{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }
[ النساء : 1 ]
[ سبب النزول | النسخ في الآية | المواضيع | الفضائل | الاعراب | المعاني | التفسير | الأحكام ]
سبب النزول
لم يرد في المرجع سبب لنزول الآية رقم ( 1 ) من سورة ( النساء )
رأس الصفحة
النسخ في الآية
لم يرد في المرجع ناسخ ومنسوخ للآية رقم ( 1 ) من سورة ( النساء )
رأس الصفحة
المواضيع الواردة في الآية
الموضوع العنوان
آدم عليه السلام تشريف آدم و اسكانه و زوجه الجنة
أسماء اللَه الحسنى الرقيب
خلق الإنسان ---
الله جلّ جلاله موجبات التفكر [خالق الزوجين لا غنى لأحدهما عن الآخر]
الأسرة قوام الأسرة عمق العلاقة والسكن والمودة
الرّحِم الحث على صلتها ومدح واصليها
الرقابة الله رقيب على كل شيء
الأزواج والزوجية من نفس واحدة كان الزوج والزوجة
المرأة عمق العلاقة بينها وبين الرجل
المرأة من تزاوج الأنثى بالذكر يعمر الكون وتتصل الحياة
النفس من آيات الله أن خلق الناس من نفس واحدة
النكاح فطرة الله التي فطر الخلق عليها
رأس الصفحة
فضائل السورة
لم يتم ادخال فضائل سورة ( النساء )
رأس الصفحة
الإعراب
{يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ..} [1]
{يا} حرف ينادى به، وقد يجوز أن يحذفَ إِذا كان المنادى يَعلَمُ بالنداء و {أيّ} نداء مفرد و "ها" تنبيه {ٱلنَّاسُ} نعت لأيّ لا يجوز نصبه على الموضع لأن الكلام لا يتم قبله إِلاّ على قول المازني، وزعم الأخفش: أنّ أيّا موصولة بالنعت ولا تعرَفُ الصلة إِلاّ جملة {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ} أمر فلذلك حذفت منه النون {ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} في/ 44 ب/ موضع نصب على النعت {مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} أُنِّثتْ على اللفظ، ويجوز في الكلام من نفس واحد، وكذا {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا} المذكر والمؤنث في التثنية على لفظ واحد في العلامة وليس كذا الجمع لاختلافه واتفاق التثنية. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ} هذه قراءة أهل المدينة بادغام التاء في السين، وقراءة أهل الكوفة {تَسَآءَلُونَ} بحذف التاء لاجتماع تاءين ولأن المعنى يُعرَفُ ومثله {إِذ تَلَقَّونَهُ بألسنتكم} {وَٱلأَرْحَامَ} عطف أي واتّقوا الأرحام أن تقطعوها، وقرأ ابراهيم وقتادة وحمزة {وَٱلأَرْحَامِ} بالخفض وقد تكلّم النحويون في ذلك. فأما البصريون فقال رؤساؤهم: هو لحن لا تحلّ القراءة به، وأما الكوفيون فقالوا: هو قبيح ولم يزيدوا على هذا ولم يذكروا عِلّةَ قبحه فيما علمته. وقال سيبويه: لم يُعطَفْ على المُضمَرِ المخفوض لأنه بمنزلة التنوين وقال أبو عثمان المازني: المعطوف والمعطوف عليه شريكان لا يَدخُل في أحدِهما إِلاّ ما دَخَل في الآخر فكما لا يجوز مررتُ بزيدٍ وكَ وكذا لا يجوز مررتُ بِكَ وزيد، وقد جاء في الشعر كما قال:
فاليومَ قَرّبتَ تَهْجُونَا وتَشْتِمُنَا * فاذهب فَمَا بِكَ والأيامِ مِنْ عَجَبِ
وكما قال:
* وما بِينَها والكَعبِ غُوطٌ نَفانِف *
وقال بعضهم "وَٱلأَرْحَامِ" قسم وهذا خطأ من المعنى والإِعراب لأن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلّ على النصب روى شُعبة عن عون بن أبي جُحَيْفةَ عن المنذرِ بن جرير عن أبيه قال: كنتُ عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء قوم من مصر حفاة عراة فرأيت وجه النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لما رأى في فاقتِهِم ثم صلى الظهر وخطب الناس فقال "يا أيُّها الناس اتّقوا ربّكم والأرحامَ ثم قال تَصَدّقَ رجلٌ بدينارِهِ تَصَدّق رجل بِدِرهَمِهِ تصدّقَ رجل بصاعِ تَمرِهِ" وذكر الحديث فمعنى هذا على النصب لأنه حَضّهم على صلة أرحامِهِم، وأيضاً فلو كان قسماً كان قد حذف منه لأن المعنى ويقولون بالأرحام أي وربّ الأرحامِ: ولا يجوز الحذف إِلاّ أن لا يصحَّ الكلام إِلاّ عليه. وأيضاً فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم "من كان حالفاً فَلْيَحْلِفْ باللهِ" فكما لا يجوز أن تحلفَ إِلاّ بالله كذا لا يجوز أن تستحلف إِلاّ بالله فهذا يردّ قولَ من قال المعنى أسألك باللهِ وبالرحمِ، وقد قال أبو اسحاق: معنى "تَسَآءَلُونَ بِهِ" تطلبون حقوقكم به ولا معنى للخفض على هذا. والرحم مؤنثة ويقال: رَحِمٌ ورِحِمٌ ورِحْمٌ. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} قال ابن عباس أي حفيظاً. قال أبو جعفر: يقال: رَقَبَ الرجل وقد رَقَبْتُه رِقْبةَ ورِقْبَاناً.
رأس الصفحة
المعاني
كتاب النحاس
من ذلك قوله عزَّ وجلَّ: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا..} [آية 1].
قال مجاهد: خُلِقتْ حوَّاء من قُصَيْرَى آدم.
وفي الحديث: "خُلقت المرأة من ضلع عوجاء".
وقيل: {منها} من جنسها.
ثم قال تعالى {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً..} [آية 1].
يقال: بَثَثْتُ الشىَّءَ وأَبْثَثْتهُ، إذا نَشَرْتُهُ. منه:
{كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ}.
وقولُه عز وجل: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [آية 1].
قال عكرمة: المعنى: واتَّقُوا الأرحامَ أن تَقْطَعوها.
وقال إبراهيم: هو من قولهم: [أسألك باللَّهِ] والرَّحِمِ.
قال أبو جعفر: وهذا على قراءةِ مَنْ قرأ بالخفض.
وقوله عز وجل {وَآتُوْا اليَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيَّبِ}.
قال الضحاك: لا تُعطوهم زُيُوفَاً بِجِيَادٍ.
وقال غيره: لا تتبَّدلوا الحرامَ بالحلالِ.
كتاب الفراء
وقوله تبارك وتعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ...(1)}
قال (واحدة) لأن النفس مؤنثة، فقال: واحدة لتأنيث النفس، وهو [يعنى] آدم. ولو كانت (من نفس واحد) لكان صوابا، يذهب إلى تذكير الرجل.
وقوله: {وَبَثَّ مِنْهُمَا} العرب تقول: بثَّ الله الخلق: أى نشرهم. وقال فى موضع آخر: {كالفَراشِ المَبْثوث} ومن العرب من يقول: أَبثّ الله الخلق. ويقولون: بثثتك ما فى نفسى، وأبثثتك.
وقوله: {ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ} فنصب الأرحام؛ يريد واتقوا الأرحام أن تقطعوها. قال: حدّثنا الفرّاء قال: حدّثنى شريك بن عبدالله عن الأعمش عن إبراهيم أنه خفض الأرحام، قال: هو كقولهم: بالله والرحم؛ وفيه قبح؛ لأن العرب لا تردّ مخفوضا على مخفوض وقد كُنِى عنه، وقد قال الشاعر فى جوازه:
نُعَلّق فى مثلِ السَّوارِى سيوفَنا * وما بينها والْكَعبِ غَوْط نَفَانِف
وإنما يجوز هذا فى الشعر لضيقه.
وقرأ بعضهم "تَسَّاءلون به" يريد: تتساءلون به، فأدْغم التاء عند السين.
كتاب الأخفش
قال تعالى {تَسَآءَلُونَ بِهِ} خفيفة لأنها من تساؤلهم فانههم "يَتَساءَلُونَ" فحذف التاء الأخيرة، وذلك كثير في كلام العرب نحو {تَكَلَّمُونَ} وان شئت ثقلّت فادغمت.
قال الله تعالى {وَٱلأَرْحَامَ} منصوبة أي: اتقوا الأَرْحام. وقال بعضهم {والأَرْحامِ} جرّ. والأوَّلُ أحسن لأنك لا تجري الظاهر المجرور على المضمر المجرور.
و [قال تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}] تقول من "الرقيب": "رَقَبَ" "يَرْقُبُ" "رَقْباً" و"رَقُوبا".
رأس الصفحة
التفسير
لقد تم اختيار التفسير الافتراضي للموقع كونك لم تقم بالدخول كمستخدم مسجل
سجل هنا
* تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري مصنف و مدقق
قال أبو جعفر: يعنـي بقوله تعالـى ذكره: { يَـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ }: احذروا أيها الناس ربكم فـي أن تـخالفوه فـيـما أمركم، وفـيـما نهاكم، فـيحلّ بكم من عقوبته ما لا قِبَل لكم به. ثم وصف تعالـى ذكره نفسه بأنه الـمتوحد بخـلق جميع الأنام من شخص واحد، وعرّف عبـاده كيف كان مبتدأ إنشائه ذلك من النفس الواحدة، ومنبههم بذلك علـى أن جميعهم بنو رجل واحد وأمّ واحدة، وأن بعضهم من بعض، وأن حقّ بعضهم علـى بعض واجب وجوب حقّ الأخ علـى أخيه، لاجتـماعهم فـي النسب إلـى أب واحد وأم واحدة. وأن الذي يـلزمهم من رعاية بعضهم حقّ بعض، وإن بعد التلاقـي فـي النسب إلـى الأب الـجامع بـينهم، مثل الذي يـلزمهم من ذلك فـي النسب الأدنى. وعاطفـاً بذلك بعضهم علـى بعض، لـيتناصفوا، ولا يتظالـموا، ولـيبذل القويّ من نفسه للضعيف حقه بـالـمعروف، علـى ما ألزمه الله له، فقال: { ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } يعنـي من آدم. كما: حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: أما { خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ }: فمن آدم صلى الله عليه وسلم. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { يَـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } يعنـي: آدم صلى الله عليه وسلم. حدثنا سفـيان بن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن رجل، عن مـجاهد: { خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } قال: آدم. ونظير قوله: { مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } والـمعنـيّ به رجل، قول الشاعر:
أبوكَ خـلـيفَةٌ وَلَدتْهُ أُخْرَى وأنتَ خـلـيفةٌ ذاكَ الكَمالُ
فقال: «ولدته أخرى»، وهو يريد الرجل، فأنث للفظ الـخـلـيفة. وقال تعالـى ذكره: { مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } لتأنـيث «النفس» والـمعنى. «من رجل واحد» ولو قـيـل: «من نفس واحد»، وأخرج اللفظ علـى التذكير للـمعنى كان صوابـاً. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء }. يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: { وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } وخـلق من النفس الواحدة زوجها؛ يعنـي بـ «الزوج» الثانـي لها وهو فـيـما قال أهل التأويـل: امرأتها، حوّاء. ذكر من قال ذلك: حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: { وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } قال: حوّاء من قُصَيْرَى آدم وهو نائم، فـاستـيقظ فقال: «أثا» بـالنبطية امرأة. حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } يعنـي حوّاء خـلقت من آدم، من ضلع من أضلاعه. حدثنـي موسى بن هارون، قال: أخبرنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: أسكن آدم الـجنة، فكان يـمشي فـيها وَحِشاً لـيس له زوج يسكن إلـيها؛ فنام نومة، فـاستـيقظ فإذا عند رأسه امرأة قاعدة خـلقها الله من ضلعه، فسألها ما أنتِ؟ قالت امرأة، قال: ولـم خـلقتِ؟ قالت: لتسكن إلـي. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ألقـي علـى آدم صلى الله عليه وسلم السَّنة فـيـما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلـم، عن عبد الله بن العبـاس وغيره، ثم أخذ ضِلعاً من أضلاعه من شقه الأيسر، ولأم مكانه، وآدم نائم لـم يهبّ من نومته، حتـى خـلق الله تبـارك وتعالـى من ضلعه تلك زوجته حوّاء، فسوّاها امرأة لـيسكن إلـيها، فلـما كُشفت عنه السِّنة وهبّ من نومته رآها إلـى جنبه، فقال فـيـما يزعمون والله أعلـم: لـحمي ودمي وزوجتـي! فسكن إلـيها. ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السدّي: { وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } جعل من آدم حوّاء. وأما قوله: { وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء } فإنه يعنـي ونشر منهما يعنـي من آدم وحواء { رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً } قد رآهم، كما قال جلّ ثناؤه:
{كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ}
[القارعة: 4]. يقال منه: بثّ الله الـخـلق وأبثهم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك: حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً } وبثّ: خَـلَق. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ }. اختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأه عامة قراء أهل الـمدينة والبصرة: «تَسَّاءَلُونَ» بـالتشديد، بـمعنى: تتساءلون، ثم أدغم إحدى التاءين فـي السين، فجعلهما سيناً مشددة. وقرأه بعض قراء الكوفة: { تَسَاءلُونَ } بـالتـخفـيف علـى مثال «تَفَـاعَلُونَ»، وهما قراءتان معروفتان، ولغتان فصيحتان، أعنـي التـخفـيف والتشديد فـي قوله: { تَسَاءلُونَ بِهِ } ، وبأيّ ذلك قرأ القارىء أصاب الصواب فـيه، لأن معنى ذلك بأيّ وجهيه قرىء غير مختلف. وأما تأويـله: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } أيها الناس، الذي إذا سأل بعضكم بعضاً سأل به، فقال السائل للـمسؤول: أسألك بـالله، وأنشدك بـالله، وأعزم علـيك بـالله، وما أشبه ذلك. يقول تعالـى ذكره: فكما تعظّمون أيها الناس ربكم بألسنتكم، حتـى تروا أن من أعطاكم عهده فأخفركموه، فقد أتـى عظيـماً، فكذلك فعظموه بطاعتكم إياه فـيـما أمركم، واجتنابكم ما نهاكم عنه، واحذروا عقابه من مخالفتكم إياه فـيـما أمركم به أو نهاكم عنه. كما: حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك فـي قوله: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ } قال: يقول: اتقوا الله الذي تعاقدون وتعاهدون به. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ } يقول: اتقوا الله الذي به تعاقدون وتعاهدون. حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس، مثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: أخبرنا حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: { تَسَاءلُونَ بِهِ } قال: تعاطفون به. وأما قوله: { وَٱلأَرْحَامَ } فإن أهل التأويـل اختلفوا فـي تأويـله، فقال بعضهم: معناه: واتقوا الله الذي إذا سألتـم بـينكم، قال السائل للـمسؤول: أسألك به وبـالرحم. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن إبراهيـم: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ } يقول: اتقوا الله الذي تعاطفون به والأرحام. يقول: الرجل يسأل بـالله وبـالرحم. حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، عن مغيرة، عن إبراهيـم، قال: هو كقول الرجل: أسألك بـالله، أسألك بـالرحم. يعنـي قوله: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ }. حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ ٱلأَرْحَامِ } قال: يقول: أسألك بـالله وبـالرحم. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا هشيـم، عن مغيرة، عن إبراهيـم، هو كقول الرجل: أسألك بـالرحم. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ } قال: يقول: أسألك بـالله وبـالرحم. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحمانـي، قال: ثنا شريك، عن منصور أو مغيرة، عن إبراهيـم فـي قوله: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ } قال: هو قول الرجل: أسألك بـالله والرحم. ـ حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن معمر، عن الـحسن، قال: هو قول الرجل: أنشدك بـالله والرحم. قال مـحمد: وعلـى هذا التأويـل قول بعض من قرأ قوله: «والأرْحامِ» بـالـخفض عطفـاً بـالأرحام علـى الهاء التـي فـي قوله «به»، كأنه أراد: واتقوا الله الذي تساءلون به وبـالأرحام، فعطف بظاهر علـى مكنـيّ مخفوض. وذلك غير فصيح من الكلام عند العرب لأنها لا تنسق بظاهر علـى مكنـي فـي الـخفض إلا فـي ضرورة شعر، وذلك لضيق الشعر؛ وأما الكلام فلا شيء يضطرّ الـمتكلـم إلـى اختـيار الـمكروه من الـمنطق والرديء فـي الإعراب منه. ومـما جاء فـي الشعر من ردّ ظاهر علـى مكنـيّ فـي حال الـخفض قول الشاعر:
نُعَلِّقُ فِـي مِثْلِ السَّوَارِي سُيُوفَنا وَما بـينها وَالكَعْبِ غُوطٌ نَفـانِفُ
فعطف «الكعب» وهو ظاهر علـى الهاء والألف فـي قوله «بـينها» وهي مكنـية. وقال آخرون: تأويـل ذلك: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ } واتقوا الأرحام أن تقطعوها. ذكر من قال ذلك: حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ فـي قوله: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ } يقول: اتقوا الله، واتقوا الأرحام لا تقطعوها. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } ذكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " اتَّقُوا اللَّهَ وَصِلُوا الأرْحامَ، فإنَّهُ أبْقَـى لَكُمْ فِـي الدُّنـيْا، وَخَيْرٌ لَكُمْ فِـي الآخِرَةِ " حدثنـي علـيّ بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس فـي قول الله: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ } يقول: اتقوا الله الذي تساءلون به، واتقوا الله فـي الأرحام فصلوها. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا هشيـم، عن منصور، عن الـحسن فـي قوله: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ } قال: اتقوا الله الذي تساءلون به، واتقوه فـي الأرحام. حدثنا سفـيان، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن خصيف، عن عكرمة فـي قول الله: { ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ } قال: اتقوا الأرحام أن تقطعوها. حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الـحسن فـي قوله: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ } قال: هو قول الرجل: أنشدك بـالله والرحم. حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال: " اتَّقُوا اللَّهَ وَصِلُوا الأرْحامَ " حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ } قال: اتقوا الأرحام أن تقطعوها. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنـي أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك فـي قوله: { ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ } قال: يقول: اتقوا الله فـي الأرحام فصِلوها. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ } قال: يقول: واتقوا الله فـي الأرحام فصِلوها. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبـي حماد، وأخبرنا أبو جعفر الـخزاز، عن جويبر، عن الضحاك، أن ابن عبـاس كان يقرأ: { وَٱلأَرْحَامَ } يقول: اتقوا الله لا تقطعوها. حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: اتقوا الأرحام. حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قال: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ } أن تقطعوها. حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ } واتقوا الأرحام أن تقطعوها. وقرأ:
{وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ}
[الرعد: 21]. قال أبو جعفر: وعلـى هذا التأويـل قرأ ذلك من قرأه نصبـاً، بـمعنى: واتقوا الله الذي تساءلون به، واتقوا الأرحام أن تقطعوها، عطفـاً بـالأرحام فـي إعرابها بـالنصب علـى اسم الله تعالـى ذكره. قال: والقراءة التـي لا نستـجيز للقارىء أن يقرأ غيرها فـي ذلك النصب: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ } بـمعنى: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، لـما قد بـينا أن العرب لا تعطف بظاهر من الأسماء علـى مكنـيّ فـي حال الـخفض، إلا فـي ضرورة شعر، علـى ما قد وصفت قبل. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }. قال أبو جعفر: يعنـي بذلك تعالـى ذكره: إن الله لـم يزل علـيكم رقـيبـاً. ويعنـي بقوله: { عَلَيْكُمْ }: علـى الناس الذين قال لهم جلّ ثناؤه: يا أيها الناس اتقوا ربكم والـمخاطب والغائب إذا اجتـمعا فـي الـخبر، فإن العرب تـخرج الكلام علـى الـخطاب، فتقول إذا خاطبت رجلاً واحداً أو جماعة فعلتْ هي وآخرون غيّب معهم فعلاً: فعلتـم كذا، وصنعتـم. كذا ويعنـي بقوله: { رَقِيباً }: حفـيظاً، مـحصياً علـيكم أعمالكم، متفقداً رعايتكم حرمة أرحامكم وصلتكم إياها، وقطعكموها وتضيـيعكم حرمتها. كما: حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }: حفـيظاً. حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد فـي قوله: { إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } علـى أعمالكم، يعلـمها ويعرفها. ومنه قول أبـي دؤاد الإيادي:
كمَقاعِدِ الرُّقَبـاءِ للضُّرَبـاءِ أيدِيهِمْ نَوَاهِدْ
رأس الصفحة
الأحكام
كتاب الكيا الهراسي
1) صلة الرحم
قوله تعالى:
{واتّقوا اللهَ الّذي تَساءلونَ بهِ والأرْحامَ} الآية [1].
يدل على تأكيد الأمر في صلة الرحم, والمنع من قطيعتها, وهي اسم لكافة الأقارب من غير فرق بين المحرم وغيره, وأبو حنيفة يعتبر الرحم المحرم في منع الرجوع في الهبة, ويجوز الرجوع في حق بني الأعمام, مع أن القطيعة موجودة والقرابة حاصلة, ولذلك تعلق بها الإرث والولاية وغيرهما من الأحكام, فاعتبار المحرم زيادة على نص الكتاب من غير مستند, وهم يرون ذلك نسخاً, سيما وفيه إشارة إلى التعليل بالقطيعة, وقد جوزها في حق بني الأعمام وبني الأخوال والخالات.
كتاب ابن العربي
1) المواريث
2) صلة الرحم
قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} [الآية:1].
المعنى اتقُوا الله أن تعصوه، واتَّقوا الأرحام أن تَقْطعوها.
ومن قرأ والأرحامِ فقد أكَّدها حتى قرنها بنفسه.
وقد اتفقت الملة أنَّ صلة ذَوِي الأرحام واجبةٌ وأنَّ قطيعتها محرَّمة، وثبت أنَّ أسماء بنت أبي بكر قالت: "إنَّ أُمي قدمت عليّ راغبة وهي مشركة أَفَأَصِلُها؟ قال نعم، صِلِي أمَّك".
فلتأكيدها دخل الفَضْل في صلة الرحم الكافرة، فانتهى الحالُ بأبي حنيفة وأصحابه إلى أن يقولوا: إنَّ ذوِي الأرحام يتوارثون، ويُعْتَقُون على مَنِ اشتراهم مِن ذوي رحمهم، لِحُرْمة الرحم وتأكيداً للبعضية، وعضد ذلك بما رواه أبو هريرة وغيره أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ ملك ذا رَحِم محرَّم فهو حُرّ".
قال علماؤنا: وما بينهم من تعصبة وما يجب للرحم عليهم من صلة معلومٌ عقلاً مؤكّد شرعاً، لكن قضاء الميراث قد أحكمته السنّةُ والشريعة، وبيَّنت أعيان الوارثين، ولو كان لهم في الميراث حظٌّ لفصّل لهم، أما الحكم بالعِتْق فقد نقضوه، فإنهم لم يعلقوه بالرحم المطلقة حسبما قَضَى ظاهِرُ القرآن، وإنما أناطُوه برحم المحرمية؛ وذلك خروج عن ظاهر القرآن وتعلُّقٌ بإشارة الحديث.
وقد تكلمنا على ذلك فى مسائل الخلاف بما نكتتهُ أنه عموم خصَّصناه في الآباء والأولاد والإخوة على أحَدِ القولين، بدليل المعنى المقرر هنالك.
كتاب الجصاص
1) آداب (الرحم)
قال الله تعالى: {واتَّقُوا الله الَّذي تَسَاءَلُونَ بِهِ والأَرْحَامَ}. قال الحسن ومجاهد وإبراهيم: "هو قول القائل أسألك بالله وبالرحم"، وقال ابن عباس وقتادة والسدي والضحاك: "اتقوا الأرحام أن تقطعوها". وفي الآية دلالة على جواز المسألة بالله تعالى، وقد روى ليث عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَألَ باللهِ فَأَعْطُوهُ". وروى معاوية بن سويد بن مقرن عن البراء بن عازب قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع، منها إبرار القسم"؛ وهذا يدل على مثل ما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم "مَنْ سألكم بالله فأعْطُوه". وأما قوله: {والأَرْحَامَ} ففيه تعظيم لحقّ الرَّحِمِ وتأكيدٌ للنهي عن قطعها، قال الله تعالى في موضع آخر: {فهل عسيتم إن توليتم أَن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم} [محمد: 22]، فقرن قَطْعَ الرحم إلى الفساد في الأرض، وقال تعالى: {لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة} [التوبة:10]، قيل في الإِلّ إنه القرابة؛ وقال تعالى: {وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى} [النساء: 36].
وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم في تعظيم حرمة الرحم ما يواطىء ما ورد به التنزيل؛ رَوَى سفيان بن عيينة عن الزهري عن أبي سلمة بن عبدالرحمن عن عبدالرحمن بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله: أَنَا الرَّحْمنُ وهي الرَّحِمُ شَقَقْتُ لها اسْماً مِنِ اسْمي فَمَنْ وَصَلَها وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ". وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثني خالي حيان بن بشر قال: حدثنا محمد بن الحسن عن أبي حنيفة قال: حدثني ناصح عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما مِنْ شَيْءٍ أُطِيعَ اللهُ فِيهِ أَعْجَلُ ثَواباً مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ وما مِنْ عَمَلٍ عُصِيَ اللهُ بِهِ أَعْجَلُ عُقُوبَةً مِنَ البَغْي واليَمِينِ الفَاجِرَةِ". وحدثنا عبدالباقي قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا خالد بن خداش قال: حدثنا صالح المريّ قال: حدثنا يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الصَّدَقَةَ وصِلَةَ الرَّحِمِ يَزِيدُ الله بِهِمَا في العُمُرِ ويَدْفَعُ بهما مَيْتَةَ السُّوءِ ويَدْفَعُ الله بهما المَحْذُورَ والمَكْرُوهَ". وحدثنا عبدالباقي قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا الحميدي قال: حدثنا سفيان عن الزهري عن حميد بن عبدالرحمن بن عوف عن أمه أمّ كلثوم بنت عقبة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ على ذِي الرَّحِمِ الكَاشِح"، قال الحميدي: الكاشح العدو. ورواه أيضاً سفيان عن الزهري عن أيوب بن بشير عن حكيم بن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ على ذِي الرَّحِمِ الكَاشِح". وروت حفصة بنت سيرين عن الرباب عن سلمان بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصَّدَقَةُ عَلَى المُسْلِمِينَ صَدَقَةٌ وَعَلى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ لأنَّها صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ".
قال أبو بكر: فثبت بدلالة الكتاب والسنّة وجوب صلة الرحم واستحقاق الثواب بها، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم الصدقة على ذي الرحم اثنتين صدقةً وصِلَةً، وأخبر باستحقاق الثواب لأجل الرحم سوى ما يستحقه بالصدقة، فدل على أن الهِبَة لذي الرحم المحرم لا يصح الرجوع فيها ولا فسخها أباً كان الواهب أو غيره؛ لأنها قد جرت مجرى الصدقة في أن موضوعها القربة واستحقاق الثواب بها، كالصدقة لما كان موضوعها القربة وطلب الثواب لم يصحّ الرجوع فيها، كذلك الهبة لذي الرحم المحرم؛ ولا يصح للأب بهذه الدلالة الرجوع فيما وَهَبَهُ للابن كما لا يجوز لغيره من ذوي الرحم المحرم، إذْ كانت بمنزلة الصدقة، إلا أن يكون الأبُ محتاجاً فيجوز له أخذه كسائر أموال الابن.
فإن قيل: لم يفرق الكتاب والسنة فيما أوجبه من صلة الرحم بين ذي الرحم المحرم وغيره، فالواجب أن لا يرجع فيما وهبه لسائر ذوي أرحامه وإن لم يكن ذا رحم محرم كابن العمّ والأباعد من أرحامه. قيل له: لو اعتبرنا كل من بَيْنَهُ وبَيْنَه نسبٌ لوجب أن يشترك فيه بنو آدم عليه السلام كلهم؛ لأنهم ذوو أنسابه ويجمعهم نوح النبي عليه السلام وقبله آدم عليه السلام، وهذا فاسدٌ فوجب أن يكون الرحم الذي يتعلق به هذا الحكم هو ما يمنع عقد النكاح بينهما إذا كان أحدهما رجلاً والآخر امرأة؛ لأن ما عدا ذلك لا يتعلق به حكم وهو بمنزلة الأجنبيين؛ وقد روى زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك قال: أتيت النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو يخطب بمِنًى وهو يقول: "أُمَّكَ وأَبَاكَ وأُخْتَكَ وأَخَاكَ ثُمَّ أَدْنَاكَ فَأَدْنَاكَ"، فذكر ذوي الرحم المحرم في ذلك، فدلّ على صحة ما ذكرنا. وهو مأمور مع ذلك بمن بعُدَ رَحِمُهُ أن يَصِلَهُ، وليس في تأكيد من ضرب كما يؤمر بالإحسان إلى الجار، ولا يتعلق بذلك حكم في التحريم ولا في منع الرجوع في الهبة، فكذلك ذوو رحمه الذين ليسوا بمحرم فهو مندوب إلى الإحسان إليهم ولكنه لما لم يتعلق به حكم التحريم كانوا بمنزلة الأجنبيين؛ والله أعلم بالصواب.
إرسال تعليق