(سبب نزول الآية) : (المائدة) : (3) -->
مدونة بلوجر  مدونة بلوجر
أخر الأخبار

أخر الأخبار

أخر الأخبار
التسميات
جاري التحميل ...
التسميات

(سبب نزول الآية) : (المائدة) : (3)

 { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ ذٰلِكُمْ فِسْقٌ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ المائدة : 3 ] [ سبب النزول | النسخ في الآية | المواضيع | الفضائل | الاعراب | المعاني | التفسير | الأحكام ] سبب النزول قوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...} الآية. [3]. نزلت هذه الآية يوم الجمعة، وكان يوم عرفة، بعد العصر في حجة الوَدَاع، سنة عشر والنبي صلى الله عليه وسلم [واقف] بعرفات على ناقته العَضْبَاء. أخبرنا عبد الرحمن بن حَمْدَان العَدْل، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر القَطِيعي قال: حدَّثنا عبد الله بن أحمد بن حَنْبَل، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا جعفر بن عَوْن، قال: أخبرني أبو عُمَيْس عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شِهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين إنكم تقرأون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، فقال: فأي آية هي؟ قال: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} فقال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عشية يوم عرفة، في يوم جمعة. رواه البخاري عن الحسن بن صباح، ورواه مسلم عن عَبْد بن حُمَيْد؛ كلاهما عن جَعْفَر بن عَوْن. أخبرنا الحاكم أبو عبد الرحمن الشَّاذِيَاخِي، قال: أخبرنا زاهر بن أحمد، قال: أخبرنا الحسين بن محمد بن مُصْعَب، قال: حدَّثنا يحيى بن حَكِيم، قال: حدَّثنا أبو قُتَيْبَة، قال: حدَّثنا حمَّاد، عن عمّار بن أبي عمّار، قال: قرأ ابن عباس هذه الآية ومعه يهودي: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً} فقال اليهودي: لو نزلت هذه [الآية] علينا في يوم لاتخذناه عيداً، فقال ابن عباس: فإنها نزلت في عيدين اتفقا في يوم واحدٍ: يوم جمعة وافَقَ ذلك يوم عرفة. رأس الصفحة النسخ في الآية لم يرد في المرجع ناسخ ومنسوخ للآية رقم ( 3 ) من سورة ( المائدة ) رأس الصفحة المواضيع الواردة في الآية الموضوع العنوان أسماء اللَه الحسنى الرحيم أسماء اللَه الحسنى الغفور الأزلام --- الإسلام --- الخنزير --- الدِّين --- الذَّبح --- السَّبع --- الميتة و الدم --- رحمة اللَّه --- الله جلّ جلاله الرحمن، الرحيم، الرءوف، الغفور خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم سمات المجتمع الجاهلي قبل [خاتم الأنبياء والرسل] الاثم من لا إثم عليه [المضطر غير الباغي] الاكل ما حرم أكله فهو الخبيث الخشية لله وحده تكون الخشية المخمصة اعتبارها حالة اضطرار تبيح المحظور الخنزير تحريمه على المسلمين الدّم تحريم أكله الدين [الإسلام] الدين عند الله الإسلام الدين [الإسلام] الدين يسر الدين [الإسلام] الدين الكامل هو الإسلام الذبح تحريم ما أكل السبع إلا بعد التزكية الذبح تحريم ما ذبح على النصب المتردّية تحريم أكلها إذا لم تدرك بتذكية الأزلام النهي عن الاستقسام بها لأنها فسق الاسلام الدين عند الله هو الإسلام الضرورة عذر شرعي يحل معه ما يحرم الطعام الطعام المحرم الفسق الخروج عن أمر الله الكفر التحذير من طاعة الكفار الموت تحريم أكل الميتة النُّصُب حرمة الأكل مما ذبح عليها النطيحة إحدى ما حرم أكله النعمة نعم الله على المؤمنين الأنعام ما لا يحل أكله منها الناس لا يخشى الناس من يخشى الله الناس الناس كلهم مطالبون بالإسلام الموقوذة بعض ما حرم أكله رأس الصفحة فضائل السورة لم يتم ادخال فضائل سورة ( المائدة ) رأس الصفحة الإعراب {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ..} [3] اسم ما لم يسمَّ فاعله وما بعدهُ عطف عليه، ويجوز فيما بعده النصب بمعنى وحَرّمَ اللهُ عليكم الدمَ، والأصل في دم فَعَلٌ يدلّ على ذلك قول الشاعر: * جَرَى الدمَيَانِ بالخبر اليَقِينِ * وهو من دمِي يَدْمَى مثل: حَذِرَ يَحْذرُ، وقيل: وزنُهُ فَعْلٌ باسكان العين. {وَٱلنَّطِيحَةُ} بالهاء وإن كانت مصروفة عن مفعولة لأنه لم يتقدمها اسم. وكذا يقول: خَضِيبَةٌ فإِن [ذَكَرتَ مُؤنّثاً] قلتَ: رأيتُ كَفّاً خضيباً هذا قول الفراء، والبصريون يقولون: جُعِلت اسماً فَحُذِفَتْ منها الهاء كالذبيحة، وقيل: هي بمعنى ناطحة قال الفراء: أهل نجد يقولون "ٱلسَّبْعُ" فيحذفون الضمة {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} في موضع نصب بالاستثناء {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ} وحقيقته في اللغة تستدعوا القَسْمَ بالقِدَاح. قال الأخفش وأبو عبيدة: واحد الأزلام زُلَمٌ وزَلَمٌ {ذٰلِكُمْ فِسْقٌ} ابتداء وخبر {ٱلْيَوْمَ} ظرف والعامل فيه يَئِس والتقدير اليوم يَئِسَ الذينَ كَفرُوا من تغيير دينكم وردّكم عنه لَما رأوا من استبصاركم بصحَّتِهِ واغتباطكم به {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} فدلّ بهذا على أن الإيمان والإسلام /58/ ب أشياء كثيرة، وهذا خلاف قول المرجئة. {فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ} "مَنْ" في موضع رفع بالابتداء، والتقدير فإِنّ الله له غفور رحيم ثم حذف له وأنشد سيبويه: قَدْ أصبَحَتْ أمُّ الخيَار تَدَّعى * عليّ ذَنباً كُلُّهُ لم أصْنَعِ "ٱضْطُرَّ" في موضع جزم بالشرط إلاّ أنه فعل ماض لا يعمل فيه عامل، ويجوز كسر النون وضمُّها، وقرأ ابن مُحَيْصِن {فمن اطّرَّ} وهو لَحْنٌ لأن الضاد فيها تَفَشٍ فلا تُدغَمُ في شيء {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ} على الحال وإن شئت كسر النون في "فَمَنْ" على أصل التقاء الساكنين. رأس الصفحة المعاني كتاب النحاس وقوله جل وعز {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ} [آية 3]. يقال: مَيْتَةٌ ومَيِّيَةٌ بمعنى واحد، هذا قول من يوثق به من أهلُ اللغة. وقيل: الميِّتَةُ ما لم تمت بعد، والمْيتَة التي قد ماتت. ورُوي أنهم كانوا يجعلون الدم في المباعر ثم يشوونها ويأكلونها، فحرَّم الله جلَّ وعز الدم المسفوح، وهو المصبوب. ثم قال جل وعز: {وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} [آية 3]. أي ذبح لغير الله، وذَكَرَ عليه غير اسمه. وأصلُ الإِهلال: الصوتُ، ومنه سُمِّي الإِهلالُ بالحج، وهو الصوتُ بالتلبية، وإيجابِ الحج، ومنه استهلالُ المولود، ومنه أهلَّ الهلالُ، لأن الناس إذا رأوه أومأوا إليه بأصواتهم. ثم قال جل وعز: {وَٱلْمُنْخَنِقَةُ} [آية 3]. قال قتادة: هي التي تموت في خناقها. ثم قال جل وعز: {وَٱلْمَوْقُوذَةُ} [آية 3]. قال الضحاك: كانوا يأخذون الشاه أو غيرها من البهائم فيضربونها عند آلهتهم حتى تموت ثم يأكلونها. ويُقال: وَقَذَهُ، وأَقَذَهُ، فهو مَوْقَوْذ ومُوقَذ، إذا ضربه حتى يشفى على الهلاك، ومنه قيل: فلانٌ وقيذ. ثم قال جلَّ وعز {وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ} [آية 3]. قال الضحاك: المترديةُ: أن تتردى في ركيّةٍ أو من جبل، ويقال: تردى إذا سقط، ومنه {وَمَا يُغْني عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى}؟. والنطيحةُ: المنطوحةُ. ثم قال جل وعز: {وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ} [آية 3]. أي ما افترسه فأكل بعضه. وقرأ الحسن: السَّبْعُ، وهو مُسَكَّن استثقالاً للضمة. ثم قال جل وعز: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} [آية 3]. والتذكية: أن تشخُبَ الأوداج دماً، ويضطرب اضطراب المذبوح. وأصلُ التذكيةِ في اللغة: التمامُ، وقال زهير: يُفضِّلُهُ إذَا اجتَهَدَا عَلَيهِ * تَمَامُ السِنِّ منهُ والذَّكَاءُ ومنه لفلان ذكاء أي هو تام الفهم، وذكيتُ النار: أي أتممت إيقادها. وذكَّيْتُ الذبيحة: أتممت ذبحها على ما يجب. ثم قال جل وعز: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ} [آية 3]. وقرأ طلحةُ (عَلَى النُّصْبِ). قال مجاهد: هي حجارة كانت حوالي مكة يذبحون عليها، وربما استبدلوا منها. ويجوز أن يكون جمع نصاب. ثم قال جل وعز: {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ} [آية 3]. قال قتادة: كان أحدهم إذا أراد أن يخرج، كتب على قدح يعني السهم "تأمرني بالخروج" وعلى الآخر "لا تأمرني بالخروج" وجعل بينهما سهماً منيحاً لم يكتب عليه شيئاً، فيُجِيلُها فإن خرج الذي عليه تأمرني بالخروج خرج، وإن خرج الذي عليه لا تأمرني بالخروج لم يخرج، وإن خرج المنيح رجع فأجالها. وإنما قيل لهذا الفعل استقسامٌ، لأنهم كانوا يستقسمون به الرزق وما يريدون، كما يقال الاستسقاء في الاستدعاء للسقي. ونظير هذا الذي حرمه الله قول المنجِّم: لا تخرج من أجل نجم كذا، أو اخرج من أجل نجم كذا. وقال جل وعز: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}. قال أبو جعفر: وذكر محمد بن جرير أن ابن وكيع حدثهم عن أبيه عن شريك عن أبي حصين عن سعيد بن جبير أن الأزلام حصى بيضٌ كانوا يضربون بها. قال محمد بن جرير: قال لنا سفيان بن وكيع هي الشطرنج ثم قال جل وعز: {ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ} [آية 3]. والفسقُ: الخروج، أي الخروج من الحلال إلى الحرام. وقوله جل وعز: {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ} [آية 3]. قال ابن عباس: {يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ}. المعنى: يئس الذين كفروا أن تعود الجاهلية. وقال ورقاء: المعنى: ألآن يئس الذين كفروا من دينكم. وهذا معروف عند أهل اللغة كما تقول: أنا اليوم قد كبرتُ عن هذا. وقوله جل وعز {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [آية 3]. رُوي أن أناساً من اليهود قالوا: لو نزلت هذه الآية علينا، لاتَّخذنا ذلك اليوم عيداً، فقال عمر رضي الله عنه: نزلت في يوم جمعة، يوم عرفة. وفي معنى الآية قولان: أحدهما: الآن أكملت لكم دينكم، بأن أهلكتُ عدوَّكم، وأظهرتُ دينكم على الدِّينِ كلِّه، كما تقول: قد تمَّ لنا ما نريد، إذا كفيتَ عَدوَّك. ويجوز أن يكون المعنى: اليوم أكملت لكم دينكم فوق ما تحتاجون إليه من الحلال والحرام في أمر دينكم. ورَوَى إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة أنه قال: في المائدة ثماني عشرة فريضة ليست في غيرها "تحريم الميتة، والدم، ولحم الخنـزير، وما أُهِلَّ لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذةُ، والمترديةُ، والنطيحةُ، وما أكل السبع، وما ذبح على النصب، والاستقسام بالأزلام، وتحليلُ طعام الذين أوتوا، والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب، والجوارح مكلبين، وتمام الطَّهور {إذا قُمْتُم إِلى الصَّلاَةِ فَاْغسِلُوا وُجُوهَكُمْ} وقوله تعالى {والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} وقوله تعالى {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ، وَلا سَائِبَةٍ، وَلاَ وَصِيلَةٍ، وَلاَ حَامٍ}". ويُروى أنها آخر سورة أنزلت. وقوله جلَّ وعزَّ: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ} [آية 3]. المخمصةُ: ضُمُورُ البطنِ من الجوعِ. ثم قال جل وعز: {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} [آية 3]. قال قتادة: الإِثم: ها هنا أن تأكل منها فوق الشبع. ثم قال جل وعز: {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آية 3]. أي رَحِمَكم فأباح لكم هذه الأشياء عند الضرورة. كتاب الفراء وقوله: {وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ...(3)} {وَمَآ}: فى موضع رفع بما لم يسمّ فاعله. {وَٱلْمُنْخَنِقَةُ}: ما اختنقت فماتت ولم تُدرَك. {وَٱلْمَوْقُوذَةُ}: المضروبة حتى تموت ولم تُذَكَّ. {وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ}: ما تردّى من فوق جبل أو بئر، فلم تدرَكْ ذكاتُه. {وَٱلنَّطِيحَةُ}: مانُطِحت حتى الموت. كل ذلك محرّم إذا لم تُدرك ذكاته. وقوله: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} نصب ورفع. {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ}: ذبح للأوثان. و(ما ذبح) فى موضع رفع لا غير. {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ} رَفْع بما لم يسمَّ فاعله. والاستقسام: أنّ سهاما كانت تكون فى الكعبة، فى بعضها: أمرنى ربى، (وفى موضعها: نهانى ربى) فكان أحدهم إذا أراد سفرا أخرج سهمين فأجالهما، فإن خرج الذى فيه (أمرنى ربى) خرج. وإن خرج الذى فيه (نهانى ربى) قعد وأمسك عن الخروج. قال الله تبارك وتعالى: {ذٰلِكُمْ فِسْقٌ ٱلْيَوْمَ} والكلام منقطع عند الفسق، و {ٱلْيَوْمَ} منصوب بـ (يئِس) لا بالفسق. {اليومَ أُحِلَّ لَكُمُ الطّيِّباتُ} نصب (اليوم) بـ (أُحِلّ). وقوله: {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ } مثل قوله {غير محلّى الصيد} يقول: غير معتمد لإثم. نصبت (غير) لأنها حال لـ (مَنْ)، وهى خارجة من الاسم الذى فى (اضطرّ). كتاب الأخفش وقال {وَٱلْمَوْقُوذَةُ} من (وُقِذَتْ) فـ"هِيَ مَوْقُوذَةٌ". {وَٱلنَّطِيحَةُ} فيها الهاء لأنها جعلت كالاسم مثل "أَكِيلَةِ الأَسَدِ". وانما تقول: "هِيَ أَكِيلٌ" و"هِيَ نَطِيحٌ" "لأَنَّ كل ما فيه "مَفْعُولَة" فـ"الفَعِيل" فيه بغير الهاء نحو "القَتيِل" و"الصَريع" اذا عنيت المرأة و"هِيَ جَريحٌ" لأَنَكَ تقول "مَجْرُوحَةٌ". وقال {وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ} ولغة يخففون "السَبْع". {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ} وجميعه: "الأنْصاب". {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ} يقول: "وَحُرِّمَ ذلك" وواحدها "زُلَم" و"زَلَمَ". وقال {مَخْمَصَةٍ} تقول: "خَمَصَهُ الجُوع" نحو "المَغْضَبَة" لأنَّه أَرادَ المصدر. [وقال] {يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} مهموزة الياء الثانية وهي من "فَعِل" "يَفْعِل" وكسر الياء الأولى لغة نحو "لِعْبَ" ومنهم من يكسِر اللام والعين ويسكنون العين ويفتحون [101 ب] اللام أيضاً ويكسرونها وكذلك "يئس". وذلك أنَّ "فعل" اذا كان ثانيه احد الحروف الستة كسروا أوله وتركوه على الكسر، كما يقولون ذلك في "فعيل" نحو "شِعير" و "صِهيل". ومنهم من يسكن ويكسر الأولى نحو "رِحْمَهُ اللهُ" فلذلك تقول: "يِئْسَ" تسكر الياء وتسكن الهمزة. وقد قرئت هذه الآية {نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} على تلك اللغة التي يقولون فيها "لِعِبَ". وأُناس يقولون "نَعِمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ" فقد يجوز كسر هذه النون التي في "نَعِمَ" لأن التي بعدها من الحروف الستة كما كسر "لِعِب". وقولهم: "ان العين ساكنة من "نِعِمّا" اذا ادغمت خطأ لأنه لا يجتمع ساكنان. ولكن اذا شئت أخفيته فجعلته بين الادغام والاظهار فيكون في زنة متحرك كما قرئت {إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ} يشمون النون الأولى الرفع. وقال {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} لأَّنَّ الاسلام كان فيه بعض الفرائض فلما فرغ الله مما أراد منه قال {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} {وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأِسْلاَمَ دِيناً} لا على غير هذه الصفة. وقال {فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} كأنه قال: "فإِنَّ اللهُ لَهُ غَفُورٌ رَحِيم". كما تقول: "عبدُ اللهِ ضَرَبْتُ" تريد: ضربته. قال الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الحادي والثمانون بعد المئة]: [102 ء] ثَلاثٌ كُلُّهُنَّ قتلتُ عَمْداً * فَأَخْزَى اللهُ رابعَةً تَعُود وقال الآخر: [من الرجز وهو الشاهد الثاني والثمانون بعد المئة]: قدْ أَصْبَحَتْ أُمُ الخِيارِ تَدَّعي * عَلَيَّ ذَنْباً كُلَّهُ لَمْ أَصْنعِ رأس الصفحة التفسير لقد تم اختيار التفسير الافتراضي للموقع كونك لم تقم بالدخول كمستخدم مسجل سجل هنا * تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري مصنف و مدقق يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: حرّم الله علـيكم أيها الـمؤمنون الـميتة، والـميتة: كلّ ما له نَفْس سائلة من دوابّ البرّ وطيره، مـما أبـاح الله أكلها، وأهلـيها ووحشيِّها، فـارقتها روحها بغير تذكية. وقد قال بعضهم: الـميتة: هو كلّ ما فـارقته الـحياة من دوابّ البرّ وطيره بغير تذكية مـما أحلّ الله أكله. وقد بـينا العلة الـموجبة صحة القول بـما قلنا فـي ذلك فـي كتابنا: كتاب «لطيف القول فـي الأحكام». وأما الدم، فإن الدم الـمسفوح دون ما كان منه غير مسفوح، لأن الله جلّ ثناؤه قال: {قُلْ لا أجِدُ فـيـما أُوحِيَ إلـيَّ مُـحَرَّما علـى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلاَّ أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَماً مَسْفُوحاً أوْ لَـحْمَ خِنْزِيرٍ} فأما ما كان قد صار فـي معنى اللـحم كالكبد والطِّحال، وما كان فـي اللـحم غير منسفح، فإن ذلك غير حرام، لإجماع الـجميع علـى ذلك. وأما قوله: { ولَـحْمُ الـخِنْزِيرِ } فإنه يعنـي: وحرّم علـيكم لـحم الـخنزير، أهلـيه وبرّيه. فـالـميتة والدم مخرجهما فـي الظاهر مخرج عموم، والـمراد منهما الـخصوص وأما لـحم الـخنزير، فإن ظاهره كبـاطنه وبـاطنه كظاهره، حرام جميعه لـم يخصص منه شيء. وأما قوله { ومَا أهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ } فإنه يعنـي: وما ذكر علـيه غير اسم الله. وأصله من استهلال الصبـيّ وذلك إذا صاح حين يسقط من بطن أمه، ومنه إهلال الـمـحرّم بـالـحجّ إذا لَبَّى به، ومنه قول ابن أحمر: يُهلُّ بـالفَرْقَدِ رُكْبـانُها كمَا يُهِلُّ الرَّاكِبُ الـمُعْتَـمِرْ وإنـما عنى بقوله: وَما أُهِلَّ لغيرِ اللّهِ بِهِ }: وما ذُبح للآلهة وللأوثان يسمَّى علـيه غير اسم الله. وبـالذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل، وقد ذكرنا الرواية عمن قال ذلك فـيـما مضى فكرهنا إعادته. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَالـمُنْـخَنِقَةُ }. اختلفت أهل التأويـل فـي صفة الانـخناق الذي عَنَى الله جلّ ثناؤه بقوله { وَالـمُنْـخَنِقَةُ }. فقال بعضهم بـما: حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { وَالـمُنْـخَنِقَةُ } قال: التـي تُدخِـل رأسَها بـين شعبتـين من شجرة، فتـختنق فتـموت. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك، فـي الـمنـخنقة، قال: التـي تـختنق فتـموت. حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة فـي قوله: { وَالـمُنْـخَنِقَةُ } التـي تـموت فـي خِنَاقها. وقال آخرون: هي التـي تُوْثَق فـيقتلها بـالـخناق وثاقها. ذكر من قال ذلك: حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: { وَالـمُنْـخَنِقَةُ } قال: الشاة توثق، فـيقتلها خناقها، فهي حرام. وقال آخرون: بل هي البهيـمة من النَّعمَ، كان الـمشركون يخنقونها حتـى تـموت، فحرّم الله أكلها. ذكر من قال ذلك: حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: { وَالـمُنْـخَنِقَةُ }: التـي تُـخنق فتـموت. حدثنا أنس قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { وَالـمُنْـخَنِقَةُ }: كان أهل الـجاهلـية يخنقون الشاة، حتـى إذا ماتت أكلوها. وأولـى هذه الأقوال بـالصواب، قول من قال: هي التـي تـختنق، إما فـي وِثاقها، وإما بإدخال رأسها فـي الـموضع الذي لا تقدر علـى التـخـلص منه فتـختنق حتـى تـموت. وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب فـي تأويـل ذلك من غيره، لأن الـمنـخنقة: هي الـموصوفة بـالانـخناق دون خنق غيرها لها، ولو كان معنـياً بذلك أنها مفعول بها لقـيـل: والـمخنوقة، حتـى يكون معنى الكلام ما قالوا. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَالـمَوْقُوذَةُ }: يعنـي جلّ ثناؤه بقوله { وَالـمَوْقُوذَةُ }: والـميتة وقـيذاً، يقال منه: وَقَذَه يَقِذُهِ وَقْذاً: إذا ضربه حتـى أشرف علـى الهلاك، ومنه قول الفرزدق: شَغَّارَةً تقِذُ الفَصِيـلَ برِجْلها فَطَّارَةً لِقَوَادِمِ الأبْكارِ وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك: حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: { وَالـمَوْقُوذَةُ } قال: الـموقوذة التـي تضرب بـالـخشب حتـى يقذها فتـموت. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال ثنا سعيد، عن قتادة: { وَالـمَوْقُوذَةُ } كان أهل الـجاهلـية يضربونها بـالعصا، حتـى إذا ماتت أكلوها. حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا روح، قال: ثنا شعبة، عن قتادة فـي قوله: { وَالـمَوْقُوذَةُ } قال: كانوا يضربونها حتـى يقذوها، ثم يأكلوها. حدثنا الـحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: { وَالـمَوْقُوذَةُ } التـي توقذَ فتـموت. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك، قال: { الـمَوْقُوذَةُ }: التـي تضرب حتـى تـموت. حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { وَالـمَوْقُوذَةُ } قال: هي التـي تضرب فتـموت. حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: { وَالـمَوْقُوذَةُ }: كانت الشاة أو غيرها من الأنعام تضرب بـالـخشب لآلهتهم حتـى يقتلوها فـيأكلوها. حدثنا العبـاس بن الولـيد، قال: أخبرنـي عقبة بن علقمة، ثنـي إبراهيـم بن أبـي عبلة، قال: ثني نعيـم بن سلامة، عن أبـي عبد الله الصنابحي، قال: لـيست الـموقوذة إلاَّ فـي مالك، ولـيس فـي الصيد وقـيذ. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { والـمُتَرَدّيَةُ }. يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: وحرّمت علـيكم الـميتة تردّياً من جبل، أو فـي بئر، أو غير ذلك. وتردّيها: رميُها بنفسها من مكان عالٍ مشرف إلـى سفله. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك: حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس: { والـمُتَرَدّيَةُ } قال: التـي تتردّى من الـجبل. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { والـمُتَرَدّيَةُ }: كانت تتردّى فـي البئر فتـموت فـيأكلونها. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا روح، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { والـمُتَرَدّيَةُ } قال: التـي تردّت فِـي البئر. حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ فـي قوله: { والـمُتَرَدّيَةُ } قال: هي التـي تَرَدَّى من الـجبل أو فـي البئر، فتـموت. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك: { والـمُتَرَدّيَةُ }: التـي تَرَدَّى من الـجبل فتـموت. حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: { والـمُتَرَدّيَةُ } قال: التـي تـخرّ فـي ركيّ أو من رأس جبل فتـموت. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَالنَّطِيحَةُ }. يعنـي بقوله { النَّطِيحَةُ }: الشاة التـي تنطحها أخرى فتـموت من النطاح بغير تذكية، فحرم الله جلّ ثناؤه ذلك علـى الـمؤمنـين إن لـم يدركوا ذكاته قبل موته. وأصل النطيحة: الـمنطوحة، صرفت من مفعولة إلـى فعيـلة. فإن قال قائل: وكيف أثبتت الهاء هاء التأنـيث فـيها، وأنت تعلـم أن العرب لا تكاد تثبت الهاء فـي نظائرها إذا صرفوها صرف النطيحة من مفعول إلـى فعيـل، إنـما تقول: لـحية دهين، وعين كحيـل، وكفّ خضيب، ولا يقولون كفّ خضيبة ولا عين كحيـلة؟ قـيـل: قد اختلفت أهل العربـية فـي ذلك، فقال بعض نـحويـي البصرة: أثبتت فـيها الهاء، أعنـي فـي النطيحة، لأنها جعلت كالاسم مثل الطويـلة والطريقة فكأن قائل هذا القول وجه النطيحة إلـى معنى الناطحة. فتأويـل الكلام علـى مذهبه: وحرمت علـيكم الـميتة نطاحا، كأنه عنى: وحرّمت علـيكم الناطحة التـي تـموت من نطاحها. وقال بعض نـحويـي الكوفة: إنـما تـحذف العرب الهاء من الفعيـلة الـمصروفة عن الـمفعول إذا جعلتها صفة لاسم، قد تقدّمها، فتقول: رأينا كفـاً خضيبـاً وعيناً كحيلاً. فأما إذا حذفت الكفّ والعين والاسم الذي يكون فعيـل نعتاً لها واجتزءوا بفعيـل منها، أثبتوا فـيه هاء التأنـيث، لـيعلـم بثبوتها فـيه أنها صفة للـمؤنث دون الـمذكر، فتقول: رأينا كحيـلة وخضيبة وأكيـلة السبع، قالوا: ولذلك أدخـلت الهاء فـي النطيحة، لأنها صفة الـمؤنث، ولو أسقطت منها لـم يُدْر أهي صفة مؤنث أو مذكر. وهذا القول هو أولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب الشائع من أقوال أهل التأويـل، بأن معنى النطيحة: الـمنطوحة. ذكر من قال ذلك: حدثنـي الـمثنى، قال ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابـي عبـاس، قوله: { وَالنَّطيحَة } قال: الشاة تَنْطح الشاة. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أحمد الزُّبـيري، عن قـيس، عن أبـي إسحاق، عن أبـي ميسرة، قال: كان يقرأ: «والـمنطوحة». حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك: { وَالنَّطِيحَةُ }: الشاتان تنتطحان فتـموتان. حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { وَالنَّطِيحَة }: هي التـي تنطحها الغنـم والبقر فتـموت. يقول: هذا حرام، لأن ناساً من العرب كانوا يأكلونه. حدثنا بشر، قال ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { والنَّطِيحَةُ } كان الكبشان ينتطحان، فـيـموت أحدهما، فـيأكلونه. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا روح، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: والنَّطِيحَة الكبشان ينتطحان فـيقتل أحدهما الآخر، فـيأكلونه. حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد،، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: { والنَّطِيحَةُ } قال: الشاة تنطح الشاة فتـموت. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَما أكَلَ السَّبُعُ }. يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: { وَما أكَلَ السَّبُعُ }: وحرّم علـيكم ما أكل السبع غير الـمعلَّـم من الصوائد. وكذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك: حدثنـي الـمثنى، قال ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: { وَما أكَلَ السَّبُعُ } يقول: ما أخذ السبع. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك: { وَما أكَلَ السَّبُعُ } يقول: ما أخذ السبع. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { وَما أكَلَ السَّبُعُ } قال: كان أهل الـجاهلـية إذا قتل السبع شيئاً من هذا أو أكل منه، أكلوا ما بقـي. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أحمد الزبـيري، عن قـيس، عن عطاء بن السائب، عن أبـي الربـيع، عن ابن عبـاس أنه قرأ: { وأكيـلُ السَّبُعِ }. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { إلاَّ ما ذَكَّيْتُـمْ }. يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: { إلاَّ ما ذَكَّيْتُـمْ }: إلاَّ ما طهرتـموه بـالذبح الذي جعله الله طهوراً. ثم اختلفت أهل التأويـل فـيـما استثنى الله بقوله: { إلاَّ ما ذَكَّيْتُـمْ } فقال بعضهم: استثنى من جميع ما سمى الله تـحريـمه، من قوله { وَما أُهِلَّ لغَيْرِ اللّهِ بِهِ والـمُنْـخَنِقَةُ وَالـمَوقُوذَةُ والـمُتَرَدّيَةُ والنَّطِيحَةُ وَما أكَلَ السَّبُعُ }. ذكر من قال ذلك: حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: { إلاَّ ما ذَكَّيْتُـمْ } يقول: ما أدركت ذكاته من هذا كله، يتـحرّك له ذنب أو تطرف له عين، فـاذبح واذكر اسم الله علـيه فهو حلال. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فضيـل، عن أشعث، عن الـحسن: { حُرِّمَتْ عَلَـيْكُمُ الـمَيْتَةُ والدَّمُ ولَـحْمُ الـخِنْزِيرِ وَما أُهلَّ لغيرِ اللّهِ بِهِ والـمُنْـخَنِقَةُ وَالـمَوقُوذَةُ والـمُتَرَدّيَةُ والنَّطيحَة وَما أكَلَ السَّبُعُ إلاَّ ما ذَكَّيْتُـمْ } قال الـحسن: أيّ هذا أدركت ذكاته فذكه وكُلْ. فقلت: يا أبـا سعيد كيف أعرف؟ قال: إذا طَرَفت بعينها أو ضربت بذَنَبها. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { إلاَّ ما ذَكَّيْتُـمْ } قال: فكلّ هذا الذي سماه الله عزّ وجلّ ههنا ما خلا لـحم الـخنزير إذا أدركت منه عيناً تطرف أو ذنبـاً يتـحرّك أو قائمة تركُض، فذكيتَه، فقد أحلّ الله لك ذلك. حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: { إلاَّ ما ذَكَّيْتُـمْ } من هذا كله، فإذا وجدتها تطرف عينها، أو تـحرك أذنها من هذا كله، فهي لك حلال. حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي هشيـم وعبـاد، قالا: أخبرنا حجاج، عن حصين، عن الشعبـي، عن الـحارث، عن علـيّ، قال: إذا أدركت ذكاة الـموقوذة والـمتردية والنطيحة وهي تـحرّك يداً أو رجلاً فكُلْها. حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا معمر، عن إبراهيـم، قال: إذا أكل السبع من الصيد أو الوقـيذة، أو النطيحة أو الـمتردية فأدركت ذكاته، فكُلْ. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مصعب بن سلام التـميـمي، قال: ثنا جعفر بن مـحمد، عن أبـيه، عن علـيّ بن أبـي طالب، قال: إذا ركضت برجلها أو طَرَفت بعينها أو حرّكت ذنبها، فقد أجزأ. حدثنا ابن الـمثنى وابن بشار، قالا: ثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرنـي ابن طاووس، عن أبـيه، قال: إذا ذبحتَ فمصعتْ بذنبها أو تـحرّكت فقدحلت لك. أو قال: فحَسْب. حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج بن الـمنهال، قال: ثنا حماد، عن حميد، عن الـحسن، قال: إذا كانت الـموقوذة تطرف ببصرها، أو تركض برجلها، أو تـمصع بذنبها، فـاذبح وكل. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج، قال: ثنا حماد، عن قتادة، بـمثله. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن ابن جريج، عن أبـي الزبـير، أنه سمع عبـيد بن عمير، يقول: إذا طرفت بعينها، أو مصعت بذنبها، أو تـحرّكت، فقد حلت لك. حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـمان، قال: سمعت الضحاك يقول: كان أهل الـجاهلـية يأكلون هذا، فحرّم الله فـي الإسلام إلا ما ذكي منه، فما أدرك فتـحرّك منه رجل أو ذنب أو طرف فذكي، فهو حلال. حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { حُرّمَتْ عَلَـيْكُمُ الـمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلـحْمُ الـخَنْزِيرِ } وقوله: { وَالـمُنْـخَنِقَةُ وَالـمَوْقُوذَةُ وَالـمُتَرَدّيَةُ والنَّطِيحَةُ }... الآية، { وَما أكَلَ السَّبُعُ إلاَّ ما ذكيَّتْـمْ } هذا كله مـحرّم، إلا ما ذكي من هذا. فتأويـل الآية علـى قول هؤلاء: حرّمت الـموقوذة والـمتردية إن ماتت من التردّي والوقذ والنطح وفَرْس السبع، إلا أن تدركوا ذكاتها، فتدركوها قبل موتها، فتكون حنـيئذٍ حلالاً أكلها.p>> وقال آخرون: هو استثناء من التـحريـم، ولـيس بـاستثناء من الـمـحرّمات التـي ذكرها الله تعالـى فـي قوله: { حُرّمَتْ عَلَـيْكُمُ الـمَيْتَةُ } لأن الـميتة لا ذكاة لها ولا للـخنزير. قالوا: وإنـما معنى الآية: حرّمت علـيكم الـمتـية والدم، وسائر ما سمينا مع ذلك، إلا ما ذكيَّتـم مـما أحله الله لكم بـالتذكية، فإنه لكم حلال. ومـمن قال ذلك جماعة من أهل الـمدينة. ذكر بعض من قال ذلك: حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال مالك: وسئل عن الشاة التـي يخرق جوفها السبع حتـى تـخرج أمعاؤها، فقال مالك: لا أرى أن تذكَّى ولا يؤكل أيّ شيء يذكَّى منها. حدثنـي يونس، عن أشهب، قال: سئل مالك، عن السَّبُع يعدو علـى الكبش، فـيدقّ ظهره، أترى أن يذكَّى قبل أن يـموت فـيؤكل؟ إن كان بلغ السَّحْر، فلا أرى أن يؤكل، وإن كان إنـما أصاب أطرافه، فلا أرى بذلك بأساً. قـيـل له: وثب علـيه فدقّ ظهره؟ قال: لا يعجبنـي أن يؤكل، هذا لا يعيش منه. قـيـل له: فـالذئب يعدو علـى الشاة فـيشقّ بطنها ولا يشقّ الأمعاء؟ قال: إذا شقّ بطنها فلا أرى أن تؤكل. وعلـى هذا القول يجب أن يكون قوله: { إلاَّ ما ذَكَّيْتُـمْ } استثناءً منقطعاً، فـيكون تأويـل الآية: حرّمت علـيكم الـميتة والدم، وسائر ما ذكرنا، ولكن ما ذكَّيتـم من الـحيوانات التـي أحللتها لكم بـالتذكية حلال. وأولـى القولـين فـي ذلك عندنا بـالصواب القول الأوّل، وهو أن قوله: { إلاَّ ما ذكيَّتـم } اسثناء من قوله: { وَما أهِلَّ لغيرِ الله بِهِ والـمُنْـخَنِقَةُ وَالـمَوقُوذَةُ وَالـمُترَدّيَةُ والنَّطِيحَةُ وَما أكَلَ السَّبُعُ } لأن كلّ ذلك مستـحقّ الصفة التـي هو بها قبل حال موته، فـيقال: لـما قرّب الـمشركون لآلهتهم فسموه لهم: هو { ما أهِلَّ لغيرِ اللّهِ بِهِ } بـمعنى: سمي قربـاناً لغير الله. وكذلك الـمنـخنقة: إذا انـخنقت، وإن لـم تـمت فهي منـخنقة، وكذلك سائر ما حرّمه الله جلّ وعزّ بعد قوله: { وَما أُهِلَّ لغيرِ اللّهِ بِهِ } إلا بـالتذكية فإنه يوصف بـالصفة التـي هو بها قبل موته، فحرّمه الله علـى عبـاده إلا بـالتذكية الـمـحللة دون الـموت بـالسبب الذي كان به موصوفـاً. فإذ كان ذلك كذلك، فتأويـل الآية: وحرّم علـيكم ما أهل لغير الله به، والـمنـخنقة، وكذا وكذا وكذا، إلا ما ذكيَّتـم من ذلك ف«ما» إذ كان ذلك تأويـله فـي موضع نصب بـالاستثناء مـما قبلها، وقد يجوز فـيه الرفع. وإذ كان الأمر علـى ما وصفنا، فكلّ ما أدركت ذكاته من طائر أو بهيـمة قبل خروج نفسه ومفـارقة روحه جسده، فحلال أكله إذا كان مـما أحله الله لعبـاده. فإن قال لنا قائل: فإذ كان ذلك معناه عندك، فما وجه تكريره ما كرّر بقوله: { وما أُهِلَّ لغيرِ اللّهِ بِهِ وَالـمُنْـخَنِقَةُ والـمَوْقُوذَةُ وَالـمُتَرَدِّيَةُ } وسائر ما عدّد تـحريـمه فـي هذه الآية، وقد افتتـح الآية بقوله: { حُرّمَتْ عَلَـيْكُمُ الـمَيْتَةُ }؟ وقد علـمت أن قوله: { حُرّمَتْ عَلَـيْكُمُ الـمَيْتَةُ } شامل كل ميتة كان موته حتف أنفه، من علة به من غير جناية أحد علـيه، أو كان موته من ضرب ضارب إياه، أو انـخناق منه أو انتطاح أو فرس سبع؟ وهلاَّ كان قوله إن كان الأمر علـى ما وصفت فـي ذلك من أنه معنيّ بـالتـحريـم فـي كلّ ذلك الـميتة بـالانـخناق والنطاح والوقذ وأكل السبع أو غير ذلك، دون أن يكون معنـياً به تـحريـمه إذا تردّى أو انـخنق، أو فَرَسه السبع، فبلغ ذلك منه ما يعلـم أنه لا يعيش مـما أصابه منه إلا بـالـيسير من الـحياة حُرمَتْ عَلَـيْكُمُ الـمَيْتَةُ مغنـياً من تكرير ما كرّر بقوله { وَما أهِلَّ لغيرِ اللّهِ بِهِ والـمُنْـخَنِقَةُ } وسائر ما ذكر مع ذلك وتعداده ما عدد؟ قيل: وجه تكراره ذلك وإن كان تـحريـم ذلك إذا مات من الأسبـاب التـي هو بها موصوف، وقد تقدم بقوله { حُرّمَتْ عَلَـيْكُمْ الـمَيْتَةُ } أن الذين خوطبوا بهذه الآية لا يعدّون الـميتة من الـحيوان، إلا ما مات من علة عارضة به، غير الانـخناق والتردّي والانتطاح، وفرّس السبع،فإعلمهم اللّه أن حكم ما مات من العلل العارضة وإن العلة الموجبة تحريم الميتة ليست موتها من علة مرض أو أذى كان بها قبل هلاكها، ولكن العلة فـي ذلك أنها لـم يذبحها من أحلَّ ذبـيحته بـالـمعنى الذي أحلها به. كالذي: حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ فـي قوله: { وَالـمُنْـخَنِقَةُ والـمَوْقُوذَةُ وَالـمُتَرَدْيَةُ والنَّطِيحَةُ وَما أكَلَ السَّبُعُ إلاَّ ما ذكَّيْتُـمُ } يقول: هذا حرام، لأن ناساً من العرب كانوا يأكلونه ولا يَعُدّونه ميتاً، إنـما يعدّون الـميت الذي يـموت من الوجع، فحرّمه الله علـيهم، إلا ما ذكروا اسم الله علـيه وأدركوا ذكاته وفـيه الروح. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَمَا ذُبِحَ علـى النُّصُبِ }. يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: { وَما ذُبِحَ علـى النُّصُبِ }: وحرّم علـيكم أيضاً الذي ذبح علـى النصب. فـ«ما» فـي قوله { وَما ذُبِحَ } رفع عطفـاً علـى «ما» التـي فـي قوله: { وَما أكَلَ السَّبُعُ }. والنُّصُب: الأوثان من الـحجارة جماعة أنصاب كانت تـجمع فـي الـموضع من الأرض، فكان الـمشركون يقربون لها، ولـيست بأصنام. وكان ابن جريج يقول فـي صفته ما: حدثنا القاسم: قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج: النُّصُب: لـيست بأصنام، الصنـم يصوّر ويُنقش، وهذه حجارة تنصب ثلثمائة وستون حجراً، منهم من يقول: ثلثمائة منها بـخزاعة. فكانوا إذا ذبحوا، نضحوا الدم علـى ما أقبل من البـيت، وشرّحوا اللـحم وجعلوه علـى الـحجارة، فقال الـمسلـمون: يا رسول الله، كان أهل الـجاهلـية يعظمون البـيت بـالدم، فنـحن أحقّ أن نعظمه فكان النبـيّ صلى الله عليه وسلم لـم يكره ذلك، فأنزل الله: {لَنْ يَنالَ اللّهَ لُـحُومُها وَلا دِماؤها لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ} [الحج: 37]. ومـما يحق قول ابن جريج فـي أن الأنصاب غير الأصنام ما: حدثنا به ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيـينة، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { وَما ذُبِحَ علـى النُّصُبِ } قال: حجارة كان يذبح علـيها أهل الـجاهلـية. حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: { النُّصُبُ } قال: حجارة حول الكعبة، يذبح علـيها أهل الـجاهلـية، ويبدّلونها إن شاءوا بحجارة أعجب إلـيهم منها. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نـجيح، عن مـجاهد، مثله. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { وَما ذُبِحَ علـى النُّصُبِ } والنصب: حجارة كان أهل الـجاهلـية يعبدونها، ويذبحون لها، فنهى الله عن ذلك. حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: { وَما ذَبِحَ علـى النُّصُبِ } يعنـي: أنصاب الـجاهلـية. حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس: { وَما ذُبِحَ علـى النُّصُبِ } والنصب: أنصاب كانوا يذبحون ويهلون علـيها. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبـي بزة، عن مـجاهد، قوله: { وَما ذُبِحَ علـى النُّصُبِ } قال: كان حول الكعبة حجارة كان يذبح علـيها أهل الـجاهلـية ويبدّلونها إذا شاءوا بحجر هو أحبّ إلـيهم منها. حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال:سمعت الضحاك بن مزاحم يقول: الأنصاب حجارة كانوا يهلّون لها، ويذبحون علـيها. حدثنـي يونس، قال: أخبرنا بن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { وَما ذُبِحَ علـى النُّصُبِ } قال: ما ذبح علـى النصب، وما أهل لغير الله به، هو واحد. القول فـي تأويـل قوله: { وأنْ تَسْتَقْسمُوا بـالأزْلام }. يعنـي بقوله: { وأنْ تَسْتَقْسِمُو بـالأزْلامِ }: وأن تطلبوا علـم ما قسم لكم أو لـم يقسم، بـالأزلام. وهو استفعلت من القسم: قسم الرزق والـحاجات. وذلك أن أهل الـجاهلـية كان أحدهم إذا أراد سفراً أو غزوًا أو نـحو ذلك، أجال القِداح، وهي الأزلام، وكانت قداحاً مكتوبـاً علـى بعضها: نهانـي ربـي، وعلـى بعضها: أمرنـي ربـي، فإن خرج القِدح الذي هو مكتوب علـيه: أمرنـي ربـي، مضى لـما أراد من سفر أو غزو أو تزويج وغير ذلك وإن خرج الذي علـيه مكتوب: نهانـي ربـي، كفّ عن الـمضيّ لذلك وأمسك فقـيـل: { وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بـالأزلامِ } لأنهم بفعلهم ذلك كانوا كأنهم يسألون أزلامهم أن يقسمن لهم. ومنه قول الشاعر مفتـخراً بترك الاستقسام بها: ولَـمْ أَقْسِمْ فتَرْبُثنـي القُسُومُ وأما الأزلام، فإن واحدها زَلـم، ويقال زُلَـم، وهي القِداح التـي وصفنا أمرها. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك: حدثنا مـحمد بن بشار وابن وكيع، قالا: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفـيان، عن أبـي حصين، عن سعيد بن جبـير: { وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بـالأزلام } قال: القداح، كانوا إذا أرادوا أن يخرجوا فـي سفر، جعلوا قداحاً للـجلوس والـخروج، فإن وقع الـخروج خرجوا، وإن وقع الـجلوس جلسوا. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن شريك، عن أبـي حصين، عن سعيد بن جبـير: { وأنُ تَسْتَقْسِمُوا بـالأزلامِ } قال: حصى بـيض كانوا يضربون بها. قال أبو جعفر: قال لنا سفـيان بن وكيع: هو الشطرنـج. حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا عبـاد بن راشد البزار، عن الـحسن فـي قوله: { وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بـالأزْلامِ } قال: كانوا إذا أرادوا أمراً أو سفراً، يعمدون إلـى قداح ثلاثة علـى واحد منها مكتوب: أُؤمرنـي، وعلـى الآخر: انهنـي، ويتركون الآخر مـحللاً بـينهما لـيس علـيه شيء. ثم يجيـلونها، فإن خرج الذي علـيه «أُؤمرنـي»، مضوا لأمرهم، وإن خرج الذي علـيه «انهنى» كفّوا، وإن خرج الذي لـيس علـيه شيء أعادوها. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيـينة، عن ابن بـي نـجيح، عن مـجاهد: { وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بـالأزْلامِ } حجارة كانوا يكتبون علـيها يسمونها القداح. حدثني محمد بن عمرو وقال ثنا أبم عاصم قال ثنا عيس عن أبي نجيح عن مجاهد في قول اللّه { بالأزلام } قال القداح يضربون لكل سفر وغزو وتجارة. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم. عن زهير، عن إبراهيـم بن مهاجر، عن مـجاهد: { وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بـالأزْلامِ } قال: كِعاب فـارس التـي يَقْمُرون بها، وسهام العرب. حدثنـي أحمد بن حازم الغفـاري، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا زهير، عن إبراهيـم بن مهاجر، عن مـجاهد: { وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بـالأزْلامِ } قال: سهام العرب وكعاب فـارس والروم كانوا يتقامرون بها. حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: { وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بـالأزْلامِ } قال: كان الرجل إذا أراد أن يخرج مسافراً، كتب فـي قداح: هذا يأمرنـي بـالـمكث، وهذا يأمرنـي بـالـخروج، وجعل معها منـيحاً، شيء لـم يكتب فـيه شيئاً، ثم استقسم بها حين يريد أن يخرج، فإن خرج الذي يأمر بـالـمكث مكث، وإن خرج الذي يأمر بـالـخروج خرج، وإن خرج الآخر أجالها ثانـية حتـى يخرج أحد القِدحين. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بـالأزْلامِ } وكان أهل الـجاهلـية إذا أراد أحدهم خروجاً، أخذ قِدْحاً فقال: هذا يأمر بـالـخروج، فإن خرج فهو مصيب فـي سفره خيراً ويأخذ قدحاً آخر فـيقول: هذا يأمر بـالـمكوث، فلـيس يصيب فـي سفره خيراً والـمنـيح بـينهما. فنهى الله عن ذلك، وقدّم فـيه. حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: { وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بـالأزْلامِ } قال: كانوا يستقسمون بها فـي الأمور. حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال:قال ابن زيد: الأزْلامُ قِداح لهم كان أحدهم إذا أراد شيئاً من تلك الأمور كتب فـي تلك القداح ما أراد، فـيضرب بها، فأيّ قدح خرج وإن كان أبغض تلك، ارتكبه وعمل به. حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بـالأزْلامِ } قال: الأزلام: قِداح كانت فـي الـجاهلـية عند الكهنة، فإذا أراد الرجل أن يسافر أو يتزوّج أو يحدِث أمراً، أتـى الكاهن، فأعطاه شيئاً، فضرب له بها، فإن خرج منها شيء يعجبه أمره ففعل، وإن خرج منها شيء يكرهه نهاه فـانتهى، كما ضرب عبد الـمطلب علـى زمزم وعلـى عبد الله والإبل. حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثـير، قال: سمعنا أن أهل الـجاهلـية كانوا يضربون بـالقداح فـي الظَّعن والإقامة أو الشيء يريدونه، فـيخرج سهم الظعن فـيظعنون، والإقامة فـيقـيـمون. وقال ابن إسحاق فـي الأزلام ما: حدثنـي به ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: كانت هُبَل أعظم أصنام قريش بـمكة، وكانت علـى بئر فـي جوف الكعبة، وكانت تلك البئر هي التـي يجمع فـيها ما يُهدى للكعبة، وكانت عند هُبَل سبعة أقداح، كل قدح منها فـيه كتاب: قدح فـيه «العقل» إذا اختلفوا فـي العقل من يحمله منهم ضربوا بـالقداح السبعة (فإن خرج العقل فعل من خرج حَمْلُه) وقدح فـيه: «نَعَم» للأمر إذا أرادوا يُضرب به، فإن خرج قِدح «نَعَم» عملوا به وقدح فـيه لا، فإذا أرادوا أمراً ضربوا به فـي القداح، فإذا خرج ذلك القدح لـم يفعلوا ذلك الأمر. وقدح فـيه: «منكم». وقدح فـيه: «مُلْصق». وقدح فـيه: «من غيركم». وقدح فـيه: الـمياه، إذا أرادوا أن يحفروا للـماء ضربوا بـالقداح وفـيها ذلك القِدْح، فحيثما خرج عملوا به. وكانوا إذا أرادوا أن يجتبوا غلاماً، أو أن ينكحوا مَنْكحاً، أو أن يدفنوا ميتاً، و يشكوُّا فـي نسب واحد منهم، ذهبوا به إلـى هُبَل، وبـمائة درهم وبجُزور، فأعطوها صاحب القداح الذي يضربها، ثم قرّبوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون، ثم قالوا: يا إلهنا، هذا فلان ابن فلان، قد أردنا به كذا وكذا، فأخرج الـحقّ فـيه ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب، فـيضرب، فإن (خرج علـيه «منكم» كان وسيطاً، وإن) خرج علـيه: «من غيركم»، كان حلـيفـاً، وإن خرج: «مُلْصَق»، كان علـى منزلته منهم، لا نسب له ولا حِلف وإن خرج فـيه شيء سوى هذا مـما يعملون به «نعم» عملوا به وإن خرج: «لا»، أخرَّوه عامَهم ذلك، حتـى يأتوا به مرة أخرى ينتهون فـي أمورهم إلـى ذلك مـما خرجت به القِداح. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: { وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بـالأزْلامِ } يعنـي: القداح، كانوا يستقسمون بها فـي الأمور. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { ذَلِكُمْ فِسْق }. يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: { ذَلِكُمْ }: هذه الأمور التـي ذكرها، وذلك أكل الـميتة والدم ولـحم الـخنزير وسائر ما ذكر فـي هذه الآية مـما حرّم أكله. والاستقسام بـالأزلام. { فِسْقٌ } يعنـي: خروج عن أمر الله وطاعته إلـى ما نهى عنه وزجر، وإلـى معصيته. كما: حدثنـي الـمثنى: قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: { ذَلِكُمْ فِسْقٌ } يعنـي: من أكل من ذلك كله، فهو فسق. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { الـيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ }. يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: { الـيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ }: الآن انقطع طمع الأحزاب وأهل الكفر والـجحود أيها الـمؤمنون من دينكم، يقول: من دينِكم أن تتركوه، فترتدّوا عنه راجعين إلـى الشرك. كما: حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، ن علـيّ، عن ابن عبـاس: قوله: { الـيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ } يعنـي: أن ترجعوا إلـى دينهم أبداً. حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: { الـيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ } قال: أظنّ يئسوا أن ترجعوا عن دينكم. فإن قال قائل: وأيّ يوم هذا الـيوم الذي أخبر الله أن الذين كفروا يئسوا فـيه من دين الـمؤمنـين؟ قـيـل: ذُكر أن ذلك كان يوم عرفة، عام حجّ النبـيّ صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، وذلك بعد دخول العرب فـي الإسلام. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال مـجاهد: { الـيَوْمَ يَئسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ } الـيوم أكملت لكم دينكم هذا حين فعلت. قال ابن جريج: وقال آخرون: ذلك يوم عرفة فـي يوم جمعة لـما نظر النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فلـم ير إلا موحِّداً ولـم ير مشركاً حمد الله، فنزل علـيه جبريـل علـيه السلام: { الـيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ } أن يعودوا كما كانوا. حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { الـيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ } قال: هذا يوم عرفة. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { فَلاَ تَـخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ }. يعنـي بذلك: فلا تـخشوا أيها الـمؤمنون هؤلاء الذين قد يئسوا من دينكم أن ترجعوا عنه من الكفـار، ولا تـخافوهم أن يظهروا علـيكم فـيقهروكم ويردّوكم عن دينكم، { واخْشَوْنِ } يقول: ولكن خافون إن أنتـم خالفتـم أمري واجترأتـم علـى معصيتـي وتعديتـم حدودي، أن أحلّ بكم عقابـي وأنزل بكم عذابـي. كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: { فَلا تَـخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ }: فلا تـخشوهم أن يظهروا علـيكم. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { الـيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ }. اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: { الـيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ }: الـيوم أكملت لكم أيها الـمؤمنون فرائضي علـيكم وحدودي، وأمري إياكم ونهيـي، وحلالـي وحرامي، وتنزيـلـي من ذلك ما أنزلت منه فـي كتابـي، وتبـيانـي ما بـينت لكم منه بوحيـي علـى لسان رسولـي، والأدلة التـي نصبتها لكم علـى جميع ما بكم الـحاجة إلـيه من أمر دينكم، فأتـمـمت لكم جميع ذلك، فلا زيادة فـيه بعد هذا الـيوم. قالوا: وكان ذلك فـي يوم عرفة، عام حجّ النبـيّ صلى الله عليه وسلم حجة الوداع. وقالوا: لـم ينزل علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية شيء من الفرائض ولا تـحلـيـل شيء ولا تـحريـمه، وإن النبـيّ صلى الله عليه وسلم لـم يعش بعد نزول هذه الآية إلا إحدى وثمانـين لـيـلة. ذكر من قال ذلك: حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: { الـيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } وهو الإسلام، قال: أخبر الله نبـيه صلى الله عليه وسلم والـمؤمنـين أنه قد أكمل لهم الإيـمان فلا يحتاجون إلـى زيادة أبداً، وقد أتـمه الله عزّ ذكره فلا ينقصه أبداً، وقد رضيه الله فلا يسخَطُه أبداً. حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: { الـيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } هذا نزل يوم عرفة، فلـم ينزل بعدها حلال ولا حرام، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات، فقالت أسماء بنت عميس: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الـحجة، فبـينـما نـحن نسير إذ تـجلَّـى له جبريـل صلى الله عليه وسلم علـى الراحلة، فلـم تطق الراحلة من ثقل ما علـيها من القرآن، فبركت، فأتـيته فسجيت علـيه برداء كان علـيّ. حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: مكث النبـيّ صلى الله عليه وسلم بعد ما نزلت هذه الآية إحدى وثمانـين لـيـلة، قوله: { الـيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ }. حدثنا سفـيان، قال: ثنا ابن فضيـل، عن هارون بن عنترة، عن أبـيه، قال: لـمَّا نزلت: { الـيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } وذلك يوم الـحجّ الأكبر، بكى عمر، فقال له النبـيّ صلى الله عليه وسلم: «ما يُبْكِيكَ»؟ قال أبكانـي أنا كنا فـي زيادة من ديننا، فأما إذ كمَل فإنه لـم يكمل شيء إلا نقص، فقال: «صَدَقْتَ». حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أحمد بن بشير، عن هارون بن أبـي وكيع، عن أبـيه، فذكر نـحو ذلك. وقال آخرون: معنى ذلك: { الـيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكمْ دِينَكُمْ }: حجكم، فأفردتـم بـالبلد الـحرام تـحجونه أنتـم أيها الـمؤمنون دون الـمشركين لا يخالطكم فـي حجكم مشرك. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن أبـي عتبة، عن أبـيه، عن الـحكم: { الـيَوْم أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } قال: أكمل لهم دينهم أن حجوا ولـم يحجّ معهم مشرك. حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: { الـيَوْمَ أكمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } قال: أخـلص الله لهم دينهم، ونفـى الـمشركين عن البـيت. حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا قـيس، عن أبـي حصين، عن سعيد بن جبـير: { الـيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } قال: تـمام الـحجّ، ونفـي الـمشركين عن البـيت. وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله عزّ وجلّ أخبر نبـيه صلى الله عليه وسلم والـمؤمنـين به، أنه أكمل لهم يوم أنزل هذه الآية علـى نبـيه دينهم، بإفرادهم بـالبلد الـحرام، وإجلائه عنه الـمشركين، حتـى حجه الـمسلـمون دونهم، لا يخالطونهم الـمشركون. فأما الفرائض والأحكام، فإنه قد اختلف فـيها، هل كانت أكملت ذلك الـيوم أم لا؟ فرُوي عن ابن عبـاس والسديّ ما ذكرنا عنهما قبل. ورُوِي عن البراء بن عازب أن آخر آية نزلت من القرآن: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ} [النساء: 186]. ولا يدفع ذو علـم أن الوحي لـم ينقطع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى أن قبض، بل كان الوحي قبل وفـاته أكثر ما كان تتابعا. فإذ كان ذلك كذلك، وكان قوله: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ} [النساء: 186] آخرها نزولاً وكان ذلك من الأحكام والفرائض، كان معلوماً أن معنى قوله: { الـيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } علـى خلاف الوجه الذي تأوّله مَن تأوّله، أعنـي: كمال العبـادات والأحكام والفرائض. فإن قال قائل: فما جعل قول من قال: قد نزل بعد ذلك فرض أولـى من قول من قال: لـم ينزل؟ قـيـل لأن الذي قال لـم ينزل، مخبر أنه لا يعلـم نزول فرض، والنفـي لا يكون شهادة، والشهادة قول من قال: نزل، وغير جائز دفع خبر الصادق فـيـما أمكن أن يكون فـيه صادقاً. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وأتْـمَـمْتُ عَلَـيْكُمْ نِعْمَتِـي }. يعنـي جلّ ثناؤه بذلك: وأتـمـمت نعمتـي أيها الـمؤمنون بإظهاركم علـى عدوّي وعدوّكم من الـمشركين، ونفـيـي إياهم عن بلادكم، وقطعي طمعهم من رجوعكم، وعودكم إلـى ما كنتـم علـيه من الشرك. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك: حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قال: كان الـمشركون والـمسلـمون يحجون جميعاً، فلـما نزلت براءة، فنَفـى الـمشركين عن البـيت، وحجّ الـمسلـمون لا يشاركهم فـي البـيت الـحرام أحد من الـمشركين، فكأنّ ذلك من تـمام النعمة: { وأتْـمَـمْتُ عَلَـيْكُمْ نِعْمَتِـي }. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { الـيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأتْـمَـمْتُ عَلَـيْكُمْ نِعْمَتِـي }... الآية، ذُكِر لنا أن هذه الآية نزلت علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة يوم جمعة، حين نفـى الله الـمشركين عن الـمسجد الـحرام، وأخـلص للـمسلـمين حجهم. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا داود، عن الشعبـيّ، قال: نزلت هذه الآية بعرفـات، حيث هدم منار الـجاهلـية، واضمـحلّ الشرك، ولـم يحُجّ معهم فـي ذلك العام مشرك. حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا داود، عن عامر فـي هذه الآية: { الـيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأتْـمَـمْتُ عَلَـيْكُمْ نِعْمَتِـي } قال: نزلت علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقـف بعرفـات، وقد أطاف به الناس، وتهدّمت منار الـجاهلـية ومناسكهم، واضمـحلّ الشرك، ولـم يطُف حول البـيت عُرْيان، فأنزل الله: { الـيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ }. حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَـية، عن داود، عن الشعبي، بنـحوه. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَرَضيتُ لَكُمْ الإسْلامَ دِيناً }. يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: ورضيت لكم الاستسلام لأمري والانقـياد لطاعتـي، علـى ما شرعت لكم من حدوده وفرائضه ومعالـمه { دِيناً } يعنـي بذلك: طاعة منكم لـي. فإن قال قائل: أَوَ ما كان الله راضياً الإسلام لعبـاده، إلا يوم أنزل هذه الآية؟ قـيـل: لـم يزل الله راضياً لـخـلقه الإسلام ديناً، ولكنه جلّ ثناؤه لـم يزل يصرّف نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه فـي درجات ومراتبه درجة بعد درجة ومرتبة بعد مرتبة وحالاً بعد حال، حتـى أكمل لهم شرائعه ومعالـمه وبلغ بهم أقصى درجاته الإسلام ومراتبه، ثم قال حين أنزل علـيهم هذه الآية: { وَرَضِيْتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً } بـالصفة التـي هو بها الـيوم، والـحال التـي أنتـم علـيها الـيوم منه { دِيناً } فـالزموه ولا تفـارقوه. وكان قتادة يقول فـي ذلك ما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أنه يـمثَّل لأهل كل دين دينهم يوم القـيامة، فأما الإيـمان فـيبشر أصحابه وأهله، ويعدهم فـي الـخير حتـى يجيء الإسلام. فـيقول: ربّ أنت السلام وأنا الإسلام، فـيقول: إياك الـيوم أقبل، وبك الـيوم أجزي. وأحسب أن قتادة وجَّه معنى الإيـمان بهذا الـخبر إلـى معنى التصديق والإقرار بـاللسان، لأن ذلك معنى الإيـمان عند العرب، ووجه معنى الإسلام إلـى استسلام القلب وخضوعه لله بـالتوحيد، وانقـياد الـجسد له بـالطاعة فـيـما أمر ونهى، فلذلك قـيـل للإسلام: إياك الـيوم أقبل، وبك الـيوم أجزي. ذكر من قال: نزلت هذه الآية بعرفة فـي حجة الوداع علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم: حدثنا مـحمد بن بشار وابن وكيع، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن قـيس بن مسلـم، عن طارق بن شهاب، قال: قالت الـيهود لعمر: إنكم تقرءون آية لو أنزلت فـينا لاتـخذناها عيداً. فقال عمر: إنـي لأعلـم حين أنزلت، وأين أنزلت، وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت،أنزلت يوم عرفة ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقـف بعرفة. قال سفـيان: وأشكّ، كان يوم الـجمعة أم لا { الـيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأتـمَـمْتُ عَلَـيْكُمْ نَعْمَتِـي وَرَضِيْتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً }. حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبـي، عن قـيس بن مسلـم، عن طارق بن شهاب، قال: قال يهودّي لعمر: لو علـمنا معشر الـيهود حين نزلت هذه الآية: { الـيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكمْ دِينَكُمْ وأتْـمَـمْتُ عَلَـيْكُمْ نِعْمَتِـي وَرَضِيْتُ لَكُمُ الإسْلام دِيناً } لو نعلـم ذلك الـيوم اتـخذنا ذلك الـيوم عيداً. فقال عمر: قد علـمت الـيوم الذي نزلت فـيه والساعة، وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت نزلت لـيـلة الـجمعة ونـحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفـات. لفظ الـحديث لأبـي كريب، وحديث ابن وكيع نـحوه. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جعفر بن عون، عن أبـي العُمَيس، عن قـيس بن مسلـم، عن طارق، عن عمر، نـحوه. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن حماد بن سلـمة، عن عمار مولـى بنـي هاشم، قال: قرأ ابن عبـاس: { الـيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } وعنده رجل من أهل الكتاب، فقال: لو علـمنا أيّ يوم نزلت هذه الآية لاتـخذناه عيداً، فقال ابن عبـاس: فإنها نزلت يوم عرفة يوم جمعة. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا قبـيصة، قال: ثنا حماد بن سلـمة، عن عمار: أن ابن عبـاس قرأ: { الـيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأتْـمَـمْتُ عَلَـيْكُمْ نِعْمتِـي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً } فقال يهودي: لو نزلت هذه الآية علـينا لاتـخذنا يومها عيداً، فقال ابن عبـاس: فإنها نزلت فـي يوم عيدين اثنـين: يوم عيد، ويوم جمعة. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج بن الـمنهال، قال: ثنا حماد، عن عمار بن أبـي عمار، عن ابن عبـاس نـحوه. حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، قال: ثنا رجاء بن أبـي سلـمة، قال: أخبرنا عبـادة بن نسيّ، قال: ثنا أميرنا إسحاق، قال أبو جعفر إسحاق هو ابن حرَشة عن قبـيصة قال: قال كعب: لو أن غير هذه الأمة نزلت علـيهم هذه الآية لنظروا الـيوم الذي أنزلت فـيه علـيهم فـاتـخذوه عيداً يجتـمعون فـيه، فقال عمر: أيّ آية يا كعب؟ فقال: { الـيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } فقال عمر: قد علـمت الـيوم الذي أنزلت فـيه، والـمكان الذي أنزلت فـيه، يوم جمعة، ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن عيسى بن حارثة الأنصاريّ، قال: كنا جلوساً فـي الديوان، فقال لنا نصرانـي: يا أهل الإسلام: لقد نزلت علـيكم آية لو نزلت علـينا لاتـخذنا ذلك الـيوم وتلك الساعة عيداً ما بقـي منا اثنان: «الـيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ». فلـم يجبه أحد منا، فلقـيت مـحمد ابن كعب القرظيّ، فسألته عن ذلك، فقال: ألا رددتـم علـيه؟ فقال: قال عمر بن الـخطاب:أنزلت علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم وهو واقـف علـى الـجبل يوم عرفة، فلا يزال ذلك الـيوم عيداً للـمسلـمين ما بقـي منهم أحد. حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن الـمفضل، قال ثنا داود، عن عامر، قال: أنزلت علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم: { الـيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأتْـمَـمْتُ عَلَـيْكُمْ نِعْمَتِـي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإسْلامَ دِيناً } عشية عرفة وهو فـي الـموقـف. حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، قال: قلت لعامر: إن الـيهود تقول: كيف لـم تـحفظ العرب هذا الـيوم الذي أكمل الله لها دينها فـيه؟ فقال عامر: أو ما حفظته؟ قلت له: فأيّ يوم؟ قال: يوم عرفة، أنزل الله فـي يوم عرفة. حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: بلغنا أنها نزلت يوم عرفة، ووافق يوم الـجمعة. حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن حبـيب، عن ابن أبـي نـجيح، عن عكرمة: أن عمر بن الـخطاب، قال: نزلت سورة الـمائدة يوم عرفة، ووافق يوم الـجمعة. حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيـينة، عن لـيث، عن شهر ابن حوشب، قال: نزلت سورة الـمائدة علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم وهو واقـف بعرفة علـى راحلته، فَتَنَوَّخَتْ لأن يُدق ذراعها. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن لـيث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، قالت: نزلت سورة الـمائدة جميعاً وأنا آخذة بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضبـاء قالت: فكادت من ثقلها أن يدقّ عضُدُ الناقة. حدثنـي أبو عامر إسماعيـل بن عمرو السَّكونـي، قال: ثنا هشام بن عمار، قال: ثنا ابن عياش، قال: ثنا عمرو بن قـيس السكونـي أنه سمع معاوية بن أبـي سفـيان علـى الـمنبر ينتزع بهذه الآية: { الـيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } حتـى ختـمها، فقال: نزلت فـي يوم عرفة، فـي يوم جمعة. وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية، أعنـي قوله: { الـيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } يوم الاثنـين، وقالوا: أنزلت سورة الـمائدة بـالـمدينة. ذكر من قال ذلك: حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: أخبرنا مـحمد بن حرب، قال: ثنا ابن لهيعة، عن خالد بن أبـي عمران، عن حَنَش، عن ابن عبـاس: ولد نبـيكم صلى الله عليه وسلم يوم الاثنـين، وخرج من مكة يوم الاثنـين، ودخـل الـمدينة يوم الاثنـين، وأنزلت سورة الـمائدة يوم الاثنـين { الـيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } ورفع الذكر يوم الاثنـين. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج بن الـمنهال، قال: ثنا همام، عن قتادة، قال: الـمائدة مدنـية. وقال آخرون: نزلت علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي مسيره فـي حجة الوداع. ذكر من قال ذلك: حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس، قال: نزلت سورة الـمائدة علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي الـمسير فـي حجة الوداع، وهو راكب راحلته، فبركت به راحلته من ثقلها. وقال آخرون: لـيس ذلك بـيوم معلوم عند الناس، وإنـما معناه الـيوم الذي أعلـمه أنا دون خـلقـي، أكملت لكم دينكم. ذكر من قال ذلك: حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: { الـيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } يقول: لـيس بـيوم معلوم يعلـمه الناس. وأولـى الأقوال فـي وقت نزول الآية، القول الذي رُوي عن عمر بن الـخطاب أنها نزلت يوم عرفة يوم جمعة، لصحة سنده ووَهْي أسانـيد غيره. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { فَمَنِ اضْطُرَّ فِـي مَخْمَصَةٍ }. يعنـي تعالـى ذكره بقول: { فَمَنِ اضْطُرَّ }: فمن أصابه ضرّ فـي مخمصة، يعنـي فـي مـجاعة، وهي مفعلة مثل الـمَـجْبنة والـمَبْخـلة والـمَنْـجبة، من خَمَصِ البَطْنِ، وهو اضطماره، وأظنه هو فـي هذا الـموضع معنـيّ به اضطماره من الـجوع وشدة السغب، وقد يكون فـي غير هذا الـموضع اضطماراً من غير الـجوع والسغب، ولكن من خِـلْقة، كما قال نابغة بنـي ذبـيان فـي صفة امرأة بخَمَصِ البطن: والبَطْنُ ذو عُكَنٍ خَميصٌ لَـيِّنٌ والنَّـحرُ تَنْفُجُه بثَدْيٍ مُقْعَدِ فمعلوم أنه لـم يرد صفتها بقوله خميص بـالهزال الضرّ من الـجوع، ولكنه أراد وصفها بلطافة طيّ ما علـى الأوراكَ والأفخاذ من جسدها، لأن ذلك مـما يحمد من النساء. ولكن الذي فـي معنى الوصف بـالاضطمار والهزال من الضرّ، من ذلك، قول أعشى بن ثعلبة. تَبـيتُونَ فِـي الـمَشْتـى مِلاءً بطونُكُمْ وجارَاتُكمْ غَرْثَـى يَبِتْنَ خَمائِصَا يعنـي بذلك: يبتن مضطمرات البطون من الـجوع والسَّغَب والضرّ، فمن هذا الـمعنى قوله: فـي مخمصة. وكان بعض نـحويـي البصرة يقول: الـمخمصة: الـمصدر من خَمَصَهُ الـجوع. وكان غيره من أهل العربـية يري أنها اسم للـمصدر ولـيست بـمصدر ولذلك تقع الـمفعلة اسماً فـي الـمصادر للتأنـيث والتذكير. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك: حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: { فَمَنِ اضْطُرَّ فِـي مَخْمَصَةٍ } يعنـي فـي مـجاعة. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { فَمَنِ اضْطُرَّ فِـي مَخْمَصَةٍ } أي فـي مـجاعة. حدثنا الـحسن بن يحيى، (قال: أخبرنا عبد الرزاق) قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله. حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { فَمَنِ اضْطُرَّ فِـي مَخْمَصَةٍ } قال: ذكر الـميتة وما فـيها وأحلها فـي الاضطرار. { فِـي مَخْمَصَةٍ } يقول: فـي مـجاعة. حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول فـي قوله: { فَمَنِ اضْطُرَّ فِـي مَخْمَصَةٍ } قال: الـمخمصة: الـجوع. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { غيرَ مُتَـجانِفٍ لإِثْمٍ }. يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: { فَمَنِ اضْطُرَّ فِـي مَخْمَصَةٍ } إلـى أكل ما حرمت علـيه منكم أيها الـمؤمنون من الـميتة والدم ولـحم الـخنزير وسائر ما حرّمت علـيه بهذه الآية. { غيرَ متَـجانِفٍ لإِثْمٍ } يقول: لا متـجانفـاً لإثم، فلذلك نصب «غيرَ» لـخروجها من الاسم الذي فـي قوله: { فَمَنِ اضْطُرَّ } وهي بـمعنى إلاّ، فنصب بـالـمعنى الذي كان به منصوبـاً الـمتـجانف لو جاء الكلام: إلاّ متـجانفـاً. وأما الـمتـجانف للإثم، فإنه الـمتـمايـل له، الـمنـحرف إلـيه، وهو فـي هذا الـموضع مراد به الـمتعَمَّد له القاصد إلـيه، من جَنَف القوم علـيّ إذا مالوا، وكلّ أعوج فهو أّجنف عند العرب وقد بـينا معنى الـجنف بشواهده فـي قوله: {فَمَنْ خافَ منْ مُوصٍ جَنَفـاً فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً} [البقرة: 182] بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. وأما تـجانف آكل الـميتة فـي أكلها وفـي غيرها مـما حرّم الله أكله علـى الـمؤمنـين بهذه الآية للإثم فـي حال أكله، فهو تعمُّده الأكل لغير دفع الضرورة النازلة به، ولكن لـمعصية الله وخلاف أمره فـيـما أمره به من ترك أكل ذلك. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك: حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: { فَمَنِ اضْطُر فِـي مَخْمَصَةٍ غيرَ مُتَـجانِفٍ لإثْمٍ } يعنـي: إلـى ما حُرِّم مـما سمي فـي صدر هذه الآية: { غيرَ مُتـجانِفٍ لإِثْمٍ } يقول: غير متعمِّد لإثم. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { غيرَ مُتَـجانِفٍ لإِثْمٍ }: غير متعمد لإثم، قال: إلـى حرم الله ما حَرَّم، رخص للـمضطّر إذا كان غير متعمد لإثم أن يأكله من جهد فمن بغى أو عدا أو خرج فـي معصية الله، فإنه مـحرّم علـيه أن يأكله. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { غيرَ مُتَـجانِفٍ لإِثْمٍ }: أي غير معترّض لـمعصية. حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: { غيرَ مُتَـجانِفٍ لإِثْمٍ }: غير متعمد لإثم، غير متعرّض. حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { غيرَ مُتَـجانِفٍ لإِثْمٍ } يقول: غير متعرّض لإثم: أي يبتغي فـيه شهوة، أو يعتدي فـي أكله. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { غيرَ مُتَـجانِفٍ لإِثْمٍ }: لا يأكل ذلك ابتغاء الإثم، ولا جراءة علـيه. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { فإنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيـمٌ }. وفـي هذا الكلام متروك اكتفـي بدلالة ما ذكر علـيه منه، وذلك أن معنى الكلام: فمن اضطرّ فـي مخصمة إلـى ما حرّمت علـيه مـما ذكرت فـي هذه الآية، { غيرَ مُتَـجانِفٍ لإِثْمٍ } فأكله، { فإن الله غَفُور رَحِيـمٌ } ، فترك ذكر: «فأكله». وذكر: «له»، لدلالة سائر ما ذكر من الكلام علـيهما. وأما قوله: { فإنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيـمٌ } فإن معناه: فإن الله لـمن أكل ما حرّمت علـيه بهذه الآية أكله فـي مخمصة، غير متـجانف لإثم، غفور رحيـم، يقول: يستر له عن أكله ما أكل من ذلك بعفوه عن مؤاخذته إياه، وصفحه عنه، وعن عقوبته علـيه { رَحِيـمٌ } يقول: وهو به رفـيق، من رحمته ورفقه به، أبـاح له أكل ما أبـاح له أكله من الـميتة وسائر ما ذكر معها فـي هذه الآية، فـي حال خوفه علـى نفسه، من كَلَب الـجوع وضُرّ الـحاجة العارضة ببدنه. فإن قال قائل: وما الأكل الذي وعد الله الـمضطرّ إلـى الـميتة وسائر الـمـحرّمات معها بهذه الآية غفرانَه إذا أكل منها؟ قـيـل: ما: حدثنـي عبد الأعلـى بن واصل الأسديّ، قال: ثنا مـحمد بن القاسم الأسديّ، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن أبـي واقد اللـيثـي، قال: قلنا يا رسول الله إنا بأرض تصيبنا فـيها مخمصة، فما يصلـح لنا من الـميتة؟ قال: " إذا لَـمْ تَصْطَبِحُوا، أوْ تَغْتَبِقُوا، أوْ تَـحْتَفِئُوا بَقْلاً، فَشأنْكُمْ بِها " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا هشيـم، عن الـخصيب بن زيد التـميـمي، قال: ثنا الـحسن: أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إلـى متـى يحلّ لـي الـحرام؟ قال: فقال: " إلـى أنْ يُرْوَى أهْلُكَ مِنَ اللَّبَنِ، أوْ تَـجِيءَ مِيرَتُهُمْ " حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا خصيب بن زيد التـميـميّ، قال: ثنا الـحسن: أن رجلاً سأل النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله، إلا أنه قال: " أوْ تَـحيا مِيرَتُهُمْ " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي عمر بن عبد الله بن عروة عن جده عروة بن الزبـير، عمن حدثه: أن رجلاً من الأعراب أتـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم يستفتـيه فـي الذي حرم الله علـيه والذي أحلّ له، فقال له النبـيّ صلى الله عليه وسلم: " يَحِلُّ لَكَ الطَّيِّبـاتُ، وَيحْرُمُ عَلَـيْكَ الـخَبـائِثُ، إلاَّ أنْ تَفْتَقِرَ إلـى طَعامٍ لَكَ فَتأكُلَ مِنْهُ حتـى تَسْتَغْنِـيَ عَنْهُ " ، فقال الرجل: وما فقري الذي يُحِلّ لِـي، وما غناي الذي يغنـينـي عن ذلك؟ فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم: " إذَا كُنْتَ تَرْجو نِتاجاً فَتَبَلَّغَ بلُـحُوم ماشِيَتِكَ إلـى نِتاجِكَ، أوْ كُنْتَ تَرْجُو غِنًى تَطْلُبُهُ فَتَبَلَّغ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً، فأطْعِمْ أهْلَكَ مَا بَدَا لَكَ حتـى تَسْتَغْنِـيَ عَنْهُ " فقال الأَعرابـيّ: ما غناي الذي أدعه إذا وجدته؟ فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم: " إذَا أرْوَيْتَ أهْلَكَ غَبُوقاً مِنَ اللَّـيْـلِ فـاجْتَنِبْ ما حَرَّمَ اللّهُ عَلَـيْكَ مِنْ طَعامِ مالِكَ، فإنَّه ميْسُورٌ كُلُّهُ، لَـيْسَ فِـيهِ حَرامٌ " حدثنـي يعقوب ابن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، عن ابن عون، قال: وجدت عند الـحسن كتاب سَمُرة، فقرأته علـيه، وكان فـيه: ويجزي من الاضطرار غَبوق أو صَبوح. حدثنا هناد وأبو هشام الرفـاعيّ، قالا: ثنا يحيى بن أبـي زائدة، عن ابن عون، قال: قرأت فـي كتاب سَمُرة بن جُنْدَب: يكفـي من الاضطرار أو من الضرورة غَبوق أو صَبوح. حدثنـي علـي بن سعيد الكندي وأبو كريب، قالا: ثنا عبد الله بن إدريس، عن هشام بن حسان، عن الـحسن، قال: إذا اضطْر الرجل إلـى الـميتة أكل منها قوته يعنـي: مُسْكَته. حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا ابن مبـارك، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، قال: قال رجل: يا رسول الله إنا بأرض مخمصة، فما يحِل لنا من الـميتة؟ ومتـى تـحلّ لنا الـميتة؟ قال: " إذَا لَـمْ تَصْطَبِحُوا أوْ تَغْتَبِقُوا ولَـمْ تَـحْتَفِئُوا بَقْلاً فَشأْنُكمْ بِها " حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن رجل قد سمي لنا، أن رجلاً قال للنبـيّ صلى الله عليه وسلم: إنا نكون بأرض مخمصة، فمتـى تـحلّ لنا الـميتة؟ قال: " إذَا لَـمْ تَغْتَبِقُوا ولَـمْ تَصْطَبِحُوا ولَـمْ تَـحْتَفِئُوا بَقْلاً فَشأنُكُمْ بِها " قال أبو جعفر: يروى هذا علـى أربعة أوجه: «تـحتفئوا» بـالهمزة، «وتـحتفـيوا» بتـخفـيف الـياء والـحاء، و«تـحتفُّوا» بتشديد الفـاء، و«تَـحْتَفوا» بـالـحاء والتـخفـيف، ويحتـمل الهمز. رأس الصفحة الأحكام كتاب الكيا الهراسي 1) المطعومات 2) العتق قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ المَيْتَةُ} الآية [3]: بيناه من قبل، وكذلك الدم، وكذلك لحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، وكل ذلك شرحناه في سورة البقرة. والمنخنقة كمثل. والموقوذة: المضروبة بالخشب ونحوه حتى تموت، ومنه المقتول بالبندقة، كذلك فسّره ابن عمرو عدي بن حاتم قال: قلت يا رسول الله إني أرمي بالمعراض فأصيب فآكل.؟ فقال: "إذا رميت بالمعراض وذكرت إسم الله تعالى فأصاب فخرق فكل، وإن أصاب بعرضه فلا تأكل". وعن عدي قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد المعراض فقال: "ما أصاب بحده فخرق فكل، وما أصاب بعرضه فقتل فإنه وقيذ فلا تأكل". فجعل ما أصاب بعرضه من غير جراحة موقوذة، وإن لم يكن مقدوراً على ذكاته، وذلك يدل على أن شرط ذكاة الصيد الجراحة وإسالة الدم. لا جرم قال الشافعي في قول: إن أخذ الكلب الصيد فقتله ضغطاً، فإنه لا يحل ما أصاب بعرض المعراض. قوله تعالى: {والمُتَرَدِّيَة}: هي الساقطة من أعلى جبل فتموت. وهذا الإشكال فيه، إن حصل ذلك بغير فعل الآدمي فهو ميتة، وما رداه الواحد منا، فلا يحل أيضاً، فإنه ليس ذكاة شرعية. قوله تعالى: {وما أكل السّبعُ}: يعني وما أكل السبع منه حتى يموت، ومعلوم أن الباقي لم يأكله السبع وهو المحرم، ولكن العرب يسمون ما قتله السبع وأكل منه: أكيلة السبع، فيسمون الباقي منه أكيلة السبع وهو فريسته. فكل ما تقدم ذكره في الآية مما نهى عنه أريد به الموت، فالميتة أصل في التحريم وما عداها، من الموقوذة، والمتردية، وأكيلة السبع ملحقة بها، وإن لم يمت الحيوان حتف أنفه. قوله تعالى: {إلاَّ مَا ذَكّيْتُمْ}. على صورة الاستثناء، ولا يجوز أن يرجع إلى جميع المذكور قبله، لأن الميتة لا يرجع إليها الاستثناء، وكذلك الدم ولحم الخنزير، وإن ذلك لا يجوز أن تلحقه الذكاة، وكذلك قوله: {مَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بهِ}, فإنه محمول على المذبوح على أسماء الأصنام، فلا يقال في مثله: إلا ما ذكيتم، فلا رجوع إلى الاستثناء إلا ما قبل المنخنقة، فبقي ما قيل المنخنقة على حكم العموم، ومن قوله المنخنقة إلى موضع الاستثناء، أمكن رد الاستثناء إليه. فيقال: المنخنقة أو الموقوذة محرمة، إلا ما أدرك زكاته وفيه حياة مستقرة، فإنه يحل بالذكاة. يبقى أن يقال: إنما يباح ما يباح، أو يحرم ما يحرم بعد الموت، فإذا خنق شاة ثم خلاها وفيها حياة مستقرة، ثم ذبحت بعد ذلك، فلا تسمى منخنقة، وإنما تسمى مذكاة، والمنخنقة هي التي تموت بالخنق فقط، فعلى هذا يحتمل أن يقال: إلا ما ذكيتم، استثناء منقطع بمنزلة قوله: لكن ما ذكيتم، كقوله تعالى: {فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌُ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إيمانُها إلاَّ قومَ يونس}. وليس في الكلام المتقدم على الاستثناء ما يقتضي الاستثناء، فإن تقدير الكلام: فهلا كانت القرية آمنت فنفعها ايمانها: أي لينفعها ايمانها عند الله وفي الدنيا، فلا تعلن له بقوم إلا قوم يونس، فإنه ليس رفعاً لشيء مما تقدم، ومعناه: لكن قوم يونس لما آمنوا. وكذلك قوله تعالى: {طَهَ مَا أَنْزَلَنَا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقََى, إلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يخْشَى}. وليس قوله: إلا تذكرة لمن يخشى، رفعاً لشيء من قوله: لتشقى، ولكن معناه: لكن تذكرة لمن يخشى. ومثله قوله تعالى: {إلاَّ الّذِينَ ظَلَمُوا}. على بعض الأقوال، وكذلك قوله: {لا يَخَافَ لَدَي المُرْسَلُونَ إلا مَنْ ظَلَمَ}. ومثله: {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولَى}. ويمكن أن يقال إنه استثنى على بعض الوجوه، وتقديره: حرمنا كل ما قتلتموه، وحرمنا الميتات كلها إلا السمك والجراد، وحرمنا كل دم إلا الكبد والطحال. فعلى هذا التقدير يستقيم الاستثناء، إلا ما زكيتم، مطلق مصروف إلى ما جعل ذكاة شرعاً، وإلا فالعرب لا تفصل في الذكاة بين الموقوذة والمنخنقة، والذكاة بالحديد. ولا تعرف العرب من الذكاة قطع الحلقوم واللثة وحالة خاصة، فظاهر الحال أنه محال على بيان مقدم. قوله تعالى: {وأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ}: إنما ذكره عقيب ما تقدم، ومعنى استقسام: طلب علم ما قسم له بالأزلام، وإلزام انفسهم ما يأمرهم به القداح بقسم اليمين. والاستقسام بالأزلام، أن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا أراد سفراً أو غزواً أو تجارة أوغير ذلك من الحاجات، أجال القداح وهي الأزلام وهي ثلاثة أضرب: منها نهاني ربي. ومنها ما نهاني ربي. ومنها غفل لا كتابة عليه. فإذا خرج الغفل أجال القداح ثانية. وهذا إنما نها الله تعالى عنه فيما يتعلق بأمور الغيب، فإنه لا تدري نفس ما يصيبها غداً، فليس للأزلام في تعريف المغيبات أثر. فاستنبط بعض الجاهلين من هذا الرد على الشافعي في الاقراع بين المماليك في العتق، ولم يعلم هذا الجاهل، أن ما قاله الشافعي بناء على الأخبار الصحيحة، ليس مما يعترض عليه بالنهي عن الاستقسام بالأزلام، فإن العتق حكم شرع، فيجوز أن يجعل الشرع خروج القرعة علماً على حصول العتق قطعاً للخصومة، أو لمصلحة يراها، ولا يساوي ذلك قول القائل: إذا فعلت كذا أو قلت كذا، فذلك يدل في المستقبل على أمر من الأمور، فلا يجوز أن يجعل خروج الاقراع علماً على شيء يتجدد في المستقبل، ويجوز أن يجعل خروج العتق علماً على العتق قطعاً فظهر افتراق البابين. كتاب ابن العربي 1) أصول الفقه (الإستثناء) 2) المطعومات 3) الذبائح 4) المعاملات (الميسر) 5) الآداب (الفأل والزَّجْر) 6) أصول فقه (الحكم) 7) عقيدة (الأزلام) قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوْذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ ذلِكُمْ فِسْقٌ اليومَ يئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُم فلا تَخْشَوهُمْ واخْشَوْنِ؛ اليوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُم دِينَكُم وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُم نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً، فمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإثمٍ فإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الآية:3]. فيها إحدى وعشرون مسألة: المسألة الأولى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ}: فقد تقدم بيانُ ذلك في سورة البقرة. وأما قولُه: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ} فسيأتي في سورة الأنعام إن شاء الله. المسألة الثانية: وهو قوله: {الْمُنْخَنِقَةُ}: فهي التي تُخْنَقُ بحَبْلٍ بقَصْدٍ أو بغير قصد، أو بغير حَبْل. المسألة الثالثة: الْمَوْقُوذة: التي تُقْتَلُ ضَرْباً بالخشب أو بالحجَر، ومنه المقتولة بقوس البُنْدق. المسألة الرابعة: المتردِّية: وهي الساقطة من جَبَل أو بئر. وأما المتندية وهي: المسألة الخامسة: [المتندية]: فيقال: ندت الدابة إذا انفلتت من وثاقٍ فندّت فخرج وراءها فرُميت برمح أو سيف فماتت، فهل يكون رَمْيُها ذكاة أم لا؟ فاختلف العلماءُ في ذلك؛ فذهب بعضهم إلى أنه يكون ذلك ذكاة فيه، وهو اختيارُ الشافعي وابن حبيب. وقال آخرون: لا يذكى به، وهو اختيارُ مالك. وقد روى البخاري وغيره، عن رافع بن خَديج قال: كنا مع النبي صلّى الله عليه وسلم بِذِي الحليفة، وأصاب الناسَ جوعٌ، فأصبنا إبلاً وغنماً، فندَّ منها بعير فطلبوه فلم يقدِرُوا عليه، فأَهْوَى إليه رجلٌ بسهم فحبَسه الله؛ فقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلم: "إن لهذه الإبلِ أوابدَ كأوابدِ الوَحْش، فما نَدَّ عليكم فاصنعو به هكذا". فقال الشافعي وغيره: إن تسليطَ النبيّ صلّى الله عليه وسلم على هذا الفعل دليلٌ على أنه ذكاة له. وقال الآخرون: إنما هو تسليط عى حَبْسه لا على ذكاتِه؛ فإنه مقدورٌ عليه في غالب الأحوال، فلا يراعَى النادر منه، وإنما يكون ذلك في الصيد حسبما يأتي بيانُه إن شاء الله. وقد روى أبو العُشراء، عن أبيه قال: قلت: يا رسولَ الله؛ أمَا تكونُ الذكاةُ إلا في الْحَلْق واللبّة؟ قال:"لو طعنت فَخِذَها لأجزأَ عنك". قال يزيد بن هارون: هذا في الضرورة، وهو حديثٌ صحيح أعجب أحمد بن حنبل، ورواه عن أبي داود، وأشار على مَنْ دخل عليه من الحفَّاظ أنْ يكتبه. المسألة السادسة ـ النَّطِيحة: وهي الشاة تنطحها الأخرى بقرونها. وقرأ أبو ميسرة: المنطوحة، وهي فعيلة بمعنى مفعولة. المسألة السابعة: قوله تعالى: {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ}: وكان أهلُ الجاهلية إذا أكل السبع شاة أكلوا بقيَّتَها؛ قاله ابنُ عباس وقتادة وغيرهما. المسألة الثامنة: قوله تعالى: {إلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ}: فيه ثلاثة أقوال: الأول: أنه استثناء مقطوع عما قبله غير عائد إلى شيء من المذكورات، وذلك مشهور في لسان العرب، يجعلون إلا بمعنى لكن، من ذلـك قولـه: {ومـا كان لمؤمـنٍ أن يقتُل مُؤْمِناً إلاّ خَطَـأً} [النساء: 91]. معناه: لكن إنْ قتله خطأ، وقد تقدم كلامُنا عليه، وأنشد بعضهم لأبي خِراش الهذلي: * أمسى سُقام خلاءً لا أنَيسَ به * إلاّ السباع ومَرّ الريح بالغُرَف * أراد إلا أن يكون به السباع، أو لكن به السباع. وسُقام: وادٍ لهذيل. ومنه قولُ الشاعر: * وبلدة ليس بها أنيس * إلا اليَعافِير وإلاّ العِيس * وقال النابغة: * وقفت بها أصيـلاناً أسائلـها * عيـت جواباً وما بالربع مـن أحد * * إلا الأواري لأياً مـا أبينـها * والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد * ومن أبدعه قول جرير: * مِنَ البِيض لم تَظْعَنْ بَعِيداً ولم تَطَأُ * مِنَ الأرض إلا ذَيْل بُرْد مُرَحّل * كأنه قال: لم تَطَأْ على الأرض إلاّ أنْ تطأَ ذَيْل بُرْد مرحّل. أخبرنا بذلك كله أبو الحسن الطيوري، عن البرمكي، والقَزْويني، عن أبي عمر بن حَيْوَة، عن أبي عمر محمد ابن عبد الواحد، ومن أَصْلِه نقلته. الثاني: أنه استثناء متصل، وهو ظاهر الاستثناء، ولكنه يرجع إلى ما بعد قوله تعالى: وما أُهِلَّ لغير الله به - من الْمُنْخَنِقَة إلى... ما أكله السبع. الثالث: أنه يرجع الاستثناء إلى التحريم لا إلى المحرم، ويبقى على ظاهره. المسألة التاسعة: في المختار: وذلك أنّا نقول: إن الاستثناء المنقطع لا ينكر في اللغة ولا في الشريعة في القرآن ولا في الحديث حسبما أشرنا إليه في سورة النساء، كما أنه لا يخفى أنّ الاستثناء المتصل هو أصلُ اللغة، وجمهورُ الكلام، ولا يرجع إلى المنقطع إلا إذا تعذَّر المتصل. وتعذُّر المتصل يكونُ من وجهين: إما عقلياً و إما شرعياً؛ فتعذُّرُ الاتصال العَقْلي هو ما قدمناه من الأمثلة قبل هذا في الأول. وأما التعذّر الشرعي فكقوله تعالى: {فلولا كانت قَرْيةٌ آمَنَتْ فنفعَها إيمانُها إلا قَوْمَ يُونس} [يونس: 98]. فإنّ قوله: {إلاّ قوم يونس} ليس رفعاً لمتقدم، وإنما هو بمعنى لكن. وقوله: {طه. ما أنزلْنا عليك القرآن لتَشْقى. إلاّ تذكرةً لمن يَخْشى} [طه: 1 - 3]. وقوله: {إنه لا يخافُ لدَيَّ المرسلون. إلاَّ مَنْ ظَلَم} [النمل: 10، 11]. عُدْنا إلى قوله: {إلاّ ما ذَكَّيْتُمْ}، قلنا: فأما الذي يمنَعُ أن يعودَ إلى ما يمكن إعادته إليه، وهو قوله: {الْمُنْخَنِقَة} إلى آخرها، كما قال عليّ رضي الله عنه: "إذا أدركت ذكاة الموقوذة وهي تحرّك يداً أو رِجْلاً فكُلْها"، وبه قال ابن عباس، وزيد ابن ثابت؛ وهو خال عن مانع شرعيّ يردّه، بل قد أحلّه الشرع؛ فقد ثبت أن جاريةً لكعب بن مالك كانت ترْعَى غنماً بالجبَل الذي بالسوق، وهو سَلْع، فأصيبت منها شاةٌ فكَسَرَت حجَراً فذبحتها، فذكروا ذلك للنبي صلّى الله عليه وسلم فأمر بأكْلِها. ورَوَى النسائي، عن زيد بن ثابت: أن ذئباً نَيّب شاة فذبحوها بمَرْوَة، فرخّص النبي صلّى الله عليه وسلم في أكلها. المسألة العاشرة: اختلف قولُ مالك في هذه الأشياء؛ فرُوي عنه أنه لا يؤكل إلا ما كان بذكاة صحيحة. والذي في الموطأ عنه أنه إنْ كان ذبَحها ونَفَسها يجري وهي تَطْرِفُ فليأكلها، وهذا هو الصحيح من قوله الذي كتبه بيده، وقرأه على الناس من كل بلد عُمْرَه، فهو أولى من الروايات الغابرة، لا سيما والذكاةُ عبادةٌ كلفها الله سبحانه عبادة للحكمة التي يأتي بيانُها في سورة الأنعام إن شاء الله تعالى. وهذا هو أحَدُ متعلقات الذكاة، وهو القولُ في الذكاة، وهو يتعلق بأربعة أنواع: المذكِّي، والمذكَّى، والآلة، والتذكية نَفْسُها. فأما المذكَّى فيتعلق القولُ فيه بأنواع المحللات والمحرمات، وسيأتي ذلك في سورة الأنعام إن شاء الله. وأما المذكِّي: وهو الذابحُ فبيانُه فيها إن شاء الله. وأما التذكية نفسها والآلة فهذا موضع ذلك: المسألة الحادية عشرة: في التذكية: وهي في اللغة عبارة عن التمام، ومنه ذُكاء السنّ، ويقال: ذكيت النار إذا أتممت اشتعالها، فقال بعضهم: لا بد أن تبقى في المذَكّاة بقية تشخب معها الأوْداج ويضطرب اضطرابَ المذبوح. وقد تقدم قوله في الحديث المتقدم الذي صرح فيه بأنّ الشاة أدركها الموتُ، وهذا يمنع من شخب أوداجها، وإنما أصاب الغرض مالك ف يقوله: إذا ذبحها ونَفَسها تَجْري وهي تضطرب - إشارة إلى أنها وجد فيها قَتْل صار باسم الله المذكور عليها ذكاة، أي تمام يُحلّها وتطهيرٌ لها، كما جاء في الحديث في الأرض النجسة: " ذكاةُ الأر يُبسها". وهي في الشرع عبارة عن إنهارِ الدم، وفَرْي الأوداج في المذبوح، والنَّحر في المنحور، والعَقْر في غير المقدور عليه كما تقدّم؛ مقروناً ذلك بنيَّةِ القَصْدِ إليه. وذِكر الله تعالى عليه كما يأتي بيانه في سورة الأنعام إن شاء الله تعالى. والأصلُ في ذلك الحديث الصحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قيل له: إنا لاقُو العدوِّ غداً، وليس مَعنا مُدًى، أفنذبَحُ بالقَصَب؟ فقال: "ما أنْهرَ الدم، وذُكِر اسمُ الله عليه فكلُوه، ليس السنَّ والظفرَ". وسأخبركم: أما السنُّ فعَظْم، وأما الظُّفر فمُدَى الحبشةِ. وروى النسائي، وأبو داود، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أن عديّ بن حاتم قال له: أرأيت إن أصاب أحدُنا صيداً وليس معه سكين، أنذبح بالْمَرْوة وشقة العصا؟ قال: "أنهر الدمَ بما شئتَ، واذكر اسمَ الله تعالى". وقد تقدم في حديث جارية كعب بن مالك. والصحيح أنها ذبحت بمَرْوَة، وأجازه رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم. المسألة الثانية عشرة: ليس في الحديث الصحيح ذِكْرُ الذكاة بغير إنهار الدم، فأما فَرْي الأوداج وقَطْع الحلقوم والمريء فلم يصحّ فيه شيءٌ. وقال مالك وجماعة: لا تصحُّ الذكاةُ إلا بقطع الْحُلقوم والوَدَجين. وقال الشافعي: يصحّ بقَطْع الْحَلقوم والمريء ولا يحتاج إلى الودَجَيْنِ بتفصيلٍ قد ذكرناه في المسائل. وتعلَّقَ علماؤنا بحديثِ رافع بن خَدِيج، أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: "أفْرِ الوَدَجَيْن واذكُرِِ اسمَ الله". ولم يصحَّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم في هذا الباب شيء لا لنا و لا لهم؛ وإنما المعوَّل على المعنى؛ فالشافعيّ اعتبر قَطْع مَجْرَى الطعام والشراب الذي لا يكون معه حياة، وهو الغرَض من الموت. وعلماؤنا اعتبروا الموتَ على وَجْهٍ يطيبُ معه اللحم، ويفترقُ فيه الحلال ـ وهو اللّحم، من الحرام، وهو الدم ـ بقَطْع الأوداج؛ وهو مذهب أبي حنيفة. وعليه يدل صحيح الحديث في قوله صلّى الله عليه وسلم: "ما أنهر الدم". وهذا بيّن لا غُبار عليه. المسألة الثالثة عشرة: لا تصح الذكاةُ إلا بنيّة: ولذلك قلنا: لا تصح من المجنون ومَن لا يَعْقِل، لأنَّ الله تعالى منعها من المجوسيّ؛ وهذا يدلُّ على اعتبار النية، ولو لم يعتبر القَصْد لم يُبال ممن وقعت، وسنكمّل القولَ فيه في سورة الأنعام. المسألة الرابعة عشرة: ولو ذبحها من القَفَا، ثم استوفى القَطْع، وأنْهَر الدم، وقطع الْحُلقوم والوَدَجين، لم تُؤْكل عند علمائنا. وقال الشافعي: تؤكل؛ لأنّ المقصود قد حصل، وهذا ينبني على أصلٍ نحققه لكم؛ وهو أنّ الذكاةَ وإن كان المقصودُ بها إنهار الدم، ولكن فيها ضَرْبٌ من التعبُّد والتقرُّب إلى الله سبحانه؛ لأنّ الجاهلية كانت تتقرّب بذلك لأصنامها وأنصابها، وتهلّ لغير الله فيها، وتجعلها قُرْبتها وعِبادتها، فأمر الله تعالى بردِّها إليه والتعبد بها له، وهذا يقتضي أن يكونَ لها نيّة ومحل مخصوص. وقد ذبح النبيُّ صلّى الله عليه وسلم في الْحَلْق، ونحر في اللبّة؛ وقال: "إنما الذكاة في الحلْق واللبّة"، فبيَّن محلها، وقال مبيناً لفائدتها: "ما أَنْهَرَ الدم، وذُكر اسم الله عليه، فكُلْ". فإذا أهمل ذلك، ولم يقع بنية ولا شرط ولا صفة مخصوصة زال منها حظُّ التعبّد. المسألة الخامسة عشرة: في الآلة: وقد بينها النبيُّ صلّى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح في قوله: "ما أنْهَر الدم". وتجويزه الذبح بالقَصَب، والحجَر إذا وجد ذلك بصفة الحدّة يقطع ويُريح الذبيحة، ولا يكون مِعراضاً يَخْنق ولا يَقْطع، أو يَجْرَح ولا يَفصل؛ فإنْ كان كذلك لم يُؤكل. وأما السنّ والظفر، ففيه ثلاثة أقوال: الأول: يجوز بالعَظْم؛ قاله في المدوّنة. والثاني: لا يجوز بالعظم والسن؛ قاله في كتاب محمد، وبه قال الشافعي. الثالث: إنْ كانا مركبين لم يذبح بهما، وإن كان كل ُّ واحد منهما منفصلاً ذبح بهما؛ قاله ابن حبيب، وأبو حنيفة. فأما الشافعيّ فأخذ بمطلق النهي، وجعله عامّاً في حال الانفصال والاتصال، وأما ابنُ حبيب وأبو حنيفة فأخذا بالمعنى، وذلك أنه إذا كانا متصلين كان الذبحُ بهما خَنْقاً، وأما إذا كانا منفصلين كانا بمنزلة الحجَر والقَصَب، وهذا أشبهُ بمذهب الشافعي، كما أن مذهبنا أولى بمذهب الشافعي؛ لأنّ الذكاةَ عندنا عِبادة، فكانت باتباع النصّ في الآلة أولى، وعنده أنها معقولة المعنى، فكان بإنهار الدم بكل شيء أولى، ولكن معنى ذلك أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم لما نصّ على السنّ والظفر وقف الشافعيّ عنده وقْفَة قاطع للنظر حين قطع الشرع به عنه. ورأى علماءنا أن النهيَ عن السنّ والظفر، إنما هو لأجْلِ أنّ مَنْ كان يفعله لم يبال أن تخلط الذكاةَ بالْخَنْق، فإذا كانت على يدَيْ من يَفصلهما جاز ذلك إذا انفصلا. المسألة السادسة عشرة: أطلق علماؤنا على المريضة أنّ المذهب جواز تذكيتها ولو أشرفَتْ على الموت إذا كانت فيها بقيةُ حياة. وليت شعري أي فرق بين بقية حياة من مرض أو بقية حياة من سبع لو اتسق النظر وسلمت عن الشّبه الفِكر. وقد بينا ذلك في المسائل. المسألة السابعة عشرة: قولهم: إن الاستثناء يرجع إلى التحريم لا إلى المحرم، وهو كلامُ مَنْ لم يفهم ما التحريم. وقد ثبت أنَّ التحريمَ حكمٌ من أحكام الله تعالى، وقد شرحنا في غير موضع أنّ الأحكامَ ليست بصفاتٍ للأعيان، وإنما هي عبارة عن قول الله سبحانه، وليس في القول استثناء، إنما الاستثناء في المقول فيه وهو المخْبَرُ عنه. المسألة الثامنة عشرة: قوله تعالى: {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ}: معناه: تطلبو ما قُسم لكم، وجَعْلَه من حظوظكم وآمالكم ومنافعكم، وهو محرم فِسْقٌ ممن فعله؛ فإنه تعرُّضٌ لعلم الغيب، ولا يجوز لأحد مِنْ خلق الله أن يتعرض للغيب ولا يطلبه؛ فإن الله سبحانه قد رفعه بعد نبيه إلاّ في الرؤيا. فإن قيل: فهل يجوزُ طلبُ ذلك في المصحف. قلنا: لا يجوز فإنه لم يكن المصحف ليعلَم به الغيب؛ إنما بينت آياته، ورُسمت كلماتُه ليمنع عن الغيب؛ فلا تشتغلوا به، ولا يتعرض أحدُكم له. المسألة التاسعة عشرة: فإن قيل: فالفَأْلُ والزَّجْرُ كيف حالهما عندك؟ قلنا: أما الفأل فمستحسنٌ باتفاق. وأما الزَّجْر فمختلف فيه؛ والفرق بينهما أنّ الفَأْل فيما يحسن، والزجر فيما يكره.. وإنما نهى الشارعُ عن الزجر لئلا تمرضَ به النفس ويدخل على القلب منه الهمّ، وإلا فقد ورد ذلك في الشرع عن النبي صلّى الله عليه وسلم في الأسماء والأفعال. وقد بينا ذلك في شرح الحديث حيثُ ورد ذكره فيه. المسألة الموفية عشرين: الأزلام. كانت قداحاً لقومٍ وحجارةً لآخرين، وقراطيس لأُناس، يكون أحدها غُفْلاً، وفي الثاني"افْعل" أو ما في معناه، وفي الثالث "لا تفعل" أو ما في معناه، ثم يخلطها في جعبة أو تحته ثم يخرجها مخلوطةً مجهولة، فإن خرج الغُفْل أعاد الضَّرْبَ حتى يخرج له "افعل" أو "لا تفعل"؛ وذلك بحضرة أصنامهم؛ فيمتثلون ما يخرج لهم، ويعتقدون أن ذلك هدايةٌ من الصنم لمطلبهم. وكذا روى ابنُ القاسم عن مالك كما سردناه لكم. المسألة الحادية والعشرون: قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ}: وقد تقدّم ذكره في سورة البقرة. كتاب الجصاص 1) الصيد 2) تفسير، عقائد (الصنم، النصب) 3) عقائد (الاستسقام بالأزلام) 4) قواعد فقهية (الضرورات تبيح المحظورات) 5) الذبائح (الذكاة) باب في شرط الذكاة قال أبو بكر: قوله تعالى: {إلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} اسم شرعي يَعْتَوِرُهُ معانٍ: منها موضع الذكاة وما يقطع منه، ومنها الآلة، ومنها الدين، ومنها التسمية في حال الذكر؛ وذلك فيما كانت ذكاته بالذبح عند القدرة عليه. فأما السمك فإن ذكاته بحدوث الموت فيه عن سببٍ من خارج، وما مات حَتْفَ أنفه فغير مذكَّى؛ وقد بينا ذلك فيما تقدم من الكلام في الطافي في سورة البقرة. فأما موضع الذكاة في الحيوان المقدور على ذبحه فهو اللَّبَّةُ وما فوق ذلك إلى اللَّحْيَيْنِ. وقال أبو حنيفة في الجامع الصغير: "لا بأس بالذبح في الحلق كله أسفل الحلق وأوسطه وأعلاه". وأما ما يجب قطعه فهو الأوداج، وهي أربعة: الحلقوم، والمريء، والعرقان اللذان بينهما الحلقوم والمريء، فإذا فَرَى المذكّي ذلك أجمع فقد أكمل الذكاة على تمامها وسنتها، فإن قصر عنْ ذلك ففَرَى من هذه الأربعة ثلاثة فإن بِشْرُ بن الوليد رَوَى عن أبي يوسف أن أبا حنيفة قال: "إذا قطع أكثر الأوداج أكل، وإذا قطع ثلاثة منها أكل من أي جانب كان"، وكذلك قال أبو يوسف ومحمد، ثم قال أبو يوسف بعد ذلك: "لا تأكل حتى تقطع الحلقوم والمريء، وأحد العرقين". وقال مالك بن أنس والليث: "يحتاج أن يقطع الأوداج والحلقوم وإن ترك شيئاً منها لم يجزه" ولم يذكر المريء. وقال الثوري: "لا بأس إذا قطع الأوداج وإن لم يقطع الحلقوم". وقال الشافعي: "أقلّ ما يجزي من الذكاة قطع الحلقوم والمريء، وينبغي أن يقطع الودجين وهما العرقان وقد يُسَلاَّن من البهيمة والإنسان ثم يحييان، فإن لم يقطع العرقان وقطع الحلقوم والمريء جاز". وإنما قلنا إن موضع الذكاة النحر واللَّبة لما رَوَى أبو قتادة الحراني عن حماد بن سلمة عن أبي العشراء عن أبيه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذكاة فقال: "في اللَّبَّةِ والحَلْقِ، ولو طَعَنْتَ في فَخِذِهَا أجْزَأَ عَنْكَ"، وإنما يعني بقوله صلى الله عليه وسلم: "لو طعنت في فخذها أجزأ عنك" فيما لا تقدر على مذبحه. قال أبو بكر: ولم يختلفوا أنه جائز له قطع هذه الأربعة، وهذا يدل على أن قَطْعَها مشروط في الذكاة، ولولا أنه كذلك لما جاز له قطعها، إذ كان فيه زيادة ألم بما ليس هو شرطاً في صحة الذكاة؛ فثبت بذلك أن عليه قطع هذه الأربع. إلا أن أبا حنيفة قال: "إذا قطع الأكثر جاز مع تقصيره عن الواجب فيه، لأنه قد قطع الأكثر والأكثر في مثلها يقوم مقام الكل، كما أن قطع الأكثر من الأذن والذنب بمنزلة قطع الكل في امتناع جوازه عن الأضحية"، وأبو يوسف جعل شرط صحة الذكاة قَطْعَ الحلقوم والمريء وأحد العِرْقَيْنِ، ولم يفرق أبو حنيفة بين قطع العرقين وأحد شيئين من الحلقوم والمريء وبين قطع هذين مع أحد العرقين، إذ كان قطع الجميع مأموراً به في صحة الذكاة. وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا هناد بن السري والحسن بن عيسى مولى ابن المبارك عن ابن المبارك عن معمر عن عمرو بن عبدالله عن عكرمة عن ابن عباس، زاد ابن عيسى وأبي هريرة، قالا: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شَرِيطَةِ الشيطان" زاد ابن عيسى في حديثه: وهي التي تُذبح فَيَقْطَعُ الجلد ولا يَفْرِي الأوداج ثم تُتْرَك حتى تموت؛ وهذا الحديث يدلّ على أن عليه قطع الأوداج. وروى أبو حنيفة عن سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة عن رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كُل ما أَنْهَرَ الدَّمَ وأَفْرَى الأوْدَاجَ ماخَلاَ السِّنَّ والظُّفُرَ". وروى إبراهيم عن أبيه عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اذْبَحُوا بكلّ ما أفْرَى الأوْدَاجَ وَهَرَاقَ الدَّمَ ما خَلاَ السِّنَّ والظُّفُرَ". فهذه الأخبار كلها توجب أن يكون فَرْيُ الأوداج شرطاً في الذكاة، والأوداجُ اسم يقع على الحلقوم والمريء والعرقين اللذين عن جنبيهما. فصل وأما الآلةُ فإن كل ما فَرَى الأوداج وأنْهَرَ الدم فلا بأس به والذكاة صحيحة، غير أن أصحابنا كرهوا الظفر المنزوع والعظم والقرن والسنّ لما رُوي فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما غير ذلك فلا بأس به؛ ذكر ذلك في الجامع الصغير. وقال أبو يوسف في الإملاء: "لو أن رجلاً ذبح بليطة فَفَرَى الأوداج وأنْهَرَ الدمَ فلا بأس بذلك، وكذلك لو ذبح بعود، وكذلك لو نحر بوتد أو بشظاظ أو بمَرْوَةٍ لم يكن بذلك بأس، فأما العظم والسنّ والظفر فقد نُهي أن يذكَّى بها، وجاءت في ذلك أحاديث وآثار، وكذلك القرن عندنا والناب" قال: "ولو أن رجلاً ذبح بسنه أو بظفره فهي مَيْتَةٌ لا تؤكل" وقال في الأصل: "إذا ذبح بسنّ نفسه أو بظفر نفسه فإنه قاتل وليس بذابح". وقال مالك بن أنس: "كل ما بُضِعَ من عظم أو غيره فَفَرى الأوداج فلا بأس به". وقال الثوري: "كل ما فَرَى الأوداج فهو ذكاة إلا السن والظفر". وقال الأوزاعي: "لا يذبح بصَدَفِ البحر". وكان الحسن بن صالح يكره الذبح بالقرن والسن والظفر والعظم. وقال الليث: "لا بأس بأن يذبح بكل ما أنهر الدم إلا العظم والسن والظفر". واستثنى الشافعي الظفرَ والسِّنَّ. قال أبو بكر: الظفر والسنّ المنهيُّ عن الذبيحة بهما، إذا كانتا قائمتين في صاحبهما؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الظفر: "إنَّها مُدَى الحَبَشَةِ" وهم إنما يذبحون بالظفر القائم في موضعه غير المنزوع. وقال ابن عباس: "ذلك الخنق". وعن أبي بشر قال: سألت عكرمة عن الذبيحة بالمَرْوَةِ، قال: "إذا كانت حديدة لا تَثْرِدُ الأوداج فكُلْ" فشَرَطَ في ذلك أن لا تَثْرِدَ الأوداج، وهو أن لا تَفْريها، ولكنه يقطعها قطعة قطعة، والذبح بالظفر والسن غير المنزوع يثرد ولا يفري فلذلك لم تصح الذكاة بهما، وأما إذا كانا مَنْزُوعَيْنِ ففَرَيَا الأوداج فلا بأس؛ وإنما كره أصحابنا منها ما كان بمنزلة السكن الكالة، ولهذا المعنى كرهوا الذبح بالقرن والعظم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم، ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا شعبة عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس قال: خصلتان سمعتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله كَتَبَ الإحْسَانَ على كُلِّ شَيْءٍ، فإذا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا" ـ قال غير مسلم ـ: "فأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وإذا ذَبَحْتُمْ فأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، ولْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ ولْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ" فكانت كراهتهم للذبح بسن منزوع أو عظم أو قرن أو نحو ذلك من جهة كلاله لما يلحق البهيمة من الألم الذي لا يحتاج إليه في صحة الذكاة. وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن مري بن قطري عن عدي بن حاتم أنه قال: قلت يا رسول الله أرأيت إن أحدنا أصاب صيداً وليس معه سكين أيذبح بالمروة وشقة العصا؟ قال: "أَمْرِرِ الدَّمَ بما شِئْتَ واذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ". وفي حديث نافع عن كعب بن مالك عن أبيه: "أن جارية سوداء ذكّت شاة بمروة، فذكر ذلك كعبٌ للنبي صلى الله عليه وسلم، فأمرهم بأكلها". وروى سليمان بن يسار عن زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. وفي حديث رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما أَنْهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسْمُ الله عَلَيْهِ فَكُلُوا إلاّ ما كَانَ مِنْ سِنٍّ أَوْ ظُفُرٍ". فصل وهذا الذي ذكرناه فيما كان من الحيوان مقدوراً على ذبحه، فيعتبر في ذكاته ما وصفنا من موضع الذكاة ومن الآلة على النحو الذي بَيَّنَّا. وأما الذي لا نقدر منه على ذبحه. فإن ذكاته إنما تكون بإصابته بما يجرح ويُسيل الدم أو بإرسال كلب أو طير فيجرحه دون ما يصدم أو يهشم مما لا حدَّ له يجرحه؛ ولا يختلف في ذلك عندنا حكم ما يكون أصله ممتنعاً مثل الصيد وما ليس بممتنع في الأصل من الأنعام ثم يتوحش ويمتنع أو يتردَّى في موضع لا نقدر فيه على ذكاته. وقد اختلف الفقهاء في ذلك في موضعين، أحدهما: في الصيد إذا أُصيب بما لا يجرحه من الآلة، فقال أصحابنا ومالك والثوري: "إذا أصابه بعَرْض المعراض لم يؤكل إلا أن يُدرك ذكاته". وقال الثوري: "وإن رميته بحجر أو بندقة كرهْتُهُ إِلاّ أن تذكّيه، ولا فرق عند أصحابنا بين المعراض والحجر والبندقة". وقال الأوزاعي في صيد المعراض: "يؤكل خَزَقَ أو لم يخزق"، قال: "وكان أبو الدرداء وفضالة بن عبيد وعبدالله بن عمر ومكحول لا يرون به بأساً". وقال الحسن بن صالح: "إذا خرق الحجر فكُلْ والبندقةُ لا تخزق". وقال الشافعي: "إن خُزق المرميّ برميه أو قُطع بحدّه أكل، وما جُرح بثقله فهو وقيذ؛ وفيما نالته الجوارح فقتلته فيه قولان: أحدهما أن لا يؤكل حتى يجرح لقوله تعالى: {مِنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبينَ}. والآخر أنه حِلّ". قال أبو بكر: ولم يختلف أصحابنا ومالك والشافعي في الكلب إذا قتل الصيد بصدمته لم يؤكل. وأما الموضع الآخر: فما ليس بممتنع في الأصل، مثل البعير والبقر إذا توحّش أو تردَّى في بئر، فقال أصحابنا: "إذا لم يقدر على ذبحه فإنه يُقتل كالصيد ويكون مذكًّى" وهو قول الثوري والشافعي. وقال مالك والليث: "لا يؤكل إلا أن يذبح على شرائط الذكاة". ورُوي عن علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعلقمة والأسود ومسروق مثل قول أصحابنا، وقد تقدم ذكر الآثار المؤيدة لقول أصحابنا في الصيد أنّ شرط ذكاته أن يجرحه بما له حدٌّ، ومنه ما ذكر في المعراض أنه إن أصاب بحده أُكل وإن أصاب بعرضه لم يُؤكل فإنه وقيذ، لقوله تعالى: {وَالمَوْقُوذَةُ}، فكل ما لا يجرح من ذلك فهو وَقِيذٌ محرَّمٌ بظاهر الكتاب والسّنة. وفي حديث قتادة عن عقبة بن صهبان عن عبدالله بن مغفل عن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى عن الخذف وقال: "إِنّها لا تَنْكَأُ العَدُوَّ ولا تَصِيدُ الصَّيْدَ ولكنّها تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ العَيْنَ" فدلّ على أن الجراحة في مثله لا تذكّى، إذ ليس له حدّ، وإنما الجراحة التي لها حكم في الذكاة هي ما يقع بما له حدٌّ، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المعراض: "إن أصَابَهُ بحَدِّهِ فَخَزَقَ فَكُلْ وإِنْ أَصَابَهُ بعَرْضِهِ فلا تَأْكُلْ" ولم يفرق بين ما يجرح ولا يجرح؟ فدل ذلك على اعتبار الآلة وأن سبيلها أن يكون لها حدّ في صحة الذكاة بها. وكذلك قوله في الخذف: "إنّها لا تصيد الصَّيْدَ" يدلّ على سقوط اعتبار جراحته في صحة الذكاة إذا لم يكن له حدّ. وأما البعير ونحوه ذا توحش أو تردَّى في بئر، فإن الذي يدل على أن بمنزلة الصيد في ذكاته ما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا سفيان عن عمرو بن سعيد بن مسروق عن أبيه عن عباية بن رفاعة عن رافع بن خديج قال: نَدَّ علينا بعيرٌ فرميناه بالنبل، ثم سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "إنَّ لَهَذَا الإبِلِ أوابِدَ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ فإذَا نَدَّ مِنْها شيءٌ فاصْنَعُوا به ذَلِكَ وَكُلُوهُ"؛ وقال سفيان: وزاد إسماعيل بن مسلم: فرميناه بالنبل حتى رهصناه. فهذا يدل على إباحة أكله إذا قتله النبلُ لإباحة النبي صلى الله عليه وسلم من غير شرط ذكاة غيره. وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا حماد بن سلمة عن أبي العشراء عن أبيه أنه قال: يا رسول الله أما تكون الذكاة إلا في اللَّبَّةِ والنَّحْرِ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "لو طَعَنْتَ في فَخِذِهَا لأجْزَأ عَنْكَ" وهذا على الحال التي لا يَقْدِرُ فيها على ذبحها، إذْ لا خلاف أن المقدور على ذبحه لا يكون ذلك ذكاته. ويدل على صحة قولنا من طريق النظر اتفاقُ الجميع على أن رَمْيَ الصيد يكون ذكاةً له إذا قتله، ثم لا يخلو المعنى الموجب لكون ذلك ذكاة من أحد وجهين: إما أن يكون ذلك الجنس الصيد أو لأنه غير مقدور على ذبحه، فلما اتفقوا على أن الصيد إذا صار في يده حيّاً لم تكن ذكاتُه إلا بالذبح كذكاة ما ليس من جنس الصيد، دلّ ذلك على أن هذا الحكم لم يتعلق بجنسه وإنما تعلق بأنه غير مقدور على ذبحه في حال امتناعه، فوجب مثله في غيره إذا صار بهذه الحال لوجود العلة التي من أجلها كان ذلك ذكاة للصيد. مطلب: في حكم الصيد إذا انقطع قطعتين واختلف الفقهاء في الصيد يُقطع بعضه، فقال أصحابنا والثوري ـ وهو قول إبراهيم ومجاهد ـ: "إذا قطعه بنصفين أكلا جميعاً، وإن قطع الثلث مما يلي الرأس أكل، فإن قطع الثلث الذي يلحق العجز أكل الثلثان الذي يلي الرأس ولا يؤكل الثلث الذي يلي العجز". وقال ابن أبي ليلى والليث: "إذا قطع منه قطعة فمات الصيد مع الضربة أكلهما جميعاً". وقال مالك: "إذا قطع وسطه أو ضرب عنقه أكل، وإن قطع فخذه لم يأكل الفخذ وأكل الباقي". وقال الأوزاعي: "إذا أبان عَجزَهُ لم يأكل ما انقطع منه ويأكل سائره، وإن قطعه بنصفين أكله كله". وقال الشافعي: "إن قطعه قطعتين أكله وإن كانت إحداهما أقلّ من الأخرى، وإن قطع يداً أو رِجْلاً أو شيئاً يمكن أن يعيش بعده ساعة أو أكثر ثم قتله بعد رميته أكل ما لم يَبِنْ منه ولم يؤكل ما بان وفيه الحياة، ولو مات من القطع الأوّل أكلهما جميعاً". قال أبو بكر: حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا هاشم بن القاسم قال: حدثنا عبدالرحمن بن دينار عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي واقد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما قُطِعَ مِنَ البَهِيمَةِ وهي حَيَّةٌ فهُوَ مَيْتَةٌ"، وهذا إنما يتناول قطع القليل منه من غير موضع الذكاة؛ وذلك لأنه لا خلاف أنه لو ضرب عنق الصيد فأبان رأسه كان الجميع مذكًّى، فثبت بذلك أن المراد ما بَانَ منها من غير موضع الذكاة، وذلك إنما يتناول الأقل منه؛ لأنه إذا قطع النصف أو الثلث الذي يلي الرأس فإنه يقطع العروق التي يحتاج إلى قطعها للذكاة وهي الأوداج والحلقوم والمريء فيكون الجميع مذكًّى، وإذا قطع الثلث مما يلي الذنب فإنه لا يصادف قطع العروق التي يحتاج إليها في شرط الذكاة فيكون ما بان منه ميتة لقوله صلى الله عليه وسلم: "ما بان من البهيمة وهي حية فهو ميتة" وذلك لأنه لا محالة إنما يحدث الموت بعد القَطْع، فقد بان ذلك العضو منها وهي حية فهو ميتة، وما يلي الرأس كله مذكَّى كما لو قطع رجلها أو جرحها في غير موضع الذكاة ولم يُبِنْ منها شيئاً، فيكون ذلك ذكاة لها لتعذر قطع موضع الذكاة. فصل وأما الدِّينُ فأن يكون الرامي أو المصطاد مسلماً أو كتابيّاً، وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. وأما التسمية فهي أن يذكر اسم الله تعالى عند الذبح أو عند الرمي أو إرسال الجوارح والكلب إذا كان ذاكراً، فإن كان ناسياً لم يضرّه تَرْكُ التسمية؛ وسيأتي الكلام فيه في موضعه إن شاء الله تعالى. مطلب: في الفرق بين الصنم والنصب وأما قوله تعالى: {وَمَا ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ} فإنه رُوي عن مجاهد وقتادة وابن جريج أن النُّصُبَ أحجارٌ منصوبة كانوا يعبدونها ويقربون الذبائح لها، فنهى الله عن أكل ما ذُبح على النُّصُبِ لأنه مما أُهل به لغير الله. والفرق بين النصب والصنم أن الصنم يُصور ويُنقش، وليس كذلك النصب؛ لأن النصب حجارة منصوبة والوَثَنُ كالنصب سواء. ويدل على أن الوثن اسم يقع على ما ليس بمُصَوِّرٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعدي بن حاتم حين جاءه وفي عُنُقِهِ صليبٌ: "أَلْقِ هَذَا الوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ" فسمَّى الصليب وَثَناً، فدل ذلك على أن النُّصُبَ والوَثَنَ اسمٌ لما نُصب للعبادة وإن لم يكن مصوراً ولا منقوشاً. وهذه ذبائح قد كان أهل الجاهلية يأكلونها، فحرّمها الله تعالى مع ما حرم من الميتة ولحم الخنزير وما ذكر في الآية مما كان المشركون يستبيحونه. وقد قيل إنها المرادة بالاستثناء المذكور في قوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ}. قوله تعالى: {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بالأَزْلام} قيل في الاستقسام وجهان: أحدهما طلب علم ما قسم له بالأزلام، والثاني: إلزام أنفسهم بما تأمرهم به القداح كقسم اليمين. والاستقسامُ بالأزلام أنّ أهل الجاهلية كانوا إذا أراد أحدهم سفراً أو غزواً أو تجارة أو غير ذلك من الحاجات أجال القِدَاحَ وهي الأزلام، وهي على ثلاثة أضرب: منها ما كتب عليه: "أمَرَنِي ربي" ومنها ما كتب عليه: "نهاني ربي" ومنها غفْلٌ لا كتابة عليه يسمَّى: "المَنِيحَ". فإذا خرج "أمرني ربي" مضى في الحاجة، وإذا خرج: "نهاني ربي" قعد عنها، وإذا خرج الغفل أجالها ثانية. قال الحسن: كانوا يعمدون إلى ثلاثة قداح؛ نحو ما وصفنا. وكذلك قال سائر أهل العلم بالتأويل. وواحد الأزلام "زَلْمٌ" وهي القداح، فحظر الله تعالى ذلك، وكان من فعل أهل الجاهلية، وجعله فسقاً بقوله: {ذَلِكُمْ فِسْقٌ} وهذا يدلّ على بطلان القرعة في عِتْقِ العبيد لأنها في معنى ذلك بعينه، إذ كان فيه اتباع ما أخرجته القُرْعَةُ من غير استحقاق، لأن من أعتق عَبْدَيْهِ أو عبيداً له عند موته ولم يخرجوا من الثلث فقد علمنا أنهم متساوون في استحقاق الحرية، ففي استعمال القرعة إثبات حريةٍ غير مستحقَّةٍ وحِرْمَانُ من هو مساوٍ له فيها، كما يتبع صاحب الأزلام ما يخرجه الأمر والنهي لا سبب له غيره. فإن قيل: قد جازت القرعة في قسمة الغنائم وغيرها وفي إخراج النساء. قيل له: إنما القرعة فيها لتطييب نفوسهم وبراءة للتهمة من إيثار بعضهم بها، ولو اصطلحوا على ذلك جاز من غير قرعة؛ وأما الحرية الواقعة على واحد منهم فغير جائز نقلها عنه إلى غيره، وفي استعمال القرعة نقل الحرية عمن وقعت عليه وإخراجه منها مع مساواته لغيره فيها. قوله عز وجل: {اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ} قال ابن عباس والسدي: "يئسوا أن ترتدُّوا راجعين إلى دينهم". وقد اختلف في اليوم، فقال مجاهد: هو يوم عرفة عام حجة الوداع. {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} أن يظهروا عليكم؛ عن ابن جريج. وقال الحسن: "ذلك اليوم يعني به: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} وهو زمان النبي صلى الله عليه وسلم كله". قال ابن عباس: "نزلت يوم عرفة وكان يوم الجمعة". قال أبو بكر: اسم اليوم يُطلق على الزمان، كقوله: {ومن يولهم يومئذ دبره} [الأنفال: 16] إنما عَنَى به وقتاً مبهماً. قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ} فإن الاضطرار هو الضّرُّ الذي يصيب الإنسان من جوع أو غيره ولا يمكنه الامتناع منه؛ والمعنى ههنا من إصابة ضرّ الجوع، وهذا يدل على إباحة ذلك عند الخوف على نفسه أو على بعض أعضائه؛ وقد بين ذلك في قوله تعالى: {في مَخْمَصَةٍ}؛ قال ابن عباس والسدي وقتادة: "المخمصة المجاعة". فأباح الله عند الضرورة أَكْلَ جميع ما نصَّ على تحريمه في الآية، ولم يمنع ما عرض من قوله: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} مع ما ذكر معه من عَوْدِ التخصيص إلى ما تقدم ذكره من المحرمات، فالذي تضمنه الخطاب في أول السورة في قوله: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} إباحةُ الأنعام. {إلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحَلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} فيه بيان إباحة الصيد في حال الإحلال وغير داخل في قوله: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ}، ثم بيَّنَ ما حُرِّم علينا في قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ} إلى آخر ما ذكر، ثم خصّ من ذلك حال الضرورة وأبان أنها غير داخلة في التحريم، وذلك عامّ في الصيد في حال الإحرام وفي جميع المحرمات، فمتى اضْطُرَّ إلى شيء منها حَلَّ له أكله بمقتضى الآية. وقوله تعالى: {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ} قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد والسدي: "غير معتمد عليه" فكأنه قال: غير معتمد بهواه إلى إثم، وذلك بأن يتناول منه بعد زوال الضرورة. كتاب الشافعي 1) الذبائح (الزكاة الشرعية) 2) تفسير (معنى الذكاة) 3) تفسير معنى الأزلام "قال: ولَمَّا ذَكرَ اللهُ (عز وجل) أمْرَهُ: بالذَّبْحِ؛ وقال: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} [5: 3-3] -: كان مَعقُولاً عن اللهِ (عز وجل): أنه إنما أمَرَ به: فيما يُمْكِنُ فيه الذبحُ والذَّكَاةُ؛ وإن لم يَذكُرْه." "فلَمَّا كان مَعقوُلاً فى حُكْمِ اللهِ (عز وجل)، ما وَصَفْتُ -: انْبَغى لأهلِ العلم عندى، أنْ يَعْلَمُوا: أنَّ ما حَلَّ -: من الحيوان. -: فذكاةُ المَقْدُورِ عليه منه: مِثلُ الذَّبحِ، أو النَّحْرِ؛ وذكاةُ غيرِ المَقْدُورِ عليه منه: ما يُقْتَلُ به: جارِحٌ، أو سلاحٌ.". * * * وقولِه عز وجل: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} [5: 3-3]: "فما وَقَع عليه اسمُ الذَّكاةِ -: من هذا. - فهو: ذَكِىُّ.". * * * {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ} قال: وقال الشافعى: "الأزْلامُ ليس لها معنًى إلاَّ: القِدَاحُ.". كتاب الجصاص 1) المطعومات (المحرمات من المطعومات) 2) أصول فقه (الترجيح بين الأدلة) قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ} الآية. المَيْتَةُ ما فارقته الروح بغير تذكية مما شُرط علينا الذكاة في إباحته. وأما الدم فالمحرم منه هو المسفوح، لقوله تعالى: {قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً} [الأنعام: 145] وقد بينا ذلك في سورة البقرة. والدليل أيضاً على أن المحرم منه هو المسفوح اتفاقُ المسلمين على إباحة الكبد والطحال وهما دمان، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أُحِلَّتْ لِي مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ"، يعني بالدمين الكبد والطحال؛ فأباحهما وهما دمان، إذ ليسا بمسفوح، فدل على إباحة كل ما ليس بمسفوح من الدماء. فإن قيل: لما حصر المباح منه بعدد دلّ على حظر ما عداه. قيل: هذا غلط؛ لأن الحصر بالعدد لا يدل على أن ما عداه حكمه بخلافه، ومع ذلك فلا خلاف أن مما عداه من الدماء ما هو المباح وهو الدم الذي يبقى في خلل اللحم بعد الذبح وما يبقى منه في العروق، فدلّ على أن حصره الدَّمَيْنِ بالعدد وتخصيصهما بالذكر لَمْ يَقْتَضِ حَظْرَ جميع ما عداهما من الدماء. وأيضاً فإنه لما قال: {أو دماً مسفوحاً} [الأنعام: 145] ثم قال: {وَالدَّمُ} كانت الألف واللام للمعهود، وهو الدم المخصوص بالصفة، وهو أن يكون مسفوحاً؛ وقوله صلى الله عليه وسلم: "أُحلت لي ميتتان ودمان" إنما ورد مؤكداً لمقتضى قوله عز وجل: {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً} [الأنعام: 145] إذ ليسا بمسفوحين؛ ولو لم يرد لكانت دلالة الآية كافية في الاقتصار بالتحريم على المسفوح منه دون غيره وأن الكبد والطحال غير محرمين. وقوله تعالى: {وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ} فإنه قد تناول شحمه وعظمه وسائر أجزائه، ألا ترى أن الشحم المخالط للحم قد اقتضاه اللفظ لأن اسم اللحم يتناوله؟ ولا خلاف بين الفقهاء في ذلك، وإنما ذكر اللحم لأنه معظم منافعه؛ وأيضاً إن تحريم الخنزير لما كان مُبْهَماً اقتضى ذلك تحريم سائر أجزائه كالميتة والدم، وقد ذكرنا حكم شعره وعظمه فيما تقدم. وأما قوله: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} فإن ظاهره يقتضي تحريم ما سُمّي عليه غير الله؛ لأن الإهلال هو إظهارُ الذكر والتسمية، وأصله استهلال الصبي إذا صاح حين يُولد، ومنه إهلال المحرم؛ فينتظم ذلك تحريم ما سُمّي عليه الأوثان على ما كانت العرب تفعله، وينتظم أيضاً تحريمَ ما سُمِّي عليه اسم غير الله أي اسم كان، فيوجب ذلك أنه لو قال عند الذبح: "باسم زيد أو عمرو" أن يكون غير مُذَكَّى، وهذا يوجب أن يكون ترك التسمية عليه موجباً تحريمها؛ وذلك لأن أحداً لا يفرق بين تسمية زيد على الذبيحة وبين ترك التسمية رأساً. قوله تعالى: {والمُنْخَنِقَةُ} فإنه روي عن الحسن وقتادة والسدي والضحاك أنها التي تختنق بحبل الصائد أو غيره حتى تموت، ومن نحوه حديث عِبَاية بن رفاعة عن رافع بن خديج، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ذَكُّوا بكلِّ شَيءٍ إلاّ السِّنَّ والظُّفُرَ"" وهذا عندنا على السنّ والظفر غير المنزوعين، لأنه يصير في معنى المخنوق. وأما قوله تعالى: {وَالمَوْقُوذَةُ} فإنه رُوي عن ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك والسدي أنها المضروبة بالخشب ونحوه حتى تموت، يقال فيه: وَقَذَهُ يَقِذُهُ وَقْذاً وهو وَقِيذٌ. إذا ضربه حتى يُشْفي على الهلاك. ويدخل في الموقوذة كل ما قُتل منها على غير وجه الذكاة، وقد رَوَى أبو عامر العَقَدي عن زهير بن محمد عن زيد بن أسلم عن ابن عمر، أنه كان يقول في المقتولة بالبندقة: "تلك الموقوذة". ورَوَى شعبة عن قتادة عن عقبة بن صهبان عن عبدالله بن المغفل، أن النبي صلى الله عليه وسلم نَهَى عن الخَذْفِ وقال: "إِنّها لا تَنْكَأُ العَدُوَّ ولا تَصِيدُ الصَّيْدَ ولكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ وتَفْقَأُ العَيْنَ". ونظير ذلك ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن عيسى قال: حدثنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن همام عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله أرمي بالمعراض فأصيب أفآكل؟ قال: "إذا رَمَيْتَ بالمِعْرَاضِ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَأَصَابَ فَخَرَقَ فَكُلْ، وإنْ أَصَابَ بعَرْضِهِ فلا تَأْكُلْ". حدثنا عبدالباقي بن قانع قال: حدثنا عبدالله بن أحمد قال: حدثنا هشيم عن مجالد وزكريا وغيرهما، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد المعراض، فقال: "ما أَصَابَ بِحَدِّهِ فَخَرَقَ فَكُلْ، وما أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فإنّه وَقِيذٌ فلا تَأْكُلْ"، فجعل ما أصاب بعرضه من غير جراحة موقوذةً وإن لم يكن مقدوراً عل ذكاته، وفي ذلك دليل على أن شرط ذكاة الصيد الجراحة وإسالة الدم وإن لم يكن مقدوراً على ذبحه واستيفاء شروط الذكاة فيه؛ وعموم قوله: {وَالمَوْقُوذَةُ} عامٌّ في المقدور على ذكاته وفي غيره مما لا يقدر على ذكاته. وحدثنا عبدالباقي قال: حدثنا أحمد بن محمد بن النضر قال: حدثنا معاوية بن عمر قال: حدثنا زائدة قال: حدثنا عاصم بن أبي النجود عن زرّ بن حبيش قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: "يا أيها الناس هاجروا ولا تهجروا، وإياكم والأرنب يحذفها أحدكم بالعصا أو الحجر يأكلها، ولكن ليذكَّ لكم الأسَلُ الرّماحُ والنبلُ". وأما قوله تعالى: {وَالمُتَرَدِّيَةُ} فإنه روي عن ابن عباس والحسن والضحاك وقتادة قالوا: "هي الساقطة من رأس جبل أو في بئر فتموت". وروى مسروق عن عبدالله بن مسعود قال: "إذا رميت صيداً من على جبل فمات فلا تأكله فإني أخشى أن يكون التردِّي هو الذي قتله، وإذا رميت طيراً فوقع في ماء فمات فلا تطعمه فإني أخشى أن يكون الغرق قتله". قال أبو بكر: لما وَجَدَ هناك سبباً آخر وهو التردّي وقد يحدث عنه الموت حَظَرَ أكْلَهُ، وكذلك الوقوع في الماء. وقد رُوي نحو ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، حدثنا عبدالباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل قال: حدثنا ابن عرفة قال: حدثنا ابن المبارك عن عاصم الأحول عن الشعبي عن عدي بن حاتم، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصيد فقال: "إذا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ وَسَمَّيْتَ فَكُلْ إنْ قَتَلَ إلاّ أَنْ تُصِيبَهُ فِي الْمَاءِ فَلاَ تَدْرِي أَيُّهُمَا قَتَلَهُ". ونظيره ما رُوي عنه صلى الله عليه وسلم في صيد الكلاب أنه قال: "إذا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ وَسَمَّيْتَ فَكُلْ، وإنْ خَالَطَهُ كَلْبٌ آخَرُ فَلا تَأْكُلْ"، فحظر صلى الله عليه وسلم أكْلَهُ إذا وُجد مع الرمي سبب آخر يجوز حدوث الموت منه مما لا يكون ذكاة، وهو الوقوع في الماء ومشاركة كلب آخر معه. وكذلك قول عبدالله في الذي يرمي الصيد وهو على الجبل فيتردَّى إنه لا يؤكل لاجتماع سبب الحظر والإباحة في تَلَفِهِ، فجعل الحكم للحظر دون الإباحة. وكذلك لو اشترك مجوسيّ ومسلم في قتل صيد أو ذبحه لم يؤكل. مطلب: إذا اجتمع سبب الحظر والإباحة كان الحكم للحظر دون الإباحة وجميع ما ذكرنا أصل في أنه متى اجتمع سبب الحظر وسبب الإباحة كان الحكم للحظر دون الإباحة. وأما قوله تعالى: {والنَّطِيحَةُ} فإنه رُوي عن الحسن والضحاك وقتادة والسدي أنها المنطوحة حتى تموت. وقال بعضهم: هي الناطحة حتى تموت. قال أبو بكر: هو عليهما جميعاً، فلا فرق بين أن تموت من نطحها لغيرها وبين موتها من نطح غيرها لها. وأما قوله: {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} فإن معناه: ما أكل منه السبع حتى يموت، فحَذَفَ؛ والعرب تسمِّي ما قتله السبع وأكل منه أكِيلَةَ السَّبُعِ، ويسمّون الباقي منه أيضاً أكِيلَةَ السَّبُعِ؛ قال أبو عبيدة: {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} مما أكل السبع فيأكل منه ويبقى بعضه وإنما هو فريسته. وجميع ما تقدم ذكره في الآية بالنهي عنه قد أُريد به الموت من ذلك. وقد كان أهل الجاهلية يأكلون جميع ذلك فحرمه الله تعالى، ودل بذلك على أن سائر الأسباب التي يحدث عنها الموت للأنعام محظور أكلها بعد أن لا يكون من فعل آدميّ على وجه التذكية. وأما قوله تعالى: {إلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} فإنه معلوم أن الاستثناء راجع إلى بعض المذكور دون جميعه؛ لأن قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} لا خلاف أن الاستثناء غير راجع إليه، وأن ذلك لا يجوز أن تلحقه الذكاة، وقد كان حكم الاستثناء أن يرجع إلى ما يليه، وقد ثبت أنه لم يعد إلى ما قبل المنخنقة؛ فكان حكم العموم فيه قائماً وكان الاستثناء عائداً إلى المذكور من عند قوله: {وَالْمُنْخَنِقَةُ}، لما رُوي ذلك عن علي وابن عباس والحسن وقتادة وقالوا كلهم: "إن أدركت ذكاته بأن توجد له عَيْنٌ تطرف أو ذَنَبٌ يتحرك فأكْلُه جائز". وحُكي عن بعضهم أنه قال: الاستثناء عائد إلى قوله: {وَمَا أَكَلَ السَّبْعُ} دون ما تقدم لأنه يليه؛ وليس هذا بشيء، لاتفاق السلف على خلافه، ولأنه لا خلاف أن سَبُعاً لو أخذ قطعة من لحم البهيمة فأكلها أو تردَّى شاة من جبل ولم يُشْفِ بها ذلك على الموت فذكّاها صاحبها أن ذلك جائز مباح الأكل، وكذلك النطيحة وما ذكر معها، فثبت أن الاستثناء راجع إلى جميع المذكور من عند قوله: {والمُنْخَنِقَةُ}؛ وإنما قوله: {إلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} فإنه استثناء منقطع بمنزلة قوله: "لكن ما ذكيتم" كقوله: {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلاّ قوم يونس} [يونس: 98] ومعناه: لكن …

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

صفحات مهمة:

ثمن الموقع :

ترتيب الموقع:

تابعنا على تويتر:

عدد زوار الموقع:

جميع الحقوق محفوظة

مدونة بلوجر

2016