتوفية عهود الشريعة حقّها. المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى: {أُحِلَّت لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَام}: اختلف فيها على ثلاثة أقوال: الأول: إنه كلّ الأنعام؛ قاله السُّدّي، والربيع، والضحاك. الثاني: إنه الإبل، والبقر، والغنم؛ قاله ابن عباس، والحسن. الثالث: إنه الظباء، والبقر، والْحُمُر الوَحْشيان. المسألة الثالثة عشرة: في المختار: أما من قال: إن النَّعَم هي الإبل والبقر والغنم، فقد علمت صحةََ ذلك دليلاً، وهو أنَّ النَّعم عند بعض أهل اللغة اسم خاصّ للإبل يذكّر ويؤنّث، قاله ابنُ دُرَيْد وغيره. وقد قال الله تعالى: {والأنعامَ خلقَها لكُم فيها دِفْءٌ ومَنَافِعُ ومنها تأكلون. ولكم فيها جمَالٌ حِيْنَ تُرِيحُون وحينَ تَسْرَحُون. وتحملُ أثقالَكم} [النحل: 5، 6، 7]. وقال تعالى: {ومِنَ الأنعامِ حَمُولَةً وفَرْشاَ، كُلُوا مِمَّا رزقكمُ اللهُ ولا تتَّبِعُوا خُطُواتِ الشيطانِ، إنه لكم عدوٌّ مُبِين. ثمانيةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأنِ اثنين ومِنَ المَعْزِ اثنين} [الأنعام: 142]. وقال: {ومِنَ الإبلِ اثنين ومن البقَر اثنين} [الأنعام: 144]. فهذا مرتبط بقوله: ومن الأنعامِ حمولةً وفَرْشاً، أي خلق جنات وخلقَ من الأنعام حمولة وفَرْشاً، يعني كباراً وصغاراً، ثم فسّرها فقال: ثمانيةَ أزواجٍ... إلى قوله: {أم كنتم شهداء إذ وَصَّاكم الله بهذا}. وقال تعالى:{وجعل لكُمْ مِنْ جُلُودِ الأنعامِ بُيوتاً تَستَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكم ويوم إقامَتِكُم، ومِنْ أَصْوَافِها} - وهي الغَنَم - {وأَوْبارِها} - وهي الإبل - {وأشعارِها} - وهـي المِعْـزَى، {أثاثاً ومتاعاً إلى حين} [النحل: 8]. فهذه ثلاثة أدلّة تنبئ عن تضمّن اسم النَّعَم لهذه الأجناس الثلاثة: الإبل والبقر والغنم، لتأنيس ذلك كله، فأما الوحشية فلم أعلمه إلى الآن إلا اتباعاً لأهل اللغة. أما أنه قد قال بعضُ العلماء: إنّ قوله سبحانه: {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْد وَأنْتُمْ حُرُمٌ} يقتضي دخولَ البقَر والحمر والظباء تحت قوله: بَهيمة الأنعام، فصار تقدير الكلام: أُحِلَّتْ لكم بهيمةُ الأنعام إنسيّها ووحشيّها غير مُحلِّي الصَّيْدِ وأنتم حُرُم، أي ما لم تكونوا مُحْرِمين. فإن كان هذا متعلقاً فقد قال: {يا أيُّها الذينَ آمَنُوا لا تقتُلُوا الصَّيْدَ وأنتم حُرُم، ومَنْ قَتَلهُ منكم مُتَعَمِّداً فجزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ من النَّعَم} [المائدة: 95]. فجعل الصيدَ والنعم صنفين. وأيضاً فإن مَنْ أراد أن يُدخل الظباء والبقر والحمر الوحشية فيه ليعمَّ ذلك كله في الإحلال ماذا يصنَعُ بصنف الصَّيْد الطائر كله؟ فالدليلُ الذي أحلّه ولم يدخل في هذه الآية محلّ الظباء والبقر والْحُمُر الوحشية وإن لم يدخل في الآية. وقد ينتهي العِيُّ ببعضهم إلى أن يقول: إنَّ الأنعامَ هي الإبل لنعمة أخفافها في الوَطْءِ، ولا يدخل فيه الحافر ولا الظلْفُ لِجَساوته وتحدّده. ويقال له: إن الأنعام إنما سميت به لما يُتَنَعَّم به من لحومها وأصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين. وبهذه الآية كان يدخل صنف الوحشيّ فيها؛ لأنها ذات أشعار من جهة أنه يتأتّى ذلك فيه حسّاً وإن لم يكن يتناول ذلك منها عُرْفاً. فإن قلنا: إن اللفظَ يحمل على الحقيقة الأصلية، فيدخل في هذا اللفظ في النحل ويتناولها اللفظ في سورة المائدة. وإن قلنا: إن الألفاظ تُحْمَل على الأحوال المعتادة العرفية لم يدخل فيها؛ إذ لا يعتاد ذلك مِنْ أوْبارها. وها هنا انتهى تحقيق ذلك في هذا المختصر. المسألة الرابعة عشرة: قوله تعالى: {إلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ}: قالوا: مِنْ قوله تعالى: {حُرِّمَت عليكم الْمَيْتة} [المائدة: 3] وقيل من قوله: {غَيْرَ مُحلِّي الصَّيْدِ} والصحيحُ أنه من قوله في كل محرَّم في كتاب الله تعالى أو سنة نبيه صلّى الله عليه وسلم. فإن قيل: فقد قال: {إلا ما يُتْلَى عَلَيْكُمْ}. والذي يُتْلَى هو القرآن، ليس السنة. قلنا: كلُّ كتاب يُتْلى، كما قال تعالى: {وما كنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْله من كتاب} [العنكبوت: 48] وكلُّ سنةٍ لرسول الله صلّى الله عليه وسلم فهي من كتابِ الله. والدليلُ عليه أمران: أحدهما: قولُه صلّى الله عليه وسلم في قصة العَسِيف: "لأَقْضِيَنّ بينكما بكتابِ الله، أما غَنمُك وجاريتك فردٌّ عليك، وعلى ابنك جَلْد مائة وتَغرِيبُ عام". وليس هذا في القرآن، ولكنه في كتابِ الله الذي أوحاه إلى رسوله عِلْماً من كتابه المحفوظ عنده. والدليلُ الثاني: في حديث عبدالله بن مسعود؛ قال: "لعن الله الواشِمَاتِ، والمستَوْشِمَاتِ، والمتَنَمِّصَاتِ، والمتفلِّجَات لحُسْن، والمغيِّرات لخَلْق الله". فبلغ ذلك امرأة من بني أَسد يقال لها أم يعقوب، فجاءت فقالت: إنه بلغني أنكَ لعنْتَ كيت وكيت. فقال: ومالي لا أَلعن مَنْ لعنَ رَسول الله صلّى الله عليه وسلم؟ أليس هو في كتابِ الله؟ فقال: لقد قرأتُ ما بين اللَّوْحَيْن فما وجدتُ فيه ما تقول. فقال: لئن كنتِ قرأتيه لقد وجدتيه. أو ما قرأتِ: {وما آتاكم الرسولُ فخُذُوه وما نَهَاكُمْ عنه فانْتَهُوا}؟ [الحشر: 7] قالت: بلى. قال: فإنه قد نهى عنه. قالت: فإني أَرى أهلك يفعلونه. قال: فاذهبي فانْظُري، فذهبت فنظَرَت فلم تر من حاجتها شيئاً. فقال: لو كانت كذلك ما جامعتها. المسألة الخامسة عشرة: يحتمل قوله: إلاّ ما يُتْلى عليكم الآن، أو إلاّ ما يُتْلى عليكم فيما بَعْدُ مِنْ مستقبل الزمان. وفي هذا دليل على جواز تأخير البيان عن وقتٍ لا يُفْتَقرُ فيه إلى تعجيل الحاجة، وهي مسألة أُصولية، وقد بيناها في "المحصول"، ومعناه أن الله سبحانه أباح لنا شيئاً وحرّم علينا شيئاً استثناء منه. فأما الذي أباح لنا فسماه وَبيّنه. وأما الذي استثناه فوعد بذِكْره في حين الإباحة، ثم بيّنه بعد ذلك في وقتٍ واحد أو في أوقات متفرقة على اختلافِ التأويلين المتقدّمين، وكلُّ ذلك تأخير للبيان، والله أعلم. المسألة السادسة عشرة: قوله تعالى: {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ}: فيه ثلاثة أقوال: الأوّل: معناه أوفوا بالعقود غير مُحلِّي الصَّيْدِ. الثاني: أُحلت لكم بهيمةُ الأنعام الوحشية غير مُحلِّي الصيد وأنتم حُرُم. الثالث: أُحِلَّت لكم بهيمةُ الأنعام إلا ما يُتْلَى عليكم إلا ما كان منها و حشياً فإنه صيد لا يحل لكم وأنتم حرم. المسألة السابعة عشرة: في تنقيحها. أما قوله: إن معناه أوفوا بالعقود غير محلي الصيد وأنتم حُرُم فاختاره الطبري والأخفش، وقالا: فيه تقديم وتأخير، وهو جائز في نظام الكلام وإعرابه؛ وهذا فاسد؛ إذ لا خلاف أن الاستثناء إذا كان باسم الفاعل فإنه حال؛ فيكون تقدير الآية: "أوفوا بالعقود لا محلّين للصيد في إحرامكم". ونَكْثُ العهد ونَقْض العقد محرم، والأمرُ بالوفاء مستمر في هذه الحال وفي كل حال. ولو اختص الوفاء بها في هذه الحال لكان ما عداها بخلاف على رأي القائلين بدليل الخطاب. وذلك باطل أو يكون مسكوتاً عنه. وإنما ذكر الأقل من أحوال الوفاء وهو مأمورٌ به في كل حال، وهذا تهجين للكلام وتحقيرٌ للوفاء بالعقود. وأما من قال: أحِلَّتْ لكم الوحشية، فهو خطأ من وجهين: أحدهما: أن فيه تخصيص بعض المحللات، و هو تخصيص للعموم بغير دليل لا سيما عموم متفق عليه. والثاني: أنه حملُ للفظ بهيمة الأنعام على الوحشية دون الإنْسية، وذلك تفسير للّفظِ بالمعنى التابع لمعانيه المختلف منها فيه. وأما من قال: معناه أحِلَّتْ لكم بهيمة الأنعام إلا ما يُتْلى عليكم إلا ما كان منها وَحْشِياً فإنه صيد، ولا يحلُّ لكم الصيدُ وأنتم حُرُم. وهذا أشبهها معنى، إلا أن نظامَ تقديره ليس بجار على قوانين العربية؛ فإنه أضمر فيه ما لا يحتاجُ إليه، وإنما ينبغي أن يقال؛ تقديره: أحِلَّتْ لكم بهيمةُ الأنعام إلا ما يتلى عليكم، غير محلين صيدها وأنتم حرم؛ فيصبح المعنى، ويقلّ فضول الكلام، ويجري على قانون النحو. وفيها مسألة بديعة؛ وهي: المسألة الثامنة عشرة: [مسألة بديعة، تثنية الاستثناء في الجملة الواحدة]: وهي تثنيةُ الاستثناء في الجملة الواحدة، وهي تردُ على قسمين: أحدهما: أن يتكرر، ويكون الثاني من الأول، كقوله تعالى: {إلاَّ آلَ لوط إنّا لمنجُّوهُمْ أجمعين إلا امرأته} [الحجر: 59، 60]. الثاني: أن يكون جميعاً من الأول، كقوله ها هنا: إلا ما يُتلى عليكم إلا الصيد وأنتم مُحرمون، فقوله: {إلا ما يُتْلَى عليكم} استثناء من بهيمة الأنعام على أحد القولين وأظهرهما، وقوله: إلا الصيد استثناء آخر أيضاً معه. وقد مهدنا ذلك في كتاب "ملجئة المتفقهين إلى معرفة غوامِض النحويين". المسألة التاسعة عشرة: في تمثيل لهذا التقدير من حديث النبيّ صلّى الله عليه وسلم: وذلك ما روي أنَّ أبا قَتادة الحارث بن رِبْعي الأنصاري قال: كنّا مع النبي صلّى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة وهم محرمون وأنا حِلٌّ على فرس لي، فكنت أرقى على الجبال، فبينا أنا كذلك إذ رأيتُ الناس مُشْرفين لشيء، فذهبت لأنظر، فإذا هو حمار وحْشِي، فقلت لهم: ما هذا؟ فقالوا: لا ندري. فقلت: هو حمار وحشي. قالوا: هو ما رأيت. وكنْتُ نسيت سَوْطي. فقلت لهم: ناوِلُوني سَوْطي. فقالوا: لا نُعينك عليه، فنزلْتُ وأخذْتُه ثم صرتُ في أثَره، فلم يكن إلا ذاك حتى عَقَرْتُه؛ فأتيتُ إليهم فقلت: قوموا فاحتملوا. فقالوا: لا نمسّه، فحملتُه حتى جئتُهم به، فأبى بعضهم، وأكل بعضهم. قلت: أنا أستوقفُ لكم النبيَّ صلّى الله عليه وسلم، فأدركته، فحدّثته الحديث، فقال لي: "أبقِيَ معكم منه شيء؟" قلت: نعم. قال: "فكُلوا فهو طعمة أطعمكموها الله". فأحلّ لهم الحمُر مطلقاً إلاَّ ما يتلى عليهم، إلا ما صادوه وهم محرمون منها؛ وما صادَه غيرُهم فهو حلال لهم، فإنما حُرِّم عليهم منه ما وقع إليهم بصيدهم، إلى تفصيلٍ يأتي بيانه إذا صِيدَ لهم، فإن حرم فإنما هو بدليل آخر غير هذه الآية. المسألة الموفية عشرين: مضى في سَرْدِ هذه الأقوال أنّ من الصحابة من قال في جَنِين الناقة أو الشاة أو البقرة أو نحوها: إنها من بهيمة الأنعام المحلَّلة. وللعلماء فيه ثلاثة أقوال: الأول: أنه حلال بكلّ حال، قاله الشافعي. الثاني: أنه حرام بكل حال، إلا أن يذكى؛ قاله أبو حنيفة. الثالث: الفرق بين أن يكون قد استقل ونبت شَعْرُه وبين أن يكون بَضْعة كالكبد والطحال؛ قاله مالك. وتعلق بعضهم بالحديث المشهور: "ذكاةُ الجنين ذكاةُ أمه". ولم يصح عند الأكثر، وصححه الدارقُطْني، واختلفوا في ذكر "ذكاة" الثانية، هل هي برفع التاء فيكون الأول الثاني ولا يفتقر الجنين إلى ذكاة، أو هو بنصب التاء فيكون الأول غير الثاني، ويفتقر إلى الذكاة. وقد مهدناه في الرسالة الملجئة، وبيّنّا في "مسائل الخلاف" أنّ المعوَّل فيه على اعتبار الْجَنين بجزء من أجزائها، أم يُعتبر مستقلاً بنفسه، وقد بينا في كتاب "الإنصاف" الحقَّ فيها، وأنه في مذهبنا باعتبار ذَكاة المستقبل؛ والله أعلم. وسنشير إلى شيء من ذلك في الآية بعدها إن شاء الله. كتاب الشافعي 1) وجوب الإيفاء بالعقود والمعاهدات (أنا) أبو سعيد، نا أبو العباس، أنا الربيع، أنا الشافعى، قال: "جِمَاعُ الوَفاءِ بالنَّذْرِ، والعَهْدِ -: كان بيمينٍ، أو غيرِها. - فى قول اللهِ تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} [5: 1-1]؛ وفى قوله تعالى: { يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} [76: 7-7].". "وقد ذكَر اللهُ (عز وجل) الوفاءَ بالعقودِ: بالأيْمانِ؛ فى غيرِ ايةٍ: من كتابِه؛ منها: قولُه عز وجل: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ}؛ ثم: {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} الآية: [16: 91-92]؛ وقال عز وجل: {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ} [13: 20-20]؛ مع ما ذَكَر به الوفاءَ بالعهدِ." "قال الشافعى: هذا من سَعَةِ لسانِ العربِ الذى خُوطِبَتْ به؛ فظاهرُه عامٌّ على كل عَقْدٍ. ويُشْبِهُ (والله أعلم): أنْ يكونَ اللهُ (تبارك وتعالى) أراد: أنْ يُوفُوا بكل عَقْدٍ -: كان بيمِينٍ، أو غيرِ يمِينٍ. - وكلِّ عَقْدِ نَذْرٍ: إذا كان فى العَقْدَيْن للهِ طاعةٌ، أو لم يكنْ له - فيما أمَرَ بالوفاء منها - معصيةٌ.". كتاب الجصاص 1) المطعومات 2) النذور 3) المواريث (أسباب الميراث) 4) المعاملات (الوفاء بالعقود) 5) تفسير (العقد) 6) العقود (شرطها [الإمكان العقلي]) 7) أصول فقه (الإباحة) 8) الحج (محظورات الإحرام) مطلب: في عقود الجاهلية وعقود الإسلام قوله تعالى: {يَا أَيُّها الّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ} رُوي عن ابن عباس ومجاهد ومطرف والربيع والضحّاك والسدّي وابن جريج والثوري قالوا: "العقود في هذا الموضع أراد بها العهود". وروى معمر عن قتادة قال: "هي عقود الجاهلية الحلف". وروى جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا حِلْفَ في الإِسْلامِ وأمّا حِلْفُ الجَاهِلِيَّةِ فلم يَزِدْهُ الإسْلامُ إلاّ شِدَّةً". وروى ابن عيينة عن عاصم الأحول قال: سمعت أنس بن مالك يقول: حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دارنا؛ فقيل له: قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حلف في الإسلامِ وما كان في الجاهلية فلم يَزِدْهُ الإسلامُ إلاّ شدَّةً" فقال: حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دارنا. قال ابن عيينة: "إنما آخى بين المهاجرين والأنصار". قال أبو بكر: قال الله تعالى: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} [النساء: 33] فلم يختلف المفسرون أنهم في أول الإسلام قد كانوا يتوارثون بالحلف دون النسب وهو معنى قوله: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} [النساء: 33] إلى أن جعل الله ذوي الأرحام أوْلى من الحليف بقوله: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين} [الأنفال: 75]، فقد كان حلف الإسلام على التناصر والتوارث ثابتاً صحيحاً. وأما قوله: "لا حلف في الإسلام" فإنه جائز أن يريد به الحِلْفَ على الوجوه التي كان عليه الحلف في الجاهلية، وكان هذا القول منه بعد نسخ التوارث بالحلف. وقد كان حِلْفُ الجاهلية على وجوه: منها الحلف في التناصر، فيقول أحدهما لصاحبه إذا حالفه: "دمي دمك وهدمي هدمك وترثني وأرثك" فيتعاقدان الحلفَ على أن ينصر كل واحد منهما صاحبه فيدفع عنه ويحميه بحق كان ذلك أو بباطل؛ ومثله لا يجوز في الإسلام لأنه لا يجوز أن يتعاقدا الحلف على أن ينصره على الباطل ولا أن يزوي ميراثه عن ذي أرحامه ويجعله لحليفه؛ فهذا أحد وجوه الحلف الذي لا يجوز مثله في الإسلام. وقد كانوا يتعاقدون الحلف للحماية والدفع، وكانوا يدفعون إلى ضرورة لأنهم كانوا نَشَراً لا سلطان عليهم بنصف المظلوم من الظالم ويمنع القوي عن الضعيف، فكانت الضرورة تؤديهم إلى التحالف فيمتنع به بعضهم من بعض، وكان ذلك معظم ما يراد الحلف من أجله، ومن أجل ذلك كانوا يحتاجون إلى الجوار وهو أن يُجِيرَ الرجل أو الجماعة أو العير على قبيلة ويؤمنهم فلا ينداه مكروه منهم؛ فجائز أن يكون أراد بقوله: "لا حلف في الإسلام" هذا الضرب من الحلف. وقد كانوا يحتاجون إلى الحلف في أول الإسلام لكثرة أعدائهم من سائر المشركين ومن يهود المدينة ومن المنافقين، فلما أعزّ الله الإسلام وكثر أهله وامتنعوا بأنفسهم وظهروا على أعدائهم، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم باستغنائهم عن التحالف لأنهم قد صاروا كلهم يداً واحدة على أعدائهم من الكفار بما أوجب الله عليهم من التناصر والموالاة بقوله تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} [التوبة: 71]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "المُؤْمِنُونَ يَدٌ على مَنْ سِوَاهُمْ"، وقال: "ثَلاثٌ لا يُغَلُّ عليهنَّ قَلْبُ مُؤْمِنٍ: إخْلاصُ العَمَلِ لله، والنَّصِيحَةُ لوُلاةِ الأمْرِ، ولُزُومُ جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ، فإنّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مَنْ وَرَاءَهُمْ". فزال التناصر بالحلف وزال الجوار، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعديّ بن حاتم: "ولَعَلَّكَ أَنْ تَعِيشَ حَتَّى تَرَى المَرْأَةَ تَخْرُجُ مِنَ القَادِسِيَّةِ إلى اليَمَنِ بِغَيْرِ جِوَارٍ"، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا حلف في الإسلام". وأما قوله: "وما كان من حلف في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة" فإنما يعني به الوفاء بالعهد مما هو مجوّز في العقول مستحسن فيها، نحو الحلف الذي عقده الزبير بن عبدالمطلب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أحِبُّ أَنّ لي بحِلْفٍ حَضَرْتُهُ حُمْرَ النَّعَمِ في دَارِ ابْنِ جُدْعَانَ وأني أغدر به: هَاشِمٌ وزُهْرَةُ وتَيْمٌ تَحَالَفُوا أَنْ يَكُونُوا مَعَ المَظْلُومِ مَا بَلَّ بَحْرٌ صُوفَةً، ولو دُعِيتُ إلى مِثْلِهِ في الإِسْلامِ لأَجَبْتُ وهو حِلْفُ الفُضُولِ". وقيل إن الحلف كان على منع المظلوم وعلى التأسّي في المعاش، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه حضر هذا الحلف قبل النبوّة وأنه لو دُعي إلى مثله في الإسلام لأجاب؛ لأن الله تعالى قد أمر المؤمنين بذلك، وهو شيءٌ مستحسنٌ في العقول، بل واجب فيها قبل ورود الشرع؛ فعلمنا أن قوله: "لا حلف في الإسلام" إنما أراد به الذي لا تُجَوِّزُهُ العقول ولا تُبيحه الشريعة. وقد رُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حَضَرْتُ حِلْفَ المُطَيّبِينَ وأنا غُلامٌ، وما أُحِبُّ أنْ أَنْكُثَهُ وأَنَّ لي حُمْرَ النَّعَمِ". وقد كان حلف المطيبين بين قريش على أن يدفعوا عن الحرم من أراد انتهاك حرمته بالقتال فيه. وأما قوله: "وما كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدّة" فهو نحو حلف المطيّبين وحلف الفضول، وكل ما يلزم الوفاء به من المعاقدة دون ما كان منه معصية لا تجوّزه الشريعة. والعَقْدُ في اللغة هو الشَّدُّ، تقول: عقدتُ الحبل، إذا شَدَدْتَهُ. واليمينُ على المستقبل تسمى عَقْداً، قال الله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} [المائدة: 89]؛ والحلف يسمَّى عقداً، قال الله تعالى: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} [النساء: 33]. وقال أبو عبيدة في قوله: {أوْفُوا بالعُقُودِ} قال: "هي العهود والأيمان". ورُوي عن جابر في قوله: {أوْفُوا بالعُقُودِ} قال: "هي عقدة النكاح والبيع والحلف والعهد"، وزاد زيد بن أسلم من قِبَلِهِ: "وعقد الشركة وعقد اليمين". وروى وَكِيعٌ عن موسى بن عبيدة عن أخيه عبدالله بن عبيدة قال: "العقود ستة: عقد الإيمان، وعقد النكاح، وعقدة العهد، وعقدة الشِّرَى والبيع، وعقدة الحلف". وقال أبو بكر: العَقْدُ ما يعقده العاقد على أمْرٍ يفعله هو أن يعقد على غيره فعله على وجه إلزامه إياه؛ لأن العقد إذا كان في أصل اللغة الشدّ ثم نُقل إلى الأيمان والعقود عقود المبايعات ونحوها، فإنما أُريد به إلزامُ الوفاء بما ذكره وإيجابه عليه، وهذا إنما يتناول منه ما كان منتظراً مراعًى في المستقبل من الأوقات، فيسمَّى البيع والنكاح والإجارة وسائر عقود المعاوضات عقوداً لأن كل واحد منهما قد ألزم نفسه التمام عليه والوفاء به، وسُمّي اليمينُ على المستقبل عَقْداً لأن الحالف قد أَلْزَمَ نفسه الوفاء بما حلف عليه من فِعْلٍ أو تَرْكٍ، والشركةُ والمضاربةُ ونحوها تسمَّى أيضاً عقوداً لما وصفنا من اقتضائه الوفاء بما شَرَطَهُ على كل واحد من الربح والعمل لصاحبه وألزمه نفسه، وكذلك العهد والأمان لأن معطيها قد ألزم نفسه الوفاء بها، وكذلك كل شَرْطٍ شَرَطَهُ إنسانٌ على نفسه في شيء يفعله في المستقبل فهو عَقْدٌ، وكذلك النذور وإيجاب القرب وما جرى مجرى ذلك. وما لا تعلق له بمعنى في المستقبل يُنتظر وقوعه وإنما هو على شيء ماضٍ قد وقع فإنه لا يسمَّى عقداً، ألا ترى أن من طلّق امرأته فإنه لا يسمَّى طلاقُهُ عَقْداً؟ ولو قال لها: "إذا دخلت الدار فأنت طالق" كان ذلك عقداً ليمين؟ ولو قال: "والله لقد دخلت الدار أمس" لم يكن عاقداً لشيء؟ ولو قال: "لأدخلنها غداً" كان عاقداً؟ ويدلُّكَ على ذلك أنه لا يصح إيجابه في الماضي ويصحّ في المستقبل لو قال: "عليَّ أن أدخل الدار أمس" كان لغواً من الكلام مستحيلاً، ولو قال: "عليّ أن أدخلها غداً" كان إيجاباً مفعولاً. فالعقد ما يلزم به حكم في المستقبل، واليمين على المستقبل إنما كانت عقداً لأن الحالف قد أكّد على نفسه أن يفعل ما حَلَفَ عليه بذلك، وذلك معدوم في الماضي؛ ألا ترى أن من قال: "والله لأكلمنّ زيداً" فهو مؤكدٌ على نفسه بذلك كلامه؟ وكذلك لو قال: "والله لا كلمتُ زيداً" كان مؤكداً به نفي كلامه ملزماً نفسه به ما حلف عليه من نَفْي أو إثبات؛ فسُمّي من أجل التأكيد الذي في اللفظ عقداً تشبيهاً بعقد الحبل الذي هو بيده والاستيثاق به، ومن أجله كان النذر عقداً ويميناً لأن الناذر ملزم نفسه ما نذره ومؤكد على نفسه أن يفعله أو يتركه. ومتى صُرِفَ الخبر إلى الماضي لم يكن ذلك عقداً كما لا يكون ذلك إيجاباً وإلزاماً ونذراً، وهذا يبين معنى ما ذكرنا من العقد على وجه التأكيد والإلزام. ومما يدل على أن العقد هو ما تعلق بمعنى مستقبل دون الماضي، أن ضد العقْد هو الحَلُّ، ومعلوم أن ما قد وقع لا يُتوهم له حَلٌّ عما وقع عليه بل يستحيل ذلك فيه؛ فلما لم يكن الحَلُّ ضدّاً لما وقع في الماضي عُلم أنه ليس بعَقْدٍ لأنه لو كان عقداً لكان له ضدٌّ من الحلِّ يوصف به كالعقد على المستقبل. مطلب: شرط انعقاد البرّ إمكان البرِّ إمكاناً عقليّاً فإن قيل: قوله: "إن دخلت الدار فأنت طالق" و "أَنت طالق إذا جاء غد" هو عقد ولا يلحقه الانتقاض والفسخ. قيل له: جائز أن لا يقع ذلك بموتها قبل وجود الشرط فهو مما يوصف بضده من الحلّ، ولذلك قال أبو حنيفة فيمن قال: "إن لم أشرب الماء الذي في هذا الكوز فعبدي حرّ" وليس في الكوز ماء، إن يمينه لا تنعقد ولم يكن ذلك عقداً؛ لأنه ليس له نقيض من الحل، ولو قال: "إن لم أصعد السماء فعبدي حرّ" حنث بعد انعقاد يمينه؛ لأن لهذا العقد نقيضاً من الحلِّ، وإن كنا قد علمنا أنه لا يَبَرُّ فيه؛ لأنه عقد اليمين على معنى متوهم معقول، إذ كان صعود السماء معنى متوهماً معقولاً، وكذلك تركه معقول جائز، وشربُ ما ليس بموجود مستحيل توهمه فلم يكن ذلك عقداً. وقد اشتمل قوله تعالى: {يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بالعُقُودِ} على إلزام الوفاء بالعهود والذمم التي نعقدها لأهل الحرب وأهل الذمة والخوارج وغيرهم من سائر الناس، وعلى إلزام الوفاء بالنذور والأيمان؛ وهو نظير قوله تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} [النحل: 91] وقوله تعالى: {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} [البقرة: 40] وعهد الله تعالى أوامره ونواهيه. وقد رُوي عن ابن عباس في قوله تعالى: {أَوْفُوا بِالعُقُودِ} أي بعقود الله فيما حرم وحلل؛ وعن الحسن قال: "يعني عقود الدين". واقتضى أيضاً الوفاء بعقود البياعات والإجارات والنكاحات وجميع ما يتناوله اسم العقود، فمتى اختلفنا في جواز عقد أو فساده وفي صحة نذر ولزومه صحّ الاحتجاج بقوله تعالى: {أَوْفُوا بِالعُقُودِ} لاقتضاء عمومه جواز جميعها من الكفالات والإجارات والبيوع وغيرها. ويجوز الاحتجاج به في جواز الكفالة بالنفس وبالمال وجواز تعلقها على الأخطار؛ لأن الآية لم تفرق بين شيء منها. وقوله صلى الله عليه وسلم: "والمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ" في معنى قول الله تعالى: {أوْفُوا بالعُقُودِ} وهو عمومٌ في إيجاب الوفاء بجميع ما يَشْرُطُ الإنسان على نفسه ما لم تَقُمْ دلالة تخصّصه. مطلب: النذر على ثلاثة أنحاء فإن قيل: هل يجب على كل من عقد على نفسه يميناً أو نذراً أو شرطاً لغيره الوفاءُ بشرطه ويكون عقده لذلك على نفسه يلزمه ما شرطه وأوجبه؟ قيل له: أما النذور فهي على ثلاثة أنحاء: منها نذر قربة، فيصير واجباً بنذره بعد أن كان فِعْلُهُ قربةً غير واجب، لقوله تعالى: {أَوْفُوا بالعُقُودِ}، وقوله تعالى: {أوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} [النحل: 91] وقوله تعالى: {يوفون بالنذر} [الإنسان: 7]، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} [الصف: 3]، وقوله تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون} [التوبة: 75 و 76] فذمّهم على تَرْكِ الوفاء بالمنذور نفسه؛ وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب: "أَوْفِ بنَذْرِكَ" حين نذر أن يعتكف يوماً في الجاهلية، وقوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ نَذَرَ نَذْراً سَمّاهُ فَعَلَيْهِ أن يفي به، ومَنْ نَذَرَ نَذْراً ولم يُسَمّهِ فعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ"؛ فهذا حكم ما كان قربة من المنذور في لزوم الوفاء به بعينه. وقسم آخر: وهو ما كان مباحاً غير قربة، فمتى نَذَرَهُ لا يصير واجباً ولا يلزمه فِعْلُهُ، فإذا أراد به يميناً فعليه كفارةُ يمين إذا لم يفعله، مثل قوله: "لله عليّ أن أكلم زيداً وأدخل هذه الدار وأمشي إلى السوق" فهذه أمور مباحةٌ لا تلزم بالنذر، لأن ما ليس له أصل في القرب لا يصير قربة بالإيجاب، كما أن ما ليس له أصل في الوجوب لا يصير واجباً بالنذر؛ فإن أراد به اليمين كان يميناً وعليه الكفارة إذا حنث. والقسم الثالث: نذر المعصية، نحو أن يقول: "لله عليّ أن أقتل فلاناً أو أشرب الخمر أو أغصب فلاناً ماله"، فهذه أمور هي معاصٍ لله تعالى لا يجوز له الإقدامُ عليها لأجل النذر وهي باقية على ما كانت عليه من الحظر، وهذا يدلّ على ما ذكرنا في إيجاب ما ليس بقربة من المباحات أنها لا تصير واجبة بالنذر، كما أن ما كان محظوراً لا يصير مباحاً ولا واجباً بالنذر وتجب فيه كفارة يمين إذا أراد يميناً وحَنَثَ، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا نَذْرَ في مَعْصِيَةِ الله" وكفارتُه كفارة يمينٍ، فالنذر ينقسم إلى هذه الأنحاء. وأما الإيمان فإنها تُعقد على هذه الأمور من قربة أو مباحٍ أَوْ معصية، فإذا عقدها على قربة لم تَصِرْ واجبةً باليمين، ولكنه يؤمر بالوفاء به فإن لم يَفِ به وَحَنَثَ لزمَتْهُ الكفارةُ؛ وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعبد الله بن عمر: "بَلَغَنِي أنّكَ قُلْتَ والله لأَصُومَنَّ الدَّهْرَ؟" فقال: نعم، قال: "فلا تَفْعَلْ وَلَكِنْ صُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ" فقال: إني أطيق أكثر من ذلك؛ إلى أن ردّه إلى أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، فلم يلزمه صوم الدهر باليمين؛ فدلّ ذلك على أن اليمين لا يلزم بها المحلوف عليه؛ ولذلك قال أصحابنا فيمن قال: "والله لأصومن غداً" ثم لم يصمه: فلا قضاء عليه وعليه كفارة يمين. والقسم الآخر من الأيمان: هو أن يحلف على مُبَاحٍ أن يفعله فلا يلزمه فِعْلُهُ كما لا يلزمه فِعْلُ القُرْبَةِ المحلوف عليها، فإن شاء فعل المحلوف عليه وإن شاء ترك، فإن حنث لَزِمَتْهُ الكفّارةُ. والقسم الثالث: أن يحلف على معصية، فلا يجوز له أن يفعلها بل عليه أن يحنث في يمينه ويُكَفِّرَ عنها، لقوله: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَها خَيْراً مِنْها فَلْيَأْتِ الّذِي هُوَ خَيْرٌ ولْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ"، وقال: "إني لا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَها خَيْراً مِنْها إلاّ فَعَلْتُ الّذي هُوَ خَيْرٌ وكَفَّرْتُ عَنْ يَمِيني"؛ وقال الله تعالى: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم} [النور: 22]، رُوي أنها نزلت في أبي بكر الصديق حين حلف أن لا ينفق على مِسْطَحِ بن أثاثة لما كان منه من الخَوْضِ في أمر عائشة رضي الله عنها، فأمره الله تعالى بالرجوع إلى الإنفاق عليه. قوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} قيل في الأنعام إنها الإبل والبقر والغنم، وقال بعضهم: الإطلاقُ يتناول الإبل وإن كانت منفردة، وتتناول البقر والغنم إذا كانت مع الإِبل، ولا تتناولهما منفردة عن الإبل؛ وقد رُوي عن الحسن القول الأول. وقيل: إن الأنعام تقع على هذه الأصناف الثلاثة وعلى الظباء وبقر الوحش ولا يدخل فيها الحافر، لأنه أخذ من نعومة الوَطْءِ؛ ويدل على هذا القول استثناؤه الصيد منها بقوله في نسق التلاوة: {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأَنْتُمْ حُرُمٌ}. ويدل على أن الحافرَ غيرُ داخلٍ في الأنعام قوله تعالى: {والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون} [النحل: 5] ثم عطف عليه قوله تعالى: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها} [النحل: 8] فلما استأنف ذكرها وعَطَفَها على الأنعام دلّ على أنها ليست منها. وقد رُوي عن ابن عباس أنه قال في جنين البقرة: "إنها بهيمة الأنعام"، وهو كذلك؛ لأن البقرة من الأنعام. وإنما قال: {بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} وإن كانت الأنعام كلها من البهائم؛ لأنه بمنزلة قوله: "أحل لكم البهيمة التي هي الأنعام" فأضاف البهيمة إلى الأنعام وإن كانت هي، كما تقول: نفس الإنسان. مطلب: كل ما أباحه الله تعالى للمؤمنين فهو مباح لغيرهم من سائر المكلفين إلا أن يخص بعضهم دليل ومن الناس من يظن أن هذه الإباحة معقودةٌ بشرط الوفاء بالعقود المذكورة في الآية؛ وليس كذلك، لأنه لم يجعل الوفاء بالعقود شرطاً للإباحة ولا أخرجه مخرج المجازاة، ولكنه وجّه الخطاب إلينا بلفظ الإيمان في قوله تعالى: {يا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بالعُقُودِ}. ولا يوجب ذلك الاقتصار بالإباحة على المؤمنين دون غيرهم، بل الإباحة عامة لجميع المكلفين كفاراً كانوا أو مؤمنين، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} [الأحزاب: 49] وهو حُكْمٌ عام في المؤمنين والكفار مع ورود اللفظ خاصّاً بخطاب المؤمنين. وكذلك كل ما أباحه الله تعالى للمؤمنين فهو مباحٌ لسائر المكلفين، كما أن كل ما أوجبه وفَرَضَهُ فهو فَرْضٌ على جميع المكلفين إلاّ أن يَخُصَّ بَعْضَهُم دليلٌ؛ وكذلك قلنا: إن الكفار مستحقون للعقاب على ترك الشرائع كما يستحقون على ترك الإيمان. فإن قيل: إذا كان ذبح البهائم محظوراً إلا بعد ورود السمع به، فمن لم يعتقد نبوة النبي صلى الله عليه وسلم واستباحته من طريق الشرع فحكمه في حَظْرِهِ عليه باقٍ على الأصل، وقائل هذا القول يقول إنّ ذَبْحَ البهائم محظور على الكفار أهل الكتاب منهم وغيرهم وهم عصاة في ذبحها، وإن كان أكل ما ذبحه أهل الكتاب مباحاً لنا. وزعم هذا القائل أن للملحد أن يأكل بعد الذبح وليس له أن يذبح. وليس هذا عند سائر أهل العلم كذلك؛ لأنه لو كان أهل الكتاب عصاةً بذبحهم لأجل دياناتهم لوجب أن تكون ذبائحهم غير مذكاةٍ، مثل المجوسي لما كان ممنوعاً من الذبح لأجل اعتقاده لم يكن ذبحه ذكاةً، وفي ذلك دليل على أن الكتابي غير عاصٍ في ذبح البهائم وأنه مباح له كَهُوَ لنا. وأما قوله: "إنه إذا لم يعتقد صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم واستباحته من طريق الشرع فحكم حظر الذبح قائم عليه" فليس كذلك؛ لأن اليهود والنصارى قد قامت عليهم حجة السمع بكتب الأنبياء المتقدمين في إباحة ذبح البهائم. وأيضاً فإن ذلك لا يمنع صحة ذكاته؛ لأن رجلاً لو ترك التسمية على الذبيحة عامداً لكان عندنا عاصياً بذلك؛ وكان لمن يعتقد جواز ترك التسمية عليها أن يأكلها، ولم يكن كون الذابح عاصياً مانعاً صحة ذكاته. قوله عز وجل: {إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} رُوي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسدي: {إلا ما يتلى عليكم}: "يعني قوله: حُرمت عليكم الميتة والدم وسائر ما حُرِّم في القرآن". وقال آخرون: "إلا ما يُتلى عليكم من أكل الصيد وأنتم حُرُمٌ". فكأنه قال على هذا التأويل: إلا ما يلتى عليكم في نسق هذا الخطاب. قال أبو بكر: يحتمل قوله: {إلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} مما قد حصل تحريمه، على نحو ما رُوي عن ابن عباس؛ فإذا أُريد به ذلك لم يكن اللفظ مجملاً لأن ما قد حصل تحريمه قبل ذلك هو معلوم، فيكون قوله: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} عموماً في إباحة جميعها إلاّ ما خصّه الآيُ التي فيها تحريم ما حرم منها، وجعل هذه الإباحة مرتبة على آي الحظر وهو قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ}. ويحتمل أن يريد بقوله: {إلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ}: إلا ما يَبِينُ حرمته؛ فيكون مؤذناً بتحريم بعضها علينا في وقت ثان، فلا يسلب ذلك الآية حكم العموم أيضاً. ويحتمل أن يريد أن بعض بهيمة الأنعام محرَّمٌ عليكم الآي تحريماً يَرِدُ بيانه في الثاني، فهذا يوجب إجمال قوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} لاستثنائه بعضها، فهو مجهول المعنى عندنا، فيكون اللفظ مشتملاً على إباحةٍ وحظرٍ على وجه الإجمال، ويكون حكمه موقوفاً على البيان. وأوْلى الأشياء بنا إذا كان في اللفظ احتمالٌ لما وصفنا من الإجمال والعموم حَمْلُه على معنى العموم لإمكان استعماله، فيكون المستثنى منه ما ذكر تحريمه في القرآن من الميتة ونحوها. فإن قيل: قوله تعالى: {إلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} يقتضي تلاوةً مستقبلة لا تلاوةً ماضية، وما قد حصل تحريمه قبل ذلك فقد تُلي علينا فوجب حمله على تلاوة تَرِدُ في الثاني. قيل له: يجوز أن يريد به ما قد تُلي علينا ويُتْلى في الثاني؛ لأن تلاوة القرآن غير مقصورةٍ على حالٍ ماضيةٍ دون مستقبَلَةٍ، بل علينا تلاوته في المستقبل كما تلوناه في الماضي، فتلاوة ما قد نزل قبل ذلك من القرآن ممكنة في المستقبل؛ وتكون حينئذ فائدة هذا الاستثناء إبانةً عن بقاء حكم المحرَّمات قبل ذلك من بهيمة الأنعام وأنه غير منسوخ، ولو أطلق اللفظ من غير استثناء مع تقدم نزول تحريم كثير من بهيمة الأنعام لأوْجَبَ ذلك نَسْخَ التحريم وإباحة الجميع منها. قوله تعالى: {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}. قال أبو بكر: فمن الناس من يحمله على معنى: إلا ما يُتْلَى عليكم من أكل الصيد وأنتم حرم؛ فيكون المستثنى بقوله: {إلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} هو الصيد الذي حرّمه على المُحْرِمِينَ. وهذا تأويل يؤدّي إلى إسقاط حكم الاستثناء الثاني، وهو قوله: {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأَنْتُمْ حُرُمٌ} ويجعله بمنزلة قوله: إلا ما يُتْلى عليكم، وهو تحريم الصيد على المحرم؛ وذلك تعسّفٌ في التأويل. ويوجب ذلك أيضاً أن يكون الاستثناء من إباحة بهيمة الأنعام مقصوراً على الصيد، وقد علمنا أن الميتة من بهيمة الأنعام مستثناة من الإباحة؛ فهذا تأويل لا وجه له. ثم لا يخلو من أن يكون قوله: {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} مستثنىً مما يليه من الاستثناء، فيصير بمنزلة قوله: إلا ما يُتْلَى عليكم إلا محلّي الصيد وأنتم حرم؛ ولو كان كذلك لوجب أن يكون موجباً لإباحة الصيد في الإحرام، لأنه استثناء من المحظور، إذ كان مثل قوله: {إلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} سوى الصيد مما قد بيّن وسيبين تحريمه في الثاني، أو أن يكون معناه: أوفوا بالعقود غير محلّي الصيد وأُحِلَّت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يُتْلَى عليكم.

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

صفحات مهمة:

ثمن الموقع :

ترتيب الموقع:

تابعنا على تويتر:

عدد زوار الموقع:

جميع الحقوق محفوظة

مدونة بلوجر

2016