(سبب النزول) ، (القول في آية التسمية وبيان نزولها -->
مدونة بلوجر  مدونة بلوجر
أخر الأخبار

أخر الأخبار

أخر الأخبار
التسميات
جاري التحميل ...
التسميات

(سبب النزول) ، (القول في آية التسمية وبيان نزولها

سبب النزول القولُ في آية التسمية وبيان نزولها أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم المقري، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد الجرجاني، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الرحمن الجوهري، حدَّثنا محمد بن يحيى بن مَنْدَه، حدَّثنا أبو كُرَيْب، حدَّثنا عثمان بن سعيد، حدَّثنا بشر بن عمارة عن أبي رَوْق، عن الضحاك عن ابن عباس، أنه قال: أول ما نزلَ به جبريل على النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يا محمد استعذ ثم قل: {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}. أخبرنا أبو عبد الله بن [أبي] إسحاق، حدَّثنا إسماعيل بن أحمد الخلاَّلي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن زيد البجلي، حدَّثنا أبو كُرَيب. حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يعرف ختم السورة حتى ينزل عليه {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}. أخبرنا عبد القاهر بن طاهر البغدادي، أخبرنا محمد بن جعفر بن مطر، أخبرنا إبراهيم بن علي الذُّهلي، حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا عمرو بن الحجاج العبدي، عن عبد الله بن أبي حسين، ذكر عن عبد الله بن مسعود قال: كنا لا نعلم فصل ما بين السورتين حتى تنزل {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}. أخبرنا سعيد بن محمد بن أحمد بن جعفر، أخبرنا جدي، أخبرنا أبو عمرو أحمد بن محمد الْحَرشِيّ، حدَّثنا محمد بن يحيى، حدَّثنا محمد بن عيسى بن أبي فُدَيْك، عن عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر قال: نزلت {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}. في كل سورة. القول في سورة الفاتحة اختلفوا فيها: فعند الأكثرين: هي مكية من أوائل ما نزل من القرآن. أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد بن أحمد الزاهد، أخبرنا جدي، أخبرنا أبو عمرو الحِيرِي؛ حدَّثنا إبراهيم بن الحارث وعلي بن سهل بن المغيرة قالا: حدَّثنا يحيى بن [أبي] بكير، حدَّثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي مَيْسَرَة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا برز سمع منادياً يناديه: يا محمد، فإذا سمع الصوت انطلق هارباً، فقال له ورقة بن نوفل: إذا سمعت النداء فاثبت حتى تسمع ما يقول لك. قال: فلما برز سمع النداء: يا محمد، فقال: لبيك، قال: قل: أشهد أن لا إله إلاَّ الله أشهد وأن محمداً رسول الله، ثم قال: قل: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} حتى فرغ من فاتحة الكتاب. وهذا قول علي بن أبي طالب. أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد المفسر، أخبرنا الحسن بن جعفر المفسر، قال: أخبرنا أبو الحسن بن محمد بن محمود المَرْوَزِيّ، حدَّثنا عبد الله بن محمود السعدي، حدَّثنا أبو يحيى القَصْرِي، حدَّثنا مروان بن معاوية عن العلاء بن المسيب، عن الفضيل بن عمرو، عن علي بن أبي طالب قال: نزلت فاتحة الكتاب بمكة من كنز تحت العرش. وبهذا الإسناد عن السعدي: حدَّثنا عمرو بن صالح، حدثنا أبي، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. فقالت قريش: دَقَّ الله فاك أو نحو هذا، قاله الحسن وقتادة. وعند مجاهد: أن الفاتحة مدنية. قال الحسين بن الفضل: لكل عالم هفوة، وهذه بادرة من مجاهد؛ لأنه تفرد بهذا القول، والعلماء على خلافه. ومما يقطع به على أنها مكيه قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ} يعني الفاتحة. أخبرنا محمد بن عبد الرحمن النحوي، أخبرنا محمد بن أحمد بن علي الحيري، أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى، حدَّثنا يحيى بن أيوب، حدَّثنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرأ عليه أبيّ بن كعب أُمَّ القرآن فقال: والذي نفسي بيده، ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلَها، إنها لَهِيَ السبعُ المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته. وسورة "الحجر" مكية بلا اختلاف، ولم يكن الله ليمتن على رسوله بإيتائه فاتحة الكتاب وهو بمكة ثم ينزلها بالمدينة. ولا يسعنا القول: بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام بمكة بضع عشرة سنة يصلي بلا فاتحة الكتاب. هذا مما لا تقبله العقول. رأس الصفحة النسخ في الآية لم يرد في المرجع ناسخ ومنسوخ للآية رقم ( 1 ) من سورة ( الفاتحة ) رأس الصفحة المواضيع الواردة في الآية الموضوع العنوان أسماء اللَه الحسنى الرحمن أسماء اللَه الحسنى الرحيم الله جلّ جلاله الرحمن، الرحيم، الرءوف، الغفور الحمد الحمد لله مفتتح بعض سور القرآن رأس الصفحة فضائل السورة كتاب الجامع الصحيح للامام مسلم [حدثنا حسن بن الربيع وأحمد بن جواس الحنفي. قالا: حدثنا أبو الأحوص عن عمار بن رزيق، عن عبد الله بن عيسى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم. سمع نقيضاً من فوقه. فرفع رأسه. فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم. لم يفتح قط إلا اليوم. فنزل منه ملك. فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض. لم ينزل قط إلا اليوم. فسلم وقال: أبشر بنورين أُوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك. فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة. لن تقرأ بحرف منهما إلا أُعطيته]. رأس الصفحة الإعراب الحمدُ للِه وَحْدَهُ وصلواتُهُ على سَيدنا محمد وآلِهِ قال أبو 2/أ جعفر أحمد بن محمد بن اسماعيل النحوي المعروف بالنحاس: هذا كتابٌ أذكرفيه إن شاء الله إعرابَ القرآن، والقراءات التي تحتاجُ أنْ يُبَيَّنُ إعرابها والعلَل فيها ولا أُخليهِ من اختلافِ النحويين، وما يُحتاجُ إليه من المعاني وما أجازَهُ بعضُهم ومَنَعهُ بعضُهم وزيادات في المعاني وشرح لها، ومن الجموعِ واللغاتِ، وسوق كل لغة الى أصحابها ولَعلَّهُ يَمُرُّ الشيء غَيْر مُشبعٍ فيَتوهَّمُ متصفحه أنّ ذلك لإغفالٍ وإنما هو لأنّ له موضعاً غير ذلك. ومذهبنا الإِيجاز والمجيء بالنكتة في موضِعهَا من غَيرِ إطالة وقَصدُنا في هذا الكتاب الاعراب وما شاكله بعون الله وحسن توفيقه. قال أبو جعفر: حَدّثنا أبو الحسن أحمد بن سعيدٍ الدمشقي عن عبد الخالق عن أبي عُبيدٍ قال: حدثنا عَبّاد بنُ عَبّاد المُهَلَّبي عن واصل مولى أبي عُيينَة قال: قال عُمر بنُ الخطاب رضي الله عنه: تَعَلّموا إعرابَ القُرآن كما تتعَلّمون حِفظَه. فمن ذلك: {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}. (اسم) مخفوض بالباء الزائدة، وقال أبو اسحاق: وكسرت الباء ليفرق بين ما يخفض وهو حرف لا غير وبين ما يخفض وقد يكون اسماً نحو الكاف ويقال: لِمَ صارت الباء تخفض؟ فالجواب عن هذا وعن جميعِ حُروفِ الخفض أنّ هذه الحروف ليس لها معنى إلاّ في الأسماء وهو الحفص والبصريون القدماء يقولون: الجر، وموضع الباء وما بعدَها عند الفراء نصب بمعنى ابتدَأتُ {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} أو أبدأُ {بسم الله الرحمن الرحيم}، وعند البصريين رفع بمعنى ابتدائي بسم الله، وقال عليُّ بنُ حمزة الكسائي: الباء لا موضع لها من الاعراب والمرور واقع على مجهول إذا فلت: مَررتُ بزيدٍ. والألف في اسم ألف وصل لأنك تقول: سُمَيّ فلهذا حُذفتْ من اللفظ. وفي حذفها من الخط أربعة أقوال: قال الفراء: لكثرة الاستعمال وَحُكِيَ لأنّ الباء لا تنفصل، وقال الأخفش سعيد: حُذفَت لأنها ليست من اللفظ، والقول الرابع أن الأصلَ سِمٌ وسُمٌ أنشد أبو زيد: * بِسْمِ الذِي في كلِّ سُورَةٍ سُمُه * بالضم أيضاً، فيكون الأصل سُما ثم جئتَ بالباء فصار بِسِم ثم حذفت الكسرة فصار بِسْم، فعلى هذا القول لم يكن فيه ألف قط والأصل في اسم فِعْلٌ لا يكون إلا ذلك لِعلةٍ أوجبته وجمعه أسماء، وجمع أسماء أسَامِي. وأضفتَ اسِماً إلى الله جل وعز، والألف في الله جل وعز ألفُ وصل على قولِ من قال: الأصل لاَهٌ. ومن العرب من يقطعها فيقول: بِسْم اللِه، للزومها كألف القطع. {الرَّحْمٰنِ} نعت لله تعالى ولا يُثنَّى ولا يُجمعُ لأنه لا يكون إلاّ لله جل وعز، وأدغمت اللام في الراء لقربها منها وكثرة لام التعريف. {الرَّحِيـمِِ} نعت أيضاً، وجمعه رُحَمَاء. وهذه لغة أهل الحجازِ وبني أسد وقيس وربيعة، وبنو تميم يقولون: رِحِيمٌ ورِغيفٌ وبِعيرٌ، ولك أن تُشّمِ الكسر في الوقف وأن تسكن، والاسكان في المكسور أجود والأشمام في المضموم أكثر. ويجوز النصب في {الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} على المدحِ، والرفع على إضمار مبتدأ، ويجوز خفض الأول ورفع الثاني، ورفع أحدِهِما ونصب الآخر. رأس الصفحة المعاني كتاب النحاس ممَّا قصدنا له قوله عزوجل: {بِسْمِ ٱللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} قال أكثر البصريين: المعنى: أولُ ما افتتح بـ "بسم اللهِ" وأوَّل كلامي "بِسمِ اللهِ". قال سيبويه: معنى الباء: الإلصاق. قال الفراء: موضع الباءِ نَصْبٌ، والمعنى: بدأتُ باسمِ اللهِ، وأبدأُ باسم الله. وفي اشتقاق "اسم" قولان: أحدهما: من السُّمُوِّ، وهو العُلُوِّ، والارتفاعُ، فقيل: اسمٌ لأَنَّ صاحبَه بمنـزِلة المرتفِعِ بهِ. وقيل: وهو من وَسَمْتُ، فقيل: اسمٌ لأنَّه لصاحبه بمنـزلة السِّمَةِ، أي يُعْرفُ به. والقول الثاني خطأ، لأنَّ السَّاقطَ منه لامُه، فصحَّ أنه من سَمَا يَسْمُو. قال أحمد بن يحيى: يُقال: سِمٌ، وسَمٌ، ويُقال: إِسْمٌ بكسر الألف، ويُقال: بضمِّها. فمن ضمَّ الألف أخذه من سموتُ أسمو. ومن كسر أخذه من سَمَيْتُ أسمي. قال الكسائي والفَرَّاءُ: معنى "بسمِ اللهِ" باسم الإِله، وتركوا الهمزة وادغموا اللاَّم الأولى في الثانية، فصارت لاماً مشددةَ، كما قال جلَّ وعز {لَّٰكِنَّاْ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي} ومعناه: "لَكِنْ أَنَا هُوَ اللهُ رَبِّي" كذلك قرأها الحسن. ولسيبويه في هذا قولان: أحدهما: أن الأصل إلهٌ، ثم جيء بالألف واللام عوضاً من الهمزة، وكذلك الناسُ عنده الأصلُ فيه أناسٌ. والقول الآخر: هو أيضاً قول أصحابه، أن الأصل لاَهٌ، ثم دخلت عليه الألفُ واللامُ، وأنشدوا: لاَهِ ابنُ عَمِّكَ لاَ أَفْضَلْتَ فِي حَسَبٍ * عَنِّي وَلاَ أَنْتَ دَيَّانِي فَتَخْزُونِي ويُسألُ عن التكرير في قوله عزوجل: {الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}. فرُوي عن ابن عباس أنه قال: {الرَّحْمٰنُ الرَّحِيـمُ} اسمان رقيقان، أحدهما ارقُّ من الآخر، فالرحمنُ الرَّقيقُ، والرَّحيمُ العاطفُ على خلقه بالرزق. قال محمد بن كعب القُرَظي: "الرَّحمنُ" بخلقه "الرحيم" بعباده فيما ابتدأهم به، من كرامته، وحُجَّته. وقال عطاء الخرساني: كان الرحمن، فلما اختزل الرحمنُ من أسمائه صار "الرحمن الرحيم". وقال العَرْزَمِي: "الرحمن" بجميع الخلق "الرحيم" بالمؤمنين. وقال أبو عبيدة: هما من الرحمة. كقولهم: ندمان ونديم. وقال قطرب: يجوز أن يكون جمع بينهما للتوكيد. وهذا قولٌ حسنٌ، وفي التوكيد أعظم الفائدة، وهو كثير في كلام العرب، يستغني عن الاستشهاد. والفائدة في ذلك ما قاله محمد بن يزيد: إنه تفضّلٌ بعد تفضِّلٍ، وإنعامٌ بعد إنعام، وتقويةٌ لمطامع الداعين، ووعدٌ لا يخيب آمله. وقول العَرْزَمِيِّ أيضاً حسن، لأنَّ "فَعْلاَن" فيه معنى المبالغة، فكأنه - والله أعلمُ - الرحمنُ بجميع خلقه، ولهذا لم يقع إلاَّ للَّهِ تعالى، لأن معناه: الذي وسِعت رحمتُه كلَّ شيءٍ. ولهذا قُدِّم قبل "الرحيم". وصار "الرحيمُ" أولى من الراحم، لأن "الرحيم" ألزمُ في المدح، لأنه يدل على أن الرحمةَ لازمة له، غيرُ مفارقةٍ، والرَّاحمُ يقع لمن رحمَ مرَّةً واحدة. وقال أحمد بن يحيى: "الرحيمُ" عربيٌّ، و"الرَّحْمَنُ" عبرانيٌّ، فلهذا جُمع بينهما. وهذا القولُ مرغوبٌ عنه. ورَوَى مطرٌ عن قتادة في قوله: {بِسْمِ ٱللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} قال: مَدَح نفسَهُ. وهذا قول حسن. قال أبو العباس: النَّعْتُ قد يقع للمدح، كما تقول: قال جريرٌ الشَّاعر. كتاب الأخفش {بِسْمِ اللهِِِِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}: "اسم" [في التسمية] صلة زائدة، زيدت ليخرج بذكرها من حكم القسم الى قصد التبرّك, لان اصل الكلام "بالله" وحذفت الألف من "بسم" من الخط تخفيفاً لكثرة الاستعمال واستغناء عنها بباء الالصاق في اللفظ والخط فلو كتبت "باسم الرحمن" او "باسم القادر" أو "باسم القاهر" لم تحذف الالف. والألف في "اسم" ألف وصل، لانك تقول: "سُمْيّ" وحذفت لانها ليست من اللفظ. (اب) اسمٌ، لانك تقول اذا صغّرته: "سُمَيّ"، فتذهب الاف. وقوله: {وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ}، وقوله: {وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً} فهذا موصول لانك تقول: "مُرَيَّة" و "ثُنَيَّا عشر" . و [قوله]: {فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً} موصول: لانك تقول: "ثُنَيَّتا عشرةَ"، وقال: {إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا}، وقال: {مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ}، لانك تقول في "اثنين": "ثُنَيِّيّن" وفي "آمرىء": "مُرَىّءِ" فتسقط الالف. وانما زيدت لسكون الحرف الذي بعدها لما ارادوا استئنافه فلم يصلوا الى الابتداء بساكن، فأحدثوا هذه الالف ليصلوا الى الكلام بها. فاذا اتصل [الكلام] بشيء قبله استغنى عن هذه الالف. وكذلك كل الف كانت في اول فعل او مصدر، وكان "يَفْعل" من ذلك الفعل ياؤه مفتوحة فتلك ألف وصل نحو قوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} {ٱهْدِنَا}. لانك تقول: "يَهْدِي" فالياء مفتوحة. وقوله: { أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ} و [قوله]: {يٰهَامَانُ ٱبْنِ لِي صَرْحاً}، وقوله: {عَذَابٌ [41] ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ}، وأشباه هذا في القرآن كثيرة. والعلة فيه كالعلّة في "اسم"، و "اثنين" وما أشبهه، لانه لما سكن الحرف الذي في اول الفعل جعلوا فيه هذه الالف ليصلوا الى الكلام به اذا استأنفوا. وكل هذه الالفات (2ء) اللواتي في الفعل اذا استأنفتهنّ مكسورات، فاذا استأنفت قلت {ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ}, {ٱبْنِ لِي}, {ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ}، الا ما كان منه ثالث حروفه مضموما فانك تضم أوله اذا استأنفت، تقول: {ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ}، وتقول{ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً}. وانما ضمت هذه الالف اذا كان الحرف الثالث مضموماً لانهم لم يروا بين الحرفين إلا حرفاً ساكنا, فثقل عليهم ان يكونوا في كسر ثم يصيروا الى الضم. فارادوا أن يكونا جميعاً مضمومين اذا كان ذلك لا يغير المعنى. وقالوا في بعض الكلام في "المُنْتِن": مِنْتِن". وانما هي من ""أنتن" فهو "مُنْتِن"، مثل "أكرم" فهو "مُكْرِم". فكسرو الميم لكسرة التاء. وقد ضم بعضهم التاء فقال "مُنْتُن" لضمة الميم. وقد قالوا في "النَقِد": "النِقِد" فكسروا النون لكسرة القاف. وهذا ليس من كلامهم الا فيما كان ثانيه احد الحروف الستة نحو "شعير". والحروف الستة: الخاء والحاء والعين والغين والهمزة والهاء وما كان على "فُعِلَ" مما في أوله هذه الالف الزائدة فاستئنافه ايضاً مضموم نحو: {ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ} لان أول "فُعِلَ" ابداً مضموم، [2ب] والثالث من حروفها ايضاً مضموم. وما كان على "أَفعَلُ أنا" فهو مقطوع الالف وإن كان من الوصل، لأن "أَفْعَلُ" فيها ألف سوى ألف الوصل، وهي نظيرة الياء في "يَفْعَل". وفي كتاب الله عز وجل {ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، و {أَنَاْ آتِيكَ بِهِ}و {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي}. وما كان من نحو الالفات اللواتي ليس معهن اللام في أول اسم، وكانت لا تسقط في التصغير فهي مقطوعة تكون في الاستئناف على حالها في الاتصال نحو قوله: {هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ}، وقوله {يَٰأَبَانَآ}، وقوله، {إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ}، و {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا} {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ}, لانها اذا صغرت ثبتت الالف فيها، تقول في تصغير "إحدى": "أُحَيْدى"، و "أحَد": "أُحَيْد", و "أَبانا": "أُبَيُّنا" و كذلك "أُبَيّانِ" و "أُبَيُّونَ". وكذلك [الالف في قوله] {مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ}و {أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا}، لانك تقول في "الأنصار": "أُنَيْصار"، وفي "الأنباءِ": "أُبَيْناء" و "أُبَيْنُون". وما كان من الالفات في أول فعل أو مصدر، وكان "يَفْعل" من ذلك الفعل ياؤه مضمومة, فتلك الالف مقطوعة. تكون في الاستئناف على حالها في الاتصال، نحو قوله {بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ}، لأنك تقول: "يُنْزَل". فالياء مضمومة. و {رَبَّنَآ آتِنَا} تقطع لان الياء مضمومة، لأنك تقول: "يُؤْتِى". وقال {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}و {وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} لأنك تقول: "يُؤتِي"، و "يُحْسِن" [3ء]. وقوله: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي}، و {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} فهذه موصولة لأنك تقول: "يَأتي"، فالياء مفتوحة. وانما الهمزة التي في قوله: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ} همزة كانت من الاصل في موضع الفاء من الفعل، الا ترى انها ثابتة في "أتيت" وفي "أتى" لا تسقط. وسنفسر لك الهمز في موضعه إن شاء الله. وقوله: {آتِنَا} يكون من "آتى" و "آتاه الله"، كما تقول: "ذهب" و "أذهبه الله" ويكون على "أَعطنا". قال {فَآتِهِمْ عَذَاباً} على "فَعَل"و "أَفْعَلَهُ غيرُه". وأما قوله: {الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ ٱلْحَمْدُ} فوصلت هذه الاسماء التي في أوائلها الالف واللام حتى ذهبت الالف في اللفظ. وذلك لان كل اسم في أوله ألف ولام زائدتان فالالف تذهب اذا اتصلت بكلام قبلها. واذا استأنفتها كانت مفتوحة ابداً لتفرق بينها وبين الالف التي تزاد مع غير اللام, ولان هذه الالف واللام هما جميعاً حرف واحد كـ"قد" و "بل". وانما تعرف زيادتهما بأن تروم الفا ولاما اخريين تدخلهما عليهما، فان لم تصل الى ذلك عرفت انهما [3ب] زائدتان الاترى ان قولك "الحمدُ للّهِ" وقولك: "العالمين" وقولك "التي" و "الذي" "والله" لا تستطيع أن تدخل عليهن الفا ولاما أخريين؟ فهذا يدل على زيادتهما، فكلما اتصلتا بما قبلهما ذهبت الالف. الا أن توصل بالف الاستفهام فتترك مخففة، [و] لا يخفف فيها الهمزة الاناس من العرب قليل، وهو قوله {ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} وقوله {ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} وقوله {آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ}. وانما مدت في الاستفهام ليفرق بين الاستفهام والخبر. الا ترى انك لو قلت وأنت تستفهم: "الرجل قال كذا وكذا" فلم تمددها صارت مثل قولك "الرجل قال كذا وكذا" اذا اخبرت. وليس سائر الفات الوصل هكذا. قال{أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ}، وقال {أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ}. فهذه الالفات مفتوحة مقطوعة، لأنها ألف استفهام، وألف الوصل التي كانت في "اصطفى" [و "افترى"] قد ذهبت، حيث اتصلت الصاد [والفاء] بهذه الالف التي قبلها للاستفهام. وقال من قرأ هذه الآية {كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ} {أَتَّخَذْنَاهُمْ} فقطع الف "أَتخذناهم" فانما جعلها ألف استفهام وأذهب ألف الوصل التي كانت بعدها، لانها اذا اتصلت بحرف قبلها ذهبت. وقد قرىء هذا الحرف موصولا، وذلك انهم حملوا قوله {أَمْ زَاغَتْ [4ء] عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار}على قوله {مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ} {أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار}. وما كان من اسم في اوله الف ولام تقدر أن تدخل عليهما الفا ولاما أخريين، فالالف من ذلك مقطوعة تكون في الاستئناف على حالها في الاتصال، نحو قوله {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} لانك لو قلت "الإِله" فأدخلت عليها الفا ولاما جاز ذلك. وكذلك "أَلواح" و إلهام" و "إلقاء" مقطوع كله، لأنه يجوز ادخال الف ولام أخريين. فأما "إلى" فمقطوعة ولا يجوز ادخال الالف واللام عليها لأنها ليست باسم، وانما تدخل الالف واللام على الاسم. ويدلك على ان الالف واللام في "إلى" ليستا بزائدتين انك انما وجدت الالف واللام تزادان في الأسماء، ولا تزادان في غير الاسماء، مثل "إلى" و "أَلاَّ". ومع ذلك تكون الف "إلى" مكسورة والف اللام الزائدة لا تكون مكسورة. وأما قوله {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} فرفعه على الابتداء. وذلك ان كل اسم ابتدأته لم توقع عليه فعلا من بعده فهو مرفوع، وخبره ان كان هو هو فهو ايضاً مرفوع، نحو قوله {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ} وما أشبه ذلك. وهذه الجملة تأتي على جميع ما في القرآن من المبتدأ فافهمها. فانما رفع [4ب] المبتدأ ابتداؤك اياه، والابتداء هو الذي رفع الخبر في قول بعضهم [و] كما كانت "أنَّ" تنصب الاسم وترفع الخبر فكذلك رفع الابتداء الاسم والخبر. وقال بعضهم: "رفع المبتدأ خبره" وكل حسن، والأول أقيس. وبعض العرب يقول {ٱلْحَمْدَ للَّهِ} فينصب على المصدر، وذلك ان اصل الكلام عنده على قوله "حَمْداً لله" يجعله بدلا من اللفظ بالفعل، كأنه جعله مكان "أَحْمَدُ" ونصبه على "أَحْمَدُ" حتى كأنه قال: "أَحْمَدُ حَمْداً" ثم ادخل الالف واللام على هذه. وقد قال بعض العرب {ٱلْحَمْدِ للَّهِ} فكسره، وذلك أنه جعله بمنزلة الاسماء التي ليست بمتمكنة، وذلك ان الاسماء التي ليست بمتمكنة تحرّك اواخرها حركة واحدة لا تزول علتها نحو "حَيْثُ" جعلها بعض العرب مضمومة على كل حال، وبعضهم يقول "حَوْثُ" و "حَيْثَ" ضم وفتح. ونحو "قَبْلُ" و "بَعْدُ" جعلتا مضمومتين على كل حال. وقال الله تبارك وتعالى {لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} فهما مضموتان الا ان تضيفهما، فاذا اضفتهما صرفتهما. قال {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ} و {كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} و {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} وقال {مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ} وذلك ان قوله {أَن نَّبْرَأَهَآ} اسم أضاف اليه {قَبْل} [5ء] وقال {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ}. وذلك ان قوله {أَن نَّزغَ} اسم هو بمنزلة "النَزْغ"، لأن "أنْ" الخفيفة وما عملت فيه بمنزلة اسم، فأضاف اليها" بَعْد". وهذا في القرآن كثير. ومن الاسماء التي ليست بمتمكنة قال الله عز وجل {إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي} و {هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ} مكسورة على كل حال. فشبهوا "الحمدَ" وهو اسم متمكن في هذه اللغة بهذه الاسماء التي ليست بمتمكنة، كما قالوا "يا زيدُ". وفي كتاب الله {يٰهَامَانُ ٱبْنِ لِي صَرْحاً} هو في موضع النصب، لان الدعاء كلّه في موضع نصب، ولكن شبه بالاسماء التي ليست بمتمكنة فترك على لفظ واحد، يقولون: "ذهب أَمسِ بما فيه" و "لَقِيتهُ أمسِ يا فتى"، فيكسرونه في كل موضع في بعض اللغات. وقد قال بعضهم: "لَقِيتهُ الأمسِّ الأحدث" فجرّ أيضاً وفيه الف ولام، وذلك لا يكاد يعرف. وسمعنا من العرب من يقول: {أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتِ وَٱلْعُزَّىٰ}، ويقول: "هي اللاتِ قالت ذاك" فجعلها تاء في السكوت، و "هي اللاتِ فاعلم" جرّ في موضع الرفع والنصب. وقال بعضهم "من الآنَ إلى غد" فنصب لانه اسم غير متمكن. واما قوله: "اللاتِ فاعلم" [5ب] فهذه مثل "أمسِ" وأجود، لان الالف واللام التي في "اللات" لا تسقطان وان كانتا زائدتين. واما ما سمعنا في "اللات والعزى" في السكت عليها فـ"اللاه" لانها هاء فصارت تاءً في الوصل وهي في تلك اللغة مثل "كان من الأمر كيتِ وكيتِ". وكذلك "ههياتِ" في لغة من كسر. الا انه يجوز في "هيهات" ان تكون جماعة فتكون التاء التي فيها تاء الجميع التي للتأنيث، ولا يجوز ذلك في "اللاتِ"، لان "اللات" و "كيت" لا يكون مثلهما جماعة، لان التاء لا تزاد في الجماعة الا مع الألف فان جعلت الألف والتاء زائدتين بقي الاسم على حرف واحد. وزعموا ان من العرب من يقطع ألف الوصل. أخبرني من أثق به أنه سمع من يقول: "يا إِبني" فقطع. وقال قَيْس بن الخطيم [من الطويل وهو الشاهد الاول]. ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌اذا جاوز الإِثنين سرٌّ فإنّه * بنشرٍ وتكثيرِ الوشاة قمين وقال جميل: [من الطويل وهو الشاهد الثاني]: ألا لا أرى إِثنين أكرمَ شيمةً * على حدثانِ الدهر مني ومن جُمْلِ وقال الراجز: [وهو الشاهد الثالث]. يا نفسُ صبراً كلُّ حي لاق * وكلُّ إثنين إلى افتراق [6ء] وهذا لا يكاد يعرف. وقوله: {لِلَّهِ} جر باللام كما انجر قوله: {رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ } لانه من صفة قوله {للَّهِ}. فان قيل: "وكيف يكون جرّا وقد قال: {إِيّاك نَعْبُدُ [5]}. وأما فتح نون {ٱلْعَالَمِينَ} فانها نون جماعة، وكذلك كل نون جماعة [زائدة] على حدّ التثنية فهي مفتوحة.وهي النون الزائدة التي لا تغيّر الاسم عما كان عليه: نحو نون "مسلمين" و "صالحين" و "مؤمنين" فهذه النون زائدة لأنك تقول: "مسلم" و "صالح" فتذهب النون [6ب]، وكذلك "مؤمن" قد ذهبت النون الآخرة، وهي المفتوحة، وكذلك "بنون". ألا ترى [انك] انما زدت على "مؤمن" واوا ونونا, وياء ونونا, وهو على حاله لم يتغير لفظه، كما لم يتغير في التثنية حين قلت "مؤمنان" و "مؤمنين". الاّ انك زدت ألفا ونونا، أو ياء ونونا للتثنية. وانما صارت هذه مفتوحة ليفرق بينهما وبين نون الاثنين. وذلك أن نون الاثنين مكسورة أبدا. قال: {قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ} وقال {أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا} والنون مكسورة. وجعلت الياء للنصب والجرّ نحو "العالمينَ" و "المتقينَ", فنصبهما وجرهما سواء، كما جعلت نصب "الاثنينِ" وجرهما سواء، ولكن كسر ما قبل ياء الجميع وفتح ما قبل ياء الاثنين ليفرق ما بين الاثنين والجميع، وجعل الرفع بالواو ليكون علامة للرفع، وجعل رفع الاثنين بالالف. وهذه النون تسقط في الاضافة كما تسقط نون الاثنين، نحو قولك: "بنوك" "ورأيت مسلميك" فليست هذه النون كنون "الشياطين" و "الدهاقين" و "المساكين". لان "الشياطين" و "الدهاقين" و "المساكين" نونها من الاصل [7 ء] ألا ترى انك تقول: [شيطان] و "شُييطين" و "دِهقان" "دُهَيْقين" و "مِسْكين" و "مُسَيْكين" فلا تسقط النون. فأما "الذينَ" فنونها مفتوحة، لانك تقول: "الذي" فتسقط النون لانها زائدة، ولانك تقول في رفعها: "اللذون" لان هذا اسم ليس بمتمكن مثل "الذي". ألا ترى أن "الذي" على حال واحدة. الا انّ ناسا من العرب يقولون: "هم اللذون يقولون كذا وكذا". جعلوا له في الجمع علامة للرفع، لان الجمع لا بد له من علامة، واو في الرفع، وياء في النصب والجرّ وهي ساكنة. فأذهبت الياء الساكنة التي كانت في "الذي" لانه لا يجتمع ساكنان، كذهاب ياء "الذي" اذا ادخلت الياء التي للنصب، ولانهما علامتان للاعراب. والياء في قول من قال "هم الذين" مثل حرف مفتوح او مكسور بني عليه الاسم وليس فيه اعراب. ولكن يدلك على انه المفتوح او المكسور في الرفع والنصب والجر الياء التي للنصب والجرّ لأنها علامة للاعراب. وقد قال ناس من العرب "الشياطون" لانهم شبّهوا هذه الياء التي كانت في "شياطين" اذا كانت بعدها نون، وكانت في جميعٍ وقبلها كسرة، بياء الاعراب التي في الجمع. فلما صاروا الى الرفع ادخلوا الواو. وهذا يشبه "هذاجُحرُ ضبٍّ خَرِبٍ" [7ب] فافهم. رأس الصفحة التفسير لقد تم اختيار التفسير الافتراضي للموقع كونك لم تقم بالدخول كمستخدم مسجل سجل هنا * تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري مصنف و مدقق القول فـي تأويـل { بِسْمِ }. قال أبو جعفر: إن الله تعالـى ذكره وتقدست أسماؤه، أدّب نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم بتعلـيـمه تقديـم ذكر أسمائه الـحسنى أمام جميع أفعاله، وتقدم إلـيه فـي وصفه بها قبل جميع مهماته، وجعل ما أدبه به من ذلك وعلـمه إياه منه لـجميع خـلقه سنةً يستنون بها، وسبـيلاً يتبعونه علـيها، فـي افتتاح أوائل منطقهم وصدور رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم حتـى أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل «بسم الله»، علـى ما بطن من مراده الذي هو مـحذوف. وذلك أن البـاء من «بسم الله» مقتضيةٌ فعلاً يكون لها جالبـاً، ولا فعل معها ظاهر، فأغنت سامع القائل «بسم الله» معرفته بـمراد قائله من إظهار قائل ذلك مراده قولاً، إذ كان كل ناطق به عند افتتاحه أمراً قد أحضر منطقه به، إما معه وإما قبله بلا فصل، ما قد أغنى سامعه من دلالة شاهدة علـى الذي من أجله افتتـح قـيـله به. فصار استغناءُ سامع ذلك منه عن إظهار ما حذف منه، نظير استغنائه إذا سمع قائلاً قـيـل له: ما أكلت الـيوم؟ فقال: طعاماً، عن أن يكرّر الـمسؤول مع قوله «طعاماً» أكلت لـما قد ظهر لديه من الدلالة علـى أن ذلك معناه بتقدم مسألة السائل إياه عما أكل. فمعقول إذا أن قول القائل إذا قال: «بِسم الله الرحمن الرحيـم» ثم افتتـح تالـياً سورة، أن إتبـاعه «بسم الله الرحمن الرحيـم» تلاوةَ السورة، ينبىء عن معنى قوله: «بسم الله الرحمن الرحيـم» ومفهوم به أنه مريد بذلك أقرأُ بسم الله الرحمن الرحيـم. وكذلك قوله: «بسم الله» عند نهوضه للقـيام أو عند قعوده وسائر أفعاله، ينبىء عن معنى مراده بقوله «بسم الله»، وأنه أراد بقـيـله «بسم الله»: أقوم بسم الله، وأقعد بسم الله وكذلك سائر الأفعال. وهذا الذي قلنا فـي تأويـل ذلك، هو معنى قول ابن عبـاس، الذي: حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عبـاس، قال: إن أول ما نزل به جبريـل علـى مـحمد، قال: يا مـحمد، قل أستعيذ بـالسميع العلـيـم من الشيطان الرجيـم ثم قال: قل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيـمِ قال: قال له جبريـل: قل بسم الله يا مـحمد. يقول: اقرأ بذكر الله ربك، وقم واقعد بذكر الله. قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فإن كان تأويـل قوله «بسم الله» ما وصفت، والـجالب «البـاء» فـي «بسم الله» ما ذكرت، فكيف قـيـل «بسم الله»، بـمعنى «اقرأ بسم الله»، أو «أقوم أو أقعد بسم الله»؟ وقد علـمت أن كل قارىء كتاب الله، فبعون الله وتوفـيقه قراءتُه، وأن كل قائم أو قاعد أو فـاعل فعلاً، فبـالله قـيامُه وقعوده وفعله؟ وهلاّ إذا كان ذلك كذلك، قـيـل: «بالله الرحمن الرحيـم»، ولـم يقل «بسم الله» فإن قول القائل: أقوم وأقعد بـالله الرحمن الرحيـم، أو أقرأ بـالله، أوضح معنى لسامعه من قوله «بسم الله»، إذ كان قوله أقوم وأقعد بسم الله، يوهم سامعه أن قـيامه وقعوده بـمعنى غير الله. قـيـل له: إن الـمقصود إلـيه من معنى ذلك، غير ما توهمته فـي نفسك. وإنـما معنى قوله «بسم الله»: أبدأ بتسمية الله وذكره قبل كل شيء، أو أقرأ بتسمية الله، أو أقوم وأقعد بتسمية الله وذكره لا أنه يعنـي بقـيـله «بسم الله»: أقوم بـالله، أو أقرأ بـالله فـيكون قول القائل: «أقرأ بـالله»، أو«أقوم وأقعد بـالله»، أولـى بوجه الصواب فـي ذلك من قوله «بسم الله». فإن قال: فإن كان الأمر فـي ذلك علـى ما وصفتَ، فكيف قـيـل «بسم الله» وقد علـمت أن الاسم اسم، وأن التسمية مصدر من قولك سَمَّيت؟. قـيـل: إن العرب قد تـخرج الـمصادر مبهمةً علـى أسماء مختلفة، كقولهم: أكرمت فلاناً كرامةً، وإنـما بناء مصدر «أفعلتُ» إذا أُخرج علـى فعله: «الإفعالُ»، وكقولهم: أهنت فلاناً هواناً، وكلـمته كلاماً. وبناء مصدر «فعَّلت» التفعيـل، ومن ذلك قول الشاعر: أكُفْراً بَعْدَ رَدّ الـمَوْتِ عَنِّـي وبَعْدَ عَطائِكَ الـمِائَةَ الرِّتاعا يريد: إعطائك. ومنه قول الآخر: وَإنْ كانَ هَذا البُخْـلُ مِنْكَ سَجِيَّةً لَقَدْ كُنْتُ فـي طَوْلـي رَجاءَكَ أشْعَبـا يريد: فـي إطالتـي رجاءك. ومنه قول الآخر: أظَلُومُ إنَّ مُصَابَكُمْ رَجُلا أهْدَى السَّلامَ تَـحِيَّةً ظُلْـمُ يريد إصابتكم. والشواهد فـي هذا الـمعنى تكثر، وفـيـما ذكرنا كفـاية، لـمن وفق لفهمه. فإذا كان الأمر علـى ما وصفنا من إخراج العرب مصادر الأفعال علـى غير بناء أفعالها كثـيراً، وكان تصديرها إياها علـى مخارج الأسماء موجوداً فـاشياً، تبـين بذلك صواب ما قلنا من التأويـل فـي قول القائل: «بسم الله»، أن معناه فـي ذلك عند ابتدائه فـي فعل أو قول: أبدأ بتسمية الله، قبل فعلـي، أو قبل قولـي. وكذلك معنى قول القائل عند ابتدائه بتلاوة القرآن: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيـمِ» إنـما معناه: أقرأ مبتدئاً بتسمية الله، أو أبتدىء قراءتـي بتسمية الله فجعل الاسم مكان التسمية، كما جعل الكلام مكان التكلـيـم، والعطاء مكان الإعطاء. وبـمثل الذي قلنا من التأويـل فـي ذلك، رُوي الـخبر عن عبد الله بن عبـاس. حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق عن الضحاك، عن عبد الله بن عبـاس، قال: أول ما نزل جبريـل علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم، قال: يا مـحمد، قل أستعيذ بـالسميع العلـيـم من الشيطان الرجيـم ثم قال: قل بسم الله الرحمن الرحيـم. قال ابن عبـاس: «بسم الله»، يقول له جبريـل: يا مـحمد اقرأ بذكر الله ربك، وقم واقعد بذكر الله. وهذا التأويـل من ابن عبـاس ينبىء عن صحة ما قلنا من أنه يراد بقول القائل مفتتـحا قراءته: «بسم الله الرحمن الرحيـم»: أقرأ بتسمية الله وذكره، وافتتـح القراءة بتسمية الله، بأسمائه الـحسنى، وصفـاته العلـى وفسادِ قول من زعم أن معنى ذلك من قائله: بـالله الرحمن الرحيـم فـي كل شيء، مع أن العبـاد إنـما أمروا أن يبتدئوا عند فواتـح أمورهم بتسمية الله لا بـالـخبر عن عظمته وصفـاته، كالذي أمروا به من التسمية علـى الذبـائح والصيد، وعند الـمطعم والـمشرب، وسائر أفعالهم، وكذلك الذي أمروا به من تسميته عند افتتاح تلاوة تنزيـل الله وصدور رسائلهم وكتبهم. ولا خلاف بـين الـجميع من علـماء الأمة، أن قائلاً لو قال عند تذكيته بعض بهائم الأنعام: «بـالله»، ولـم يقل «بسم الله»، أنه مخالف بتركه قـيـل «بسم الله» ما سُنّ له عند التذكية من القول. وقد علـم بذلك أنه لـم يرد بقوله «بسم الله»، «بـالله» كما قال الزاعم أن اسم الله فـي قول الله: «بسم الله الرحمن الرحيـم»، هو الله لأن ذلك لو كان كما زعم، لوجب أن يكون القائل عند تذكيته ذبـيحته «بـالله» قائلاً ما سُنّ له منّ القول علـى الذبـيحة. وفـي إجماع الـجميع علـى أن قائل ذلك تارك ما سُنّ له من القول علـى ذبـيحته، إذْا لـم يقل «بسم الله»، دلـيـل واضح علـى فساد ما ادعى من التأويـل فـي قول القائل «بسم الله» أنه مراد به بـالله، وأن اسم الله هو الله. ولـيس هذا الـموضع من مواضع الإكثار فـي الإبـانة عن الاسم، أهو الـمسمى أم غيره أم هو صفة له؟ فنطيـل الكتاب به، وإنـما هذا موضع من مواضع الإبـانة عن الاسم الـمضاف إلـى الله، أهو اسم أم مصدر بـمعنى التسمية؟ فإن قال قائل: فما أنت قائل فـي بـيت لبـيد بن ربـيعة: إلـى الـحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَـيْكُمَا وَمَنْ يَبْكِ حَوْلاً كامِلاً فقَدِ اعْتَذَرْ فقد تأوّله مقدم فـي العلـم بلغة العرب، أنه معنـيّ به: ثم السلام علـيكما، وأن اسم السلام هو السلام. قـيـل له: لو جاز ذلك وصحّ تأويـله فـيه علـى ما تأوّل، لـجاز أن يقال: رأيت اسم زيد، وأكلت اسم الطعام، وشربت اسم الشراب. وفـي إجماع جميع العرب علـى إحالة ذلك ما ينبىء عن فساد تأويـل من تأوّل قول لبـيد: «ثم اسم السلام علـيكما»، أنه أراد: ثم السلام علـيكما، وادعائه أن ادخال الاسم فـي ذلك وإضافته إلـى السلام إنـما جاز، إذْ كان اسم الـمسمى هو الـمسمى بعينه. ويُسأل القائلون قول من حكينا قوله هذا، فـيقال لهم: أتستـجيزون فـي العربـية أن يقال أكلت اسم العسل، يعنـي بذلك أكلت العسل، كما جاز عندكم اسم السلام علـيك، وأنتـم تريدون السلام علـيك؟ فإن قالوا: نعم خرجوا من لسان العرب، وأجازوا فـي لغتها ما تـخطئه جميع العرب فـي لغتها. وإن قالوا لا سئلوا الفرق بـينهما، فلن يقولوا فـي أحدهما قولاً إلاّ ألزموا فـي الآخر مثله. فإن قال لنا قائل: فما معنى قول لبـيد هذا عندك؟ قـيـل له: يحتـمل ذلك وجهين، كلاهما غير الذي قاله من حكينا قوله. أحدهما: أن «السلام» اسم من أسماء الله فجائز أن يكون لبـيد عنى بقوله: «ثم اسم السلام علـيكما»: ثم الْزَمَا اسم الله وذكره بعد ذلك، ودعا ذكري والبكاء علـيّ علـى وجه الإغراء. فرفع الاسم، إذْاً وأخّر الـحرف الذي يأتـي بـمعنى الإغراء. وقد تفعل العرب ذلك إذا أخرت الإغراء وقدمت الـمُغْرَى به، وإن كانت قد تنصب به وهو مؤخر. ومن ذلك قول الشاعر: يا أيُّها الـمَائِحُ دَلْوِي دُونَكَا إنـي رأيْتُ النَّاس يَحْمَدُونَكا فأغرى ب«دونك»، وهي مؤخرة وإنـما معناه: دونك دلوي. فكذلك قول لبـيد: إلـى الـحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَـيْكُمَا يعنـي: علـيكما اسم السلام، أي: الزما ذكر الله، ودعا ذكري والوجد بـي لأن من بكى حولاً علـى امرىء ميت فقد اعتذر. فهذا أحد وجهيه. والوجه الآخر منهما: ثم تسميتـي الله علـيكما، كما يقول القائل للشيء يراه فـيعجبه: «اسم الله علـيك» يعوّذه بذلك من السوء، فكأنه قال: ثم اسم الله علـيكما من السوء. وكأن الوجه الأول أشبه الـمعنـيـين بقول لبـيد. ويقال لـمن وجّه بـيت لبـيد هذا إلـى أن معناه: «ثم السلام علـيكما»: أترى ما قلنا من هذين الوجهين جائزاً، أو أحدهما، أو غير ما قلت فـيه؟ فإن قال: لا أبـان مقداره من العلـم بتصاريف وجوه كلام العرب، وأغنى خصمه عن مناظرته. وإن قال: بلـى قـيـل له: فما برهانك علـى صحة ما ادّعيت من التأويـل أنه الصواب دون الذي ذكرت أنه مـحتـمله من الوجه الذي يـلزمنا تسلـيـمه لك؟ ولا سبـيـل إلـى ذلك. وأما الـخبر الذي: حدثنا به إسماعيـل بن الفضل، قال: حدثنا إبراهيـم بن العلاء بن الضحاك، قال: حدثنا إسماعيـل بن عياش، عن إسماعيـل بن يحيى عن ابن أبـي ملـيكة، عمن حدثه عن ابن مسعود، ومسعر بن كدام، عن عطية، عن أبـي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن عِيسى ابْنَ مَرْيَـمَ أسْلَـمَتْهُ أُمُّهُ إلـى الكُتَّابِ لِـيُعَلِّـمَهُ، فَقالَ لَهُ الـمُعَلِّـمُ: اكْتُبْ بِسْمِ فَقَالَ له عِيسَى: وَما بِسْمِ؟ فَقالَ لَهُ الـمُعَلِّـمُ: ما أدْرِي فَقالَ عِيسىَ: البـاءُ: بَهاءُ اللَّهِ، وَالسِّينُ: سَناؤُهُ، وَالـمِيـمُ: مَـمْلَكَتُهُ " فأخشى أن يكون غلطاً من الـمـحدث، وأن يكون أراد: «ب س م»، علـى سبـيـل ما يعلـم الـمبتدى من الصبـيان فـي الكتاب حروفَ أبـي جاد. فغلط بذلك، فوصله فقال: «بسم» لأنه لا معنى لهذا التأويـل إذا تُلـي «بسم الله الرحمن الرحيـم» علـى ما يتلوه القارىء فـي كتاب الله، لاستـحالة معناه عن الـمفهوم به عند جميع العرب وأهل لسانها، إذا حمل تأويـله علـى ذلك. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { ٱللَّهِ }. قال أبو جعفر: وأما تأويـل قول الله: «الله»، فإنه علـى معنى ما رُوي لنا عن عبد الله بن عبـاس: هو الذي يَأْلَهه كل شيء، ويعبده كل خـلق. وذلك أن أبـا كريب: حدثنا قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عبـاس، قال: الله ذو الألوهية والـمعبودية علـى خـلقه أجمعين. فإن قال لنا قائل: فهل لذلك فـي «فَعَلَ ويَفْعَل» أصل كان منه بناء هذا الاسم؟ قـيـل: أما سماعاً من العرب فلا، ولكن استدلالاً. فإن قال: وما دلّ علـى أن الألوهية هي العبـادة، وأن الإله هو الـمعبود، وأن له أصلاً فـي فعل ويفعل؟ قـيـل: لا تـمانُعَ بـين العرب فـي الـحكم لقول القائل يصف رجلاً بعبـادة ويطلب مـما عند الله جل ذكره: تألّه فلان بـالصحة ولا خلاف. ومن ذلك قول رؤبة بن العجاج: لِلَّهِ دَرُّ الغانِـياتِ الـمُدَّةِ سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِنْ تألُّهِي يعنـي من تعبدي وطلبـي الله بعمل. ولا شك أن التأله «التفعُّل» من: أَلَهَ يَأْلَهُ، وأن معنى «أَلَه» إذا نُطق به: عَبَد الله. وقد جاء منه مصدر يدل علـى أن العرب قد نطقت منه ب«فَعَل يفعل» بغير زيادة. وذلك ما: حدثنا به سفـيان بن وكيع، قال حدثنا أبـي، عن نافع بن عمر، عن عمرو بن دينار، عن ابن عبـاس، أنه قرأ: «وَيَذَرَكَ وَإلاهَتَكَ» قال: عبـادتك، ويُقال: إنه كان يُعْبَد ولا يَعْبَد. وحدثنا سفـيان، قال: حدثنا ابن عيـينة، عن عمرو بن دينار، عن مـحمد بن عمرو بن الـحسن، عن ابن عبـاس: «وَيَذَرَكَ وَإلاهَتَكَ» قال: إنـما كان فرعون يُعْبَد ولا يَعْبد. وكذلك كان عبد الله يقرؤها ومـجاهد. وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين بن داود، قال: أخبرنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قوله: [«وَيَذَرَكَ وَإلاهَتَكَ»] قال: وعبـادتك. ولا شك أن الإلاهة علـى ما فسره ابن عبـاس ومـجاهد، مصدرٌ من قول القائل أَلَهَ اللَّهَ فلانٌ إلاهةً، كما يقال: عبد الله فلانٌ عبـادة، وعَبَر الرؤيا عبـارةً. فقد بـيّن قول ابن عبـاس ومـجاهد هذا أن أله: عبد، وأن الإلاهة مصدره. فإن قال: فإن كان جائزاً أن يقال لـمن عبد الله: ألهه، علـى تأويـل قول ابن عبـاس ومـجاهد، فكيف الواجب فـي ذلك أن يقال، إذا أراد الـمخبر الـخبر عن استـحباب الله ذلك علـى عبده؟ قـيـل: أما الرواية فلا رواية عندنا، ولكن الواجب علـى قـياس ما جاء به الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي: حدثنا به إسماعيـل بن الفضل، قال: حدثنا إبراهيـم بن العلاء، قال: حدثنا إسماعيـل بن عياش، عن إسماعيـل بن يحيى، عن ابن أبـي ملـيكة، عمن حدثه، عن ابن مسعود، ومسعر بن كدام، عن عطية العوفـي، عن أبـي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ عِيسَى أسْلَـمَتْهُ أُمُّهُ إلـى الكُتَّابِ لِـيُعَلِّـمَهُ، فَقالَ لَهُ الـمُعَلِّـمُ: اكْتُبْ اللَّهُ، فَقالَ لَهُ عِيسَى: أَتَدْرِي ما اللَّهُ؟ اللَّهُ إلَهُ الآلِهَةِ " أن يقال: الله جل جلاله أَلَهَ العَبْدَ، والعبدُ ألهه. وأن يكون قول القائل «الله» من كلام العرب أصله «الإله». فإن قال: وكيف يجوز أن يكون ذلك كذلك مع اختلاف لفظيهما؟ قيل: كما جاز أن يكون قوله: لَكِنَّ هُوَ اللَّهُ رَبِّـي أصله: «لكن أنا هو الله ربـي» كما قال الشاعر: وَتَرْمِيننِـي بـالطَّرْفِ أيْ أنْتَ مُذْنِبٌ وتَقْلِـينَنِـي لَكِنَّ إيَّاكِ لا أَقْلِـي يريد: «لكنْ أنا إياك لا أقلـي» فحذف الهمزة من «أنا»، فـالتقت نون «أنا» ونون «لكن» وهي ساكنة، فأدغمت فـي نون أنا، فصارتا نوناً مشددة، فكذلك الله، أصله الإله، أسقطت الهمزة، التـي هي فـاء الاسم، فـالتقت اللام التـي هي عين الاسم، واللام الزائدة التـي دخـلت مع الألف الزائدة، وهي ساكنة، فأدغمت فـي الأخرى التـي هي عين الاسم، فصارتا فـي اللفظ لاماً واحدة مشددة، كما وصفنا من قول الله: لَكِنَّ هُوَ اللَّهُ رَبِّـي. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { الرَّحْمنِ الرَّحِيـمِ }. قال أبو جعفر: أما الرحمن، فهو «فعلان»، من رحم، والرحيـم فعيـل منه. والعرب كثـيراً ما تبنى الأسماء من فعل يفعل علـى فعلان، كقولهم من غضب غضبـان، ومن سكر سكران، ومن عطش عطشان، فكذلك قولهم رحمٰن من رحم، لأن «فَعِلَ» منه: رَحِمَ يَرْحم. وقـيـل «رحيـم» وإن كانت عين فعل منها مكسورة، لأنه مدح. ومن شأن العرب أن يحملوا أبنـية الأسماء إذا كان فـيها مدح أو ذمّ علـى فعيـل، وإن كانت عين فَعِلَ منها مكسورة أو مفتوحة، كما قالوا من عَلِـمَ: عالـم وعلـيـم، ومن قدَر: قادر وقدير. ولـيس ذلك منها بناءً علـى أفعالها لأن البناء من «فَعِلَ يَفْعَل» «وَفَعَلَ يَفْعَلُ» فـاعل. فلو كان الرحمن والرحيـم خارجين على بناء أفعالهما لكانت صورتهما الراحم. فإن قال قائل: فإذا كان الرحمٰن والرحيـم اسمين مشتقـين من الرحمة، فما وجه تكرير ذلك وأحدهما مؤّد عن معنى الآخر؟ قـيـل له: لـيس الأمر فـي ذلك علـى ما ظننت، بل لكل كلـمة منهما معنى لا تؤَدي الأخرى منهما عنها. فإن قال: وما الـمعنى الذي انفردت به كل واحدة منهما، فصارت إحداهما غير مؤدية الـمعنى عن الأخرى؟ قـيـل: أما من جهة العربـية، فلا تـمانع بـين أهل الـمعرفة بلغات العرب أن قول القائل «الرحمن» عن أبنـية الأسماء من «فَعِلَ يَفْعَل» أشد عدولاً من قوله «الرحيـم». ولا خلاف مع ذلك بـينهم أن كل اسم كان له أصل فـي «فَعِلَ ويَفْعَل»، ثم كان عن أصله من فعل ويفعل أشدّ عدولاً، أن الـموصوف به مفضل علـى الـموصوف بـالاسم الـمبنـي علـى أصله من «فَعِلَ ويَفْعل» إذا كانت التسمية به مدحاً أو ذماً. فهذا ما فـي قول القائل «الرحمٰن» من زيادة الـمعنى علـى قوله: «الرحيـم» فـي اللغة. وأما من جهة الأثر والـخبر، ففـيه بـين أهل التأويـل اختلاف. فحدثنـي السريّ بن يحيى التـميـمي، قال: حدثنا عثمان بن زفر، قال: سمعت العرزمي يقول: «الرحمن الرحيـم» قال: الرحمن بجميع الـخـلق. «الرحيـم» قال: بـالـمؤمنـين. وحدثنا إسماعيـل بن الفضل، قال: حدثنا إبراهيـم بن العلاء، قال: حدثنا إسماعيـل بن عياش، عن إسماعيـل بن يحيى، عن ابن أبـي ملـيكة، عمن حدثه، عن ابن مسعود، ومسعر بن كدام، عن عطية العوفـي، عن أبـي سعيد يعنـي الـخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَـمَ قالَ: الرَّحْمَنُ: رَحْمَنُ الآخِرَةِ والدُّنْـيَا، والرَّحِيـمُ: رَحِيـمُ الآخِرَةِ " فهذان الـخبران قد أنبآ عن فرق ما بـين تسمية الله جل ثناؤه بـاسمه الذي هو «رحمن»، وتسميته بـاسمه الذي هو «رحيـم». واختلاف معنى الكلـمتـين، وإن اختلفـا فـي معنى ذلك الفرق، فدل أحدهما علـى أن ذلك فـي الدنـيا، ودل الآخر علـى أنه فـي الآخرة. فإن قال: فأيّ هذين التأويـلـين أولـى عندك بـالصحة؟ قـيـل: لـجميعهما عندنا فـي الصحة مخرج، فلا وجه لقول قائل: أيهما أولـى بـالصحة. وذلك أن الـمعنى الذي فـي تسمية الله بـالرحمن، دون الذي فـي تسميته بـالرحيـم هو أنه بـالتسمية بـالرحمن موصوف بعموم الرحمة جميع خـلقه، وأنه بـالتسمية بـالرحيـم موصوف بخصوص الرحمة بعض خـلقه، إما فـي كل الأحوال، وإما فـي بعض الأحوال. فلا شكّ إذا كان ذلك كذلك، أن ذلك الـخصوص الذي فـي وصفه بـالرحيـم لا يستـحيـل عن معناه، فـي الدنـيا كان ذلك أو فـي الآخرة، أو فـيهما جميعاً. فإذا كان صحيحاً ما قلنا من ذلك وكان الله جل ثناؤه قد خص عبـاده الـمؤمنـين فـي عاجل الدنـيا بـما لطف بهم فـي توفـيقه إياهم لطاعته، والإيـمان به وبرسله، واتبـاع أمره واجتناب معاصيه مـما خذل عنه من أشرك به فكفر، وخالف ما أمره به وركب معاصيه، وكان مع ذلك قد جعل جل ثناؤه ما أعد فـي آجل الآخرة فـي جناته من النعيـم الـمقـيـم والفوز الـمبـين لـمن آمن به وصدق رسله وعمل بطاعته خالصاً دون من أشرك وكفر به كان بـيِّناً أن الله قد خص الـمؤمنـين من رحمته فـي الدنـيا والآخرة، مع ما قد عمهم به والكفـار فـي الدنـيا، من الإفضال والإحسان إلـى جميعهم، فـي البسط فـي الرزق، وتسخير السحاب بـالغيث، وإخراج النبـات من الأرض، وصحة الأجسام والعقول، وسائر النعم التـي لا تـحصى، التـي يشترك فـيها الـمؤمنون والكافرون. فربنا جل ثناؤه رحمنُ جميع خـلقه فـي الدنـيا والآخرة، ورحيـم الـمؤمنـين خاصة فـي الدنـيا والآخرة. فأما الذي عمّ جميعهم به فـي الدنـيا من رحمته، فكان رحمانا لهم به، فما ذكرنا مع نظائره التـي لا سبـيـل إلـى إحصائها لأحد من خـلقه، كما قال جل ثناؤه: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34] وأما فـي الآخرة، فـالذي عم جميعهم به فـيها من رحمته. فكان لهم رحماناً. تسويته بـين جميعهم جل ذكره فـي عدله وقضائه، فلا يظلـم أحداً منهم مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وَإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيـماً، وتُوفَّـى كل نفس ما كسبت. فذلك معنى عمومه فـي الآخرة جميعهم برحمته الذي كان به رحماناً فـي الآخرة. وأما ما خص به الـمؤمنـين فـي عاجل الدنـيا من رحمته الذي كان به رحيـما لهم فـيها، كما قال جل ذكره: وكانَ بـالـمُؤْمِنِـينَ رَحِيـماً فما وصفنا من اللطف لهم فـي دينهم، فخصهم به دون من خذله من أهل الكفر به. وأما ما خصهم به فـي الآخرة، فكان به رحيـماً لهم دون الكافرين. فما وصفنا آنفـاً مـما أعدّ لهم دون غيرهم من النعيـم والكرامة التـي تقصر عنها الأمانـي. وأما القول الآخر فـي تأويـله، فهو ما: حدثنا به أبو كريب. قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عبـاس، قال: الرحمن الفعلان من الرحمة، وهو من كلام العرب. قال: الرحمن الرحيـم: الرقـيق الرفـيق بـمن أحبّ أن يرحمه، والبعيد الشديد علـى من أحبّ أن يعنف علـيه. وكذلك أسماؤه كلها. وهذا التأويـل من ابن عبـاس، يدل علـى أن الذي به ربنا رحمن هو الذي به رحيـم، وإن كان لقوله «الرحمن» من الـمعنى ما لـيس لقوله «الرحيـم» لأنه جعل معنى الرحمن بـمعنى الرقـيق علـى من رقّ علـيه، ومعنى الرحيـم بـمعنى الرفـيق بـمن رفق به. والقول الذي رويناه فـي تأويـل ذلك عن النبـي صلى الله عليه وسلم وذكرناه عن العرزمي، أشبه بتأويـله من هذا القول الذي روينا عن ابن عبـاس وإن كان هذا القول موافقاً معناه معنى ذلك، فـي أن للرحمن من الـمعنى ما لـيس للرحيـم، وأن للرحيـم تأويلاً غير تأويـل الرحمن. والقول الثالث فـي تأويـل ذلك، ما: حدثنـي به عمران بن بكار الكلاعي، قال: حدثنا يحيى بن صالـح، قال: حدثنا أبو الأزهر نصر بن عمرو اللـخمي من أهل فلسطين، قال: سمعت عطاء الـخراسانـي، يقول: كان الرحمن، فلـما اختزل الرحمن من اسمه كان الرحمن الرحيـم. والذي أراد إن شاء الله عطاء بقوله هذا: أن الرحمن كان من أسماء الله التـي لا يتسمى بها أحد من خـلقه، فلـما تسمى به الكذّاب مسيـلـمة وهو اختزاله إياه، يعنـي اقتطاعه من أسمائه لنفسه أخبر الله جلّ ثناؤه أن اسمه الرحمن الرحيـم، لـيفصل بذلك لعبـاده اسمه من اسم من قد تسمى بأسمائه، إذ كان لا يُسمَّى أحد الرحمن الرحيـم فـيجمع له هذان الاسمان غيره جل ذكره وإنـما تسمى بعض خـلقه إما رحيـماً، أو يتسمى رحمن، فأما «رحمٰن رحيـم»، فلـم يجتـمعا قط لأحد سواه، ولا يجمعان لأحد غيره. فكأن معنى قول عطاء هذا: أن الله جل ثناؤه إنـما فصل بتكرير الرحيـم علـى الرحمن بـين اسمه واسم غيره من خـلقه، اختلف معناهما أو اتفقا. والذي قال عطاء من ذلك غير فـاسد الـمعنى، بل جائز أن يكون جل ثناؤه خص نفسه بـالتسمية بهما معاً مـجتـمعين إبـانة لها من خـلقه، لـيعرف عبـاده بذكرهما مـجموعين أنه الـمقصود بذكرهما دون من سواه من خـلقه، مع ما فـي تأويـل كل واحد منهما من الـمعنى الذي لـيس فـي الآخر منهما. وقد زعم بعض أهل الغبـاء أن العرب كانت لا تعرف الرحمن ولـم يكن ذلك فـي لغتها ولذلك قال الـمشركون للنبـي صلى الله عليه وسلم: وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لـما تَأْمُرُنَا إنكاراً منهم لهذا الاسم. كأنه كان مـحالاً عنده أن ينكر أهل الشرك ما كانوا عالـمين بصحته، أو كأنه لـم يتل من كتاب الله قولَ الله: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ} [البقرة: 146] يعنـي مـحمداً {كَمَا يَعْرِفُونَ أبْنَاءَهُمْ} [البقرة: 146] وهم مع ذلك به مكذبون، ولنبّوته جاحدون. فـيعلـم بذلك أنهم قد كانوا يدافعون حقـيقة ما قد ثبت عندهم صحته واستـحكمت لديهم معرفته. وقد أنشد لبعض الـجاهلـية الـجهلاء: ألاَ ضَرَبَتْ تِلْكَ الفَتاةُ هَجِينَها ألاَ قَضَبَ الرَّحْمَنُ رَبّـي يَـمِينَها وقال سلامة بن جندل الطهوي: عَجِلْتُـمْ عَلَـيْنَا عَجْلَتَـيْنا عَلَـيْكُمُ وَما يَشاء الرَّحْمَنُ يَعْقِدْ ويُطْلِقِ وقد زعم أيضاً بعض من ضعفت معرفته بتأويـل أهل التأويـل، وقلت روايته لأقوال السلف من أهل التفسير، أن «الرحمن» مـجازه «ذو الرحمة»، و«الرحيـم» مـجازه «الراحم». ثم قال: قد يقدرون اللفظين من لفظ والـمعنى واحد، وذلك لاتساع الكلام عندهم. قال: وقد فعلوا مثل ذلك، فقالوا: ندمان ونديـم. ثم استشهد بقول بُرْج بن مسهر الطائي: ونَدْمانٍ يَزِيدُ الكأسَ طِيبَـا سَقَـيْتُ وقَدْ تَغَوَّرَتِ النُّـجُومُ واستشهد بأبـيات نظائر له فـي النديـم والندمان. ففرق بـين معنى الرحمن والرحيـم فـي التأويـل، لقوله: الرحمن ذو الرحمة، والرحيـم: الراحم. وإن كان قد ترك بـيان تأويـل معنـيهما علـى صحته. ثم مثل ذلك بـاللفظين يأتـيان بـمعنى واحد، فعاد إلـى ما قد جعله بـمعنـيـين، فجعله مثال ما هو بـمعنى واحد مع اختلاف الألفـاظ. ولا شك أن ذا الرحمة هو الذي ثبت أن له الرحمة وصح أنها له صفة، وأن الراحم هو الـموصوف بأنه سيرحم، أو قد رحم فـانقضى ذلك منه، أو هو فـيه. ولا دلالة له فـيه حينئذ أن الرحمة له صفة، كالدلالة علـى أنها له صفة إذا وصفه بأنه ذو الرحمة. فأين معنى الرحمن الرحيـم علـى تأويـله من معنى الكلـمتـين يأتـيان مقدرتـين من لفظ واحد بـاختلاف الألفـاظ واتفـاق الـمعانـي؟ ولكن القول إذا كان غير أصل معتـمد علـيه كان واضح عُوَارُه. وإن قال لنا قائل: ولـم قدم اسم الله الذي هو الله علـى اسمه الذي هو الرحمن، واسمه الذي هو الرحمن علـى اسمه الذي هو الرحيـم؟ قـيـل: لأن من شأن العرب إذا أرادوا الـخبر عن مخبر عنه أن يقدموا اسمه، ثم يُتبعوه صفـاته ونعوته. وهذا هو الواجب فـي الـحكم: أن يكون الاسم مقدماً قبل نعته وصفته، لـيعلـم السامع الـخبر عمن الـخبر فإذا كان ذلك كذلك، وكان لله جل ذكره أسماء قد حرم علـى خـلقه أن يتسموا بها خص بها نفسه دونهم، ذلك مثل «الله»، و«الرحمن» و«الـخالق» وأسماء أبـاح لهم أن يسمي بعضهم بعضاً بها، وذلك كالرحيـم، والسميع، والبصير، والكريـم، وما أشبه ذلك من الأسماء كان الواجب أن يقدم أسماءه التـي هي له خاصة دون جميع خـلقه، لـيعرف السامع ذلك من توجه إلـيه الـحمد والتـمـجيد ثم يتبع ذلك بأسمائه التـي قد تسمى بها غيره، بعد علـم الـمخاطب أو السامع من توجه إلـيه ما يتلو ذلك من الـمعانـي. فبدأ الله جل ذكره بـاسمه الذي هو الله لأن الألوهية لـيست لغيره جل ثناؤه بوجه من الوجوه، لا من جهة التسمي به، ولا من جهة الـمعنى. وذلك أنا قد بـينا أن معنى الله هو الـمعبود، ولا معبود غيره جل جلاله، وأن التسمي به قد حرمه الله جل ثناؤه، وإن قصد الـمتسمي به ما يقصد الـمتسمي بسعيد وهو شقـيّ، وبحَسَن وهو قبـيح. أَوَ لا ترى أن الله جل جلاله قال فـي غير آية من كتابه: {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ} [النمل: 60] فـاستكبر ذلك من الـمقرّ به، وقال تعالـى فـي خصوصية نفسه بـالله وبـالرحمن: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ} [الإسراء: 110] ثم ثنَّى بـاسمه، الذي هو الرحمن، إذْ كان قد منع أيضاً خـلقه التسمي به، وإن كان من خـلقه من قد يستـحق تسميته ببعض معانـيه وذلك أنه قد يجوز وصف كثـير مـمن هو دون الله من خـلقه ببعض صفـات الرحمة، وغير جائز أن يستـحق بعض الألوهية أحد دونه فلذلك جاء الرحمٰن ثانـياً لاسمه الذي هو الله». وأما اسمه الذي هو «الرحيـم» فقد ذكرنا أنه مـما هو جائز وصف غيره به. والرحمة من صفـاته جل ذكره، فكان إذ كان الأمر علـى ما وصفنا، واقعاً مواقع نعوت الأسماء اللواتـي هن توابعها بعد تقدم الأسماء علـيها. فهذا وجه تقديـم اسم الله الذي هو «الله» علـى اسمه الذي هو «الرحمن»، واسمه الذي هو «الرحمن» علـى اسمه الذي هو «الرحيـم». وقد كان الـحسن البصري يقول فـي الرحمن مثل ما قلنا، أنه من أسماء الله التـي منع التسمي بها لعبـاده. حدثنا مـحمد بن بشار، قال: حدثنا حماد بن مسعدة، عن عوف، عن الـحسن، قال: الرحمن اسم مـمنوع. مع أن فـي إجماع الأمة مِن منع التسمي به جميع الناس ما يغنـي عن الاستشهاد علـى صحة ما قلنا فـي ذلك بقول الـحسن وغيره. رأس الصفحة الأحكام كتاب ابن العربي 1) الصلاة 2) البسملة قوله تعالى: {بسم الله الرحمن الرحيم} فيها مسألتان: المسألة الأولى: قوله تعالى: {بسم الله الرحمن الرحيم} اتفق الناسُ على أنها آيةٌ من كتاب الله تعالى في سورة النمل، واختلفوا في كونها في أول كلِّ سورة، فقال مالك وأبو حنيفة: ليست في أوائل السُّوَر بآية، وإنما هي استفتاحٌ ليُعْلَم بها مبتدأها. وقال الشافعي: هي آيةٌ في أول الفاتحة، قولاًواحداً، وهل تكون آيةً في أول كلّ سورة؟ اختلف قولهُ في ذلك، فأما القَدْرُ الذي يتعلَّق بالخلاف من قسم التوحيد والنظر في القرآن وطريق إثباته قرآناً، ووجْهُ اختلاف المسلمين في هذه الآية منه، فقد استوفيناه في كُتب الأصول، وأشَرْنا إلى بيانه في مسائل الخلاف، ووَدِدْنا أنَّ الشافعي لم يتكلَّم في هذه المسألة، فكلُّ مسألة له ففيها إشكال عظيم، ونرجو أنَّ الناظرَ في كلامنا فيها سيَمْحي عن قلبه ما عسى أن يكونَ قد سدل من إشكالٍ به. فائدة الخلاف: وفائدةُ الخلاف في ذلك الذي يتعلقُ بالأحكام أنَّ قراءة الفاتحة شرط في صحة الصلاة عندنا وعند الشافعي، خلافاً لأبي حنيفة حيثُ يقول: إنها مستحبَّة، فتدخُلُ {بسم الله الرحمن الرحيم} في الوجوب عند مَنْ يراه، او في الاستحباب، كذلك. ويكفيك أنها ليست بقرآن للاختلافِ فيها، والقرآنُ لا يُخْتَلَفُ فيه، فإنَّ إنكارَ القرآن كُفر. فإن قيل: ولو لم تكن قرآناً لكان مُدْخِلها في القرآن كافراً. قلنا: الاختلافُ فيها يمنعُ من أن تكون آيةً، ويمنع مِنْ تكفير مَنْ يَعُذُّهَا مِنَ القرآن؛ فإنّ االكُفْر لا يكونُ إلا بمخالفة النص والإجماع في أبواب العقائد. فإنْ قيل: فهل تجبُ قراءتُها في الصلاة؟ قلنا: لا تجبُ، فإنَّ أنس بن مالك رضي الله عنه روَى أنه صلَّى خَلْف رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فلم يكن أحدٌ منهم يقرأ: {بسم الله الرحمن الرحيم}؛ ونحوه عن عبد الله بن مغفّل. فإنْ قيل: الصحيحُ من حديث أنس؛ فكانوا يفتتحون الصلاةَ بالحمد لله ربّ العالمين. وقد قال الشافعي: معناه أنهم كانوا لا يقرأون شيئاً قبل الفاتحة. قلنا: وهذا يكونُ تأويلاً لا يَلِيقُ بالشافعي لعظيم فقهه، وأنس وابن مغفّل، إنما قالا هذا ردّاً على مَنْ يرى قراءةَ: بسم الله الرحمن الرحيم. فإن قيل: فقد رَوَى جماعةٌ قراءتها، وقد تولى الدارقُطني جميعَ ذلك في جُزْءٍ صحَّحه. قلنا، لَسْنا نُنْكِرُ الرواية، لكن مذهبنا يترجَّحُ بأنّ أحاديثَنا؛ وإنْ كانت أقلّ؛ فإنها أصحُّ وبوَجْهٍ عظيم وهو المعقول في مسائل كثيرة من الشريعة، وذلك أنّ مسجدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة انقضت عليه العصور، ومرّتْ عليه الأزمنةُ من لَدُنْ زمانِ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زمان مالك، ولم يقرأ أحدٌ قط فيه بسم الله الرحمن الرحيم، اتّباعاً للسنة؛ بَيْدَ أنَّ أصحابَنا استحبُّوا قراءتَها في النَّفْل، وعليه تحْمَل الآثارُ الواردة في قراءتها. المسألة الثانية: ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "قال الله تعالى: قُسِّمَت الصلاة بيني وبين عَبْدِي نِصْفين، فنصفُها لي، ونصْفُها لعبدي، ولِعَبْدِي ما سأل، يقول العبدُ: الحمد لله رب العالمين، يقول الله تعالى: حَمدَني عَبْدِي يقول العبد: الرحمن الرحيم. يقول الله تعالى: أثنَى علي عبدي. يقول العبد: مالكِ يوم الدِّين، يقولُ تعالى: مجَّدني عَبْدي. يقول العبد: إياك نَعْبُدُ وإياك نَستعين. يقول الله تعالى: فهذه الآيةُ بيني وبين عَبْدي ولِعَبْدي ما سأل. يقول العبد: اهْدِنا الصراطَ المستقيم، صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالّين، يقول الله: فهؤلاء لعبدي ولعَبْدي ما سأل". فقد تولَّى سبحانه قِسْمَة القرآن بينه وبين العبد بهذه الصفة، فلا صلاةَ لِمَنْ لم يقرَأ بفاتحة الكتاب. وهذا دليلٌ قويّ، مع أنه ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "لا صلاةَ لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". وثبت عنه أنه قال: "مَنْ صلَّى صلاةً لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خِدَاجٌ - ثلاثاً - غير تمام". كتاب الجصاص 1) الصلاة (البسملة) 2) الصلاة (الجهر بالبسملة) 3) تفسير (البسملة) فصل وأما قراءتُها في الصلاة فإن أبا حنيفة وابن أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح وأبا يوسف ومحمداً وزفر والشافعي كانوا يقولون بقراءتها في الصلاة بعد الاستعاذة قبل فاتحة الكتاب، واختلفوا في تكرارها في كل ركعة وعند افتتاح السورة؛ فروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه يقرأها في كل ركعة مرة واحدة عند ابتداء قراءة فاتحة الكتاب، ولا يعيدها مع السورة عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد والحسن بن زياد عن أبي حنيفة: إذا قرأها في أول ركعة عند ابتداء القراءة لم يكن عليه أن يقرأها في تلك الصلاة حتى يسلم، وإن قرأها مع كل سورة فحسنٌ. قال الحسن: وإن كان مسبوقاً فليس عليه أن يقرأها فيما يقضي لأن الإمام قد قرأها في أول صلاته، وقراءة الإمام له قراءة. قال أبو بكر: وهذا يدل من قوله على أنه كان يرى بسم الله الرحمن الرحيم من القرآن في ابتداء القراءة، وأنها ليست مفردة على وجه التبرّك فقط حسب إثباتها في ابتداء الأمور والكتب، ولا منقوله عن مواضعها من القرآن. وروى هشام عن أبي يوسف قال: سألت أبا حنيفة عن قراءة بسم الله الرحمن الرحيم قبل فاتحة الكتاب وتجديدها قبل السورة التي بعد فاتحة الكتاب، فقال أبو حنيفة: يجزيه قراءتها قبل الحمد. وقال أبو يوسف: يقرأها في كل ركعة قبل القراءة مرة واحدة ويعيدها في الأخرى أيضاً قبل فاتحة الكتاب وبعدها إذا أراد أن يقرأ سورة. قال محمد: فإن قرأ سوراً كثيرة وكانت قراءته يخفيها قرأها عند افتتاح كل سورة، وإن كان يجهر بها لم يقرأها لأنه في الجهر يفصل بين السورتين بسكتَة. قال أبو بكر: وهذا من قول محمد يدل على أن قراءة بسم الله الرحمن الرحيم إنما هي للفصل بين السورتين أو لابتداء القراءة، وأنها ليست من السور، ولا دلالة فيه على أنه كان لا يراها أية وأنها ليست من القرآن. وقال الشافعي هي من أول كل سورة فيقرأها عند ابتداء كل سورة. قال أبو بكر: وقد روي عن ابن عباس ومجاهد أنها تقرأ في كل ركعة. وعن إبراهيم قال: إذا قرأتها في أول كل ركعة أجزاك فيما بقي. وقال مالك بن أنس: لا يقرأها في المكتوبة سراً ولا جهراً، وفي النافلة إن شاء قرأ وإن شاء ترك. والدليل على أنها تٌقرأ في سائر الصلوات حديثُ أم سلمة وأبي هريرة أن النبي عليه السلام كان يقرأ في الصلاة: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين. وروى أنس بن مالك قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يُسرُّون بسم الله الرحمن الرحيم، وقال في بعضها: يخفون، وفي بعضها: كانوا لا يجهرون. ومعلوم أن ذلك كان في الفرض، لأنهم إنما كانوا يصلون خلفه في الفرائض لا في التطوُّع، إذ ليس من سُنَّة التطوع فعلها في جماعة، وقد رُوي عن عائشة وعبدالله بن المغفل وأنس بن مالك أن النبي عليه السلام كان يفتتح القراءة بـ {الحمد لله رب العالمين}، وهذا إنما يدل على ترك الجهر بها ولا دلالة فيه على تركها رأساً. فإن قال قائل: روى أبو زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نهض في الثانية استفتح بـ {الحمد لله رب العالمين} ولم يسكت؛ قيل له: ليس لمالك فيه دليل من قِبَل أنه إن ثبت أنه لم يقرأها في الثانية فإنما ذلك حجةٌ لمن يقتصر عليها في أول ركعة، فأما أن يكون دليلاً على تركها رأساً فلا. وقد رُوي قراءتُها في أول الصلاة عن علي وعمر وابن عباس وابن عمر من غير معارض لهم من الصحابة، فثبت بذلك قراءتها في الفرض والنَّفل لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة من غير معارض لهم، وعلى أنه لا فرق بين الفرض والنفل لا في الإثبات ولا في النفي كما لا يختلفان في سائر سنن الصلاة. وأما وجهُ ما رُوي عن أبي حنيفة في اقتصاره على قراءتها في أول ركعة دون سائر الركعات وسورها فهو لما ثبت أنها ليست من أوائل السور؛ وإن كانت آيةً في موضعها على وجه الفصل بين السورتين أمرنا بالابتداء بها تبركاً. ثم ثبت أنها مقروءة في أول الصلاة بما قدمناه، وكانت حرمة الصلاة حرمة واحدة وجميع أفعالها مبنية على التحريمة، صار جميع الصلاة كالفعل الواحد الذي يُكتفى بذكر اسم الله تعالى في ابتدائه ولا يُحتاج إلى إعادته وإن طال، كالابتداء بها في أوائل الكتب، وكما لم تعدّ عند ابتداء الركوع والسجود والتشهّد وسائر أركان الصلاة، كذلك حكمها مع ابتداء السورة والركعات. ويدل على أنها موضوعة للفصل ما حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف فصل السورة حتى ينزل بسم الله الرحمن الرحيم. وهذا يدل على أن موضوعها للفصل بين السورتين، وأنها ليست من السورة، ولا يحتاج إلى تكرارها عند كل سورة. فإن قال قائل: إذا كانت موضوعة للفصل بين السورتين فينبغي أن يُفصل بينهما بقراءتها على حسب موضوعها؛ قيل له: لا يجب ذلك، لأن الفصل قد عُرف بنزولها، وإنما يحتاج في الابتداء بها تبركاً؛ وقد وجد ذلك في ابتداء الصلاة، ولا صلاةَ هناك مبتدأةٌ فيُقرأ من أجلها، فلذلك جاز الاقتصار بها على أولها. وأما من قرأها في كل ركعة فوجهُ قوله إن كل ركعة لها قراءة مبتدأة لا ينوب عنها القراءة في التي قبلها. فمن حيث احتيج إلى استئناف القراءة فيها صارت كالركعة الأولى؛ فلما كان المسنونُ فيها قراءتها في الركعة الأولى كان كذلك حكم الثانية، إذ كان فيها ابتداء قراءة، ولا يحتاج إلى إعادتها عند كل سورة لأنها فرض واحد، وكان حكم السورة في الركعة الواحدة حكم ما قبلها لأنها دوام على فعل قد ابتدأه، وحكمُ الدوام حكمُ الابتداء كالركوع إذا أطاله؛ وكذلك السجود وسائر أفعال الصلاة: الدوام على الفعل الواحد منها حكمُه حكمُ الابتداء، حتى إذا كان الابتداء فرضاً كان ما بعده في حُكْمه. وأما من رأى إعادتها عند كل سورة فإنهم فريقان أحدهما من لم يجعلها من السورة، والآخر من جعلها من أوائلها. فأما من جعلها من أوائلها فإنه رأى إعادتها كما يقرأ سائر آي السورة. وأما من لم يرها من السورة فإنه يجعل كل سورة كالصلاة المبتدأة فيبتدىء فيها بقراءتها كما فعلها في أول الصلاة، لأنها كذلك في المصحف، كما لو ابتدأ قراءة السورة في غير الصلاة بدأ بها، فكذلك إذا قرأ قبلها سورة غيرها. وقد روى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنزلت عليَّ سورةٌ آنفاً" ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ {إنا أعطيناك الكوثر} [الكوثر: 1] إلى آخرها حتى ختمها. وروى أبو بردة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {بسم الله الرحمن الرحيم الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين} [الحجر: 1] فهذا يدل على أنه عليه السلام قد كان يبتدىء قراءة السورة في غير الصلاة بها، وكان سبيلها أن يكون كذلك حكمُها في الصلاة. وقد روى عبدالله بن دينا عن ابن عمر أنه كان يفتتح أم القرآن ببسم الله الرحمن الرحيم ويفتتح السورة ببسم الله الرحمن الرحيم. وروى جرير عن المغيرة، قال: أمَّا إبراهيم فقرأ في صلاة المغرب: {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} [الفيل: 1] حتى إذا ختمها وصل بخاتمتها {لإيلاف قريش} [قريش: 1] ولم يفصل بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم. فصل وأما الجهر بها فإن أصحابنا والثوري قالوا: يخفيها. وقال ابن أبي ليلى: إن شاء جَهَر وإن شاء أخفى. وقال الشافعي: يجهر بها. وهذا الاختلاف إنما هو في الإمام إذا صلى صلاة يجهر فيها بالقراءة. وقد رُوي عن الصحابة فيها اختلافٌ كثير؛ فروى عمر بن ذر عن أبيه، قال: صلّيت خلف ابن عمر فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. وروى حماد عن إبراهيم، قال: كان عمر يخفيها ثم يجهر بفاتحة الكتاب. وروى عن أنس مثل ذلك. قال إبراهيم: كان عبدالله بن مسعود وأصحابه يُسِرُّون قراءة بسم الله الرحمن الرحيم لا يجهرون بها. وروى أنس أن أبا بكر وعمر كانا يسرّان بسم الله الرحمن الرحيم. وكذلك روى عنه عبدالله بن المغفل. وروى المغيرة عن إبراهيم، قال: جَهْرُ الإمام ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة بِدْعةٌ. وروى جرير عن عاصم الأحول، قال: ذُكر لعكرمة الجهرُ ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، فقال: أنا إذاً أعرابي، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة، قال: بلغني عن ابن مسعود، قال: الجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم أعرابية. وروى حماد بن زيد عن كثير، قال: سئل الحسن عن الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، فقال: إنما يفعل ذلك الأعراب. واختلفت الرواية عن ابن عباس، فروى شريك عن عاصم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه جهر بها؛ وهذا يحتمل أن يكون في غير الصلاة. وروى عبد الملك بن أبي حسين عن عكرمة عن ابن عباس في الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، قال: ذلك فعل الأعراب. ورُوي عن عليّ أنه عدها آية، وأنه قال: هي تمام السبع المثاني؛ ولم يثبت عنه الجهر بها في الصلاة. وقد روى أبو بكر بن عياش عن أبي سعيد عن أبي وائل، قال: كان عمر وعليّ لا يجهران ببسم الله الرحمن الرحيم ولا بالتعوذ ولا بآمين. ورُوي عن ابن عمر أنه جهر بها في الصلاة. فهؤلاء الصحابة مختلفون فيها على ما بيَّنا. وروى أنس وعبد الله بن المغفل أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يسرّون، وفي بعضها: كانوا يخفون؛ وجعله عبدالله بن المغفل حدثاً في الإسلام. وروى أبو الجوزاء عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ {الحمدُ لله رب العالمين} ويختمها بالتسليم. حدثنا أبو الحسن عبيدالله بن الحسين الكرخي رحمه الله، قال: حدثنا الحضرمي، قال: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا معاوية بن هشام عن محمد بن جابر عن حماد عن إبراهيم عن عبدالله، قال: ما جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة مكتوبة ببسم الله الرحمن الرحيم ولا أبو بكر ولا عمر، فإن قال قائل: إذا كان عندك أنها آيةٌ من القرآن في موضعها فالواجب الجهرُ بها كالجهر بالقراءة في الصلوات التي يجهر فيها بالقرآن، إذ ليس في الأصول الجهرُ ببعض القراءة دون بعض في ركعة واحدة ـ قيل له: إذا لم تكن من فاتحة الكتاب على ما بيَّنا، وإنما هي على وجه الابتداء بها تبركاً، جاز أن لا يجهر بها. ألا ترى أن قوله تعالى: {إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض} [الأنعام: 79] الآية هو من القرآن، ومن استفتح به الصلاة لا يجهر به، مع الجهر بسائر القراءة، كذلك ما وصفناه. قال أبو بكر: وما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من إخفائها يدل على أنها ليست من الفاتحة، إذ لو كانت منها لجهر بها كجهره بسائرها. فإن احتج محتجٌ بما روى نعيم المجمر أنه صلى وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الريحم، ثم لما سلم قال: إني لأشبهُكم صلاةً برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما روى ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في بيتها فيقرأ {بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين}، وبما روى جابر الجعفي عن أبي الطفيل عن عليّ وعمار أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر {بسم الله الرحمن الرحيم} ـ قيل له: أما حديثُ نعيم المجمر عن أبي هريرة فلا دلالة فيه على الجهر بها، لأنه إنما ذكر أنه قرأها ولم يقل إنه جهر بها. وجائز أن لا يكون جهر بها، وإن قرأها وكان علم الراوي بقراءتها إما من جهة أبي هريرة بإخباره إياه بذلك أو من جهة أنه سمعها لقربه منه وإن لم يجهر بها كما رُوي أن النبي عليه السلام كان يقرأ في الظهر والعصر ويسمعنا الآية أحياناً، ولا خلاف أنه لم يكن يجهر بها. وقد روى عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا عمارة بن القعقاع، قال: حدثنا أبو زرعة بن عمرو بن جرير، قال: حدثنا أبو هريرة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نهض في الثانية استفتح بـ {الحمد لله رب العالمين} ولم يسكت. وهذا يدل على أنه لم يكن عنده أنها من فاتحة الكتاب؛ وإذا لم يكن منها لم يجهر بها لأن كل من لا يعدها آية منها لا يجهر بها. وأما حديث أم سلمة، فروى الليث عن عبدالله بن عبيدالله بن أبي مليكة عن مُعلَّى أنه سأل أم سلمة عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنعتت قراءته مفسرة حرفاً حرفاً. ففي هذا الخبر أنها نعتت قراءة النبي عليه السلام، وليس فيه ذكر قراءتها في الصلاة ولا دلالة فيه على جهر ولا إخفاء، لأن أكثر ما فيه أنه قرأها؛ ونحن كذلك نقول أيضاً، ولكنه لا يجهر به. وجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أخبرها بكيفية قراءته فأخبرت بذلك. ويُحتمل أن تكون سمعته يقرأ غير جاهز بها، فسمعته لقربها منه؛ ويدل عليه أنها ذكرت أنه كان يصلي في بيتها؛ وهذه لم تكن صلاة فرض، لأنه عليه السلام كان لا يصلي الفرض منفرداً بل كان يصليها في جماعة. وجائز عندنا للمنفرد والمتنفِّل أن يقرأ كيف شاء من جهر أو إخفاء. وأما حديث جابر عن أبي الطفيل فإن جابراً ممن لا تثبت به حجةٌ لأمورٍ حُكيت عنه تُسقط روايته، منها أنه كان يقول بالرجعة على ما حُكي، وكان يكذب في كثير مما يرويه؛ وقد كذبه قوم من أئمة السلف. وقد روى أبو وائل عن عليّ رضي الله عنه أنه كان لا يجهر بها؛ ولو كان الجهرُ ثابتاً عنده لما خلفه إلى غيره. وعلى أنه لو تساوت الأخبار في الجهر والإخفاء عن النبي عليه السلام كان الإخفاءُ أولى من وجهين: أحدهما ظهورُ عمل السلف بالإخفاء دون الجهر، منهم أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وابن المغفل وأنس بن مالك، وقول إبراهيم: الجهرُ بها بدعة. إذا كان متى رُوي عن النبي عليه السلام خبران متضادان وظهر عمل السلف بأحدهما كان الذي ظهر عمل السلف به أولى بالإثبات. والوجه الآخر أن الجهر بها لو كان ثابتاً لورد النقل به مستفيضاً متواتراً كوروده في سائر القراءة؛ فلما لم يرد النقل به من جهة التواتر علمنا أنه غير ثابت، إذ الحاجةُ إلى معرفة مسنون الجهر بها كهي إلى معرفة مسنون الجهر في سائر فاتحة الكتاب. فإن احتج بما حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا الشافعي، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد، قال: حدثني عبدالله بن عثمان بن حنتم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه أن معاوية قدم المدينة فصلَّى بهم ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ولم يكبِّر إذا خفض وإذا رفع، فناداه المهاجرون حين سلَّم والأنصار: أي معاوية! سرقت الصلاة! أين بسم الله الرحمن الرحيم، وأين التكبير إذا خفضت وإذا رفعت؟ فصلى بهم صلاةً أخرى فقال فيها ذلك الذي عابوا عليه. قال: فقد عرف المهاجرون والأنصار الجهر بها، قيل هل: لو كان ذلك كما ذكرت لعرفه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن المغفل وابن عباس ومن روينا عنهم الإخفاء دون الجهر، ولكان هؤلاء أولى بعلمه لقوله عليه السلام: "ليَلِني منكم أولُوا الأحلامِ والنّهي" وكان هؤلاء أقرب إليه في حال الصلاة من غيرهم من القوم المجهولين الذين ذكرتَ، وعلى أن ذلك ليس باستفاضة لأن الذي ذكرتَ من قولِ المهاجرين والأنصار إنما رويتَه من طريق الآحاد، ومع ذلك فليس فيه ذكرُ الجهر، وإنما فيه أنه لم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم؛ ونحن أيضاً ننكر ترك قراءتها، وإنما كلامُنا في الجهر والإخفاء أيهما أولى، والله أعلم. فصل والأحكام التي يتضمنها قوله بسم الله الرحمن الرحيم: الأمر باستفتاح الأمور للتبرك بذلك، والتعظيمُ لله عز وجل به، وذكرُها على الذبيحة وشعار وعلم من أعلام الدين، وطردُ الشيطان لأنه رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا سمى الله العبدُ على طعامه لم يَنَل منه الشيطان معه وإذا لم يُسمِّه نال منه معه"؛ وفيه إظهار مُخالفة المشركين الذين يفتتحون أمورهم بذكر الأصنام أو غيرها من المخلوقين الذين كانوا يعبدونهم، وهو مفزعٌ للخائف، ودلالةٌ من قائله على انقطاعه إلى الله تعالى ولجوئه إليه، وأنسٌ للسامع، وإقرارٌ بالألوهية، واعترافٌ بالنعمة، واستعانة بالله تعالى، وعياذةٌ به، وفيه اسمان من أسماء الله تعالى المخصوصةِ به لا يسمَّى بهما غيره وهما الله والرحمن. كتاب الجصاص 1) علوم القرآن (البسملة) {بسمَ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم}. قال أبو بكر أحمد بن علي الرازي رضي الله عنه: قد قدمنا في صدر هذا الكتاب مقدمة تشتمل على ذكر جمل مما لا يسع جهله من أصول التوحيد، وتوطئة لما يحتاج إليه من معرفة طرق استنباط معاني القرآن واستخراج دلائله وإحكام ألفاظه، وما تتصرف عليه أنحاء كلام العرب والأسماء اللغوية والعبارات الشرعية، إذ كان أولى العلوم بالتقديم معرفة توحيد الله وتنزيهه عن شبه خلقه وعما نحله المفترون من ظلم عبيده، والآن حتى انتهى بنا القول إلى ذكر أحكام القرآن ودلائله، والله نسأل التوفيق لما يقربنا إليه ويزلفنا لديه، إنه وليّ ذلك والقادر عليه. باب القول في بسم الله الرحمن الرحيم قال أبو بكر: الكلام فيها من وجوه؛ أحدها: معنى الضمير الذي فيها، والثاني: هل هي من القرآن، في افتتاحه، والثالث: هل هي من الفاتحة أم لا، والرابع: هل هي من أوائل السور، والخامس: هل هي آية تامة أم ليست بآية تامة، والسادس: قراءتها في الصلاة، والسابع: تكرارها في أوائل السور في الصلاة، والثامن: الجهر بها والتاسع: ذكر ما في مضمرها من الفوائد وكثرة المعاني. فنقول: إن فيها ضمير فعل لا يستغنى الكلام عنه، لأن الباء مع سائر حروف الجر لا بد أن يتصل بفعلٍ إما مظهر مذكور وإما مضمر محذوف. والضمير في هذا الموضع ينقسم إلى معنيين بخبر وأمر؛ فإذا كان الضمير خبراً كان معناه: أبدأ بسم الله، فحذف هذا الخبر وأضمر، لأن القارىء مبتدىء. فالحال المشاهدة منبئة عنه ومغنية عن ذكره. وإذا كان أمراً كان معناه: ابدأوا بسم الله واحتماله لكل واحد من المعنيين على وجه واحد. وفي نسق تلاوة السورة دلالة على أنه أمرٌ، وهو قوله تعالى: {إياك نعبد} ومعناه: قولوا إياك، كذلك ابتداء الخطاب في معنى قوله: {بسم الله} وقد ورد الأمر بذلك في مواضع من القرآن مصرحاً وهو قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك} [العلق: 1] فأمر في افتتاح القراءة بالتسمية كما أمر أمام القراءة بتقديم الاستعاذة. وهو إذا كان خبراً فإنه يتضمن معنى الأمر، لأنه لما كان معلوماً أنه خبر من الله بأنه يبدأ باسم الله ففيه أمر لنا بالابتداء به والتبرّك بافتتاحه لأنه إنما أخبرنا به لنفعل مثله، ولا يبعد أن يكون الضمير لهما جميعاً، فيكون الخبر والأمر جميعاً مرادين، لاحتمال اللفظ لهما. فإن قال قائل: لو صرح بذكر الخبر لم يجز أن يريد به المعنيين جميعاً من الأمر والخبر، كذلك يجب أن يكون حكم الضمير في انتفاء إرادة الأمرين، قبل له: إذا أظهر صيغة الخبر امتنع أن يريدهما لاستحالة كون لفظ واحد أمراً وخبراً في حال واحد، لأنه متى أراد بالخبر الأمرَ كان اللفظ مجازاً، وإذا أراد به حقيقة الخبر كان حقيقة، وغير جائز أن يكون اللفظ الواحد مجازاً حقيقة، لأن الحقيقة هي اللفظ المستعمل في موضعه، والمجاز ما عدل به عن موضعه إلى غيره، ويستحيل كونه مستعملاً في موضعه ومعدولاً به عنه في حال واحد؛ فلذلك امتنع إرادة الخبر والأمر بلفظ واحد. وأما الضمير فغير مذكور، وإنما هو متعلق بالإرادة. ولا يستحيل إرادتهما معاً عند احتمال اللفظ لإضمار كل واحد منهما، فيكون معناه حينئذ: ابدأ بسم الله على معنى الخبر، وابدأوا أنتم أيضاً به اقتداء بفعلي وتبركاً به. غير أن جواز إرادتهما لا يوجب عند الإطلاق إثباتهما إلا بدلالة؛ إذ ليس هو عموم لفظ مستعمَل على مقتضاه وموجبه، وإنما الذي يلزم حكم اللفظ إثباتُ ضمير محتمل لكل واحد من الوجيهن، وتعيينه في أحدهما موقوف على الدلالة. كذلك قولنا في نظائره نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "رُفِع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرِهوا عليه" لأن الحكم لما تعلق بضمير يحتمل رفعَ الحكم رأساً ويحتمل المأثَم لم يمتنع إرادة الأمرين بأن لا يلزمه شيء، ولا مأثم عليه عند الله لاحتمال اللفظ لهما وجواز إرادتهما، إلا أنه مع ذلك ليس بعموم لفظ فينتظمهما، فاحتجنا في إثبات المراد إلى دلالة من غيره، وليس يمتنع قيام الدلالة على إرادة أحدهما بعينه أو إرادتهما جميعاً. وقد يجيء من الضمير المحتمل لأمرين ما لا يصح إرادتهما معاً، نحو ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنما الأعمال بالنيّات". معلومٌ أن حكمه متعلقٌ بضمير يحتمل جواز العمل ويحتمل أفضليته. فمتى أراد الجواز امتنعت إرادة الأفضلية، لأن إرادة الجواز تنفي ثبوت حكمه مع عدم النية، وإرادة الأفضلية تقتضي إثبات حكم شيء منه لا محالة مع إثبات النقصان فيه ونفي الأفضلية، ويستحيل أن يريد نفيَ الأصل ونفيَ الكمالِ الموجِب للنقصان في حال واحد. وهذا مما لا يصح فيه إرادة المعنيين من نفي الأصل وإثبات النقص، ولا يحص قيام الدلالة على إرادتهما. قال أبو بكر: وإذا ثبت اقتضاؤه لمعنى الأمر انقسم ذلك إلى فَرْض ونَفْل فالفرض هو ذكر الله عند افتتاح الصلاة في قوله تعالى: {قد أفلح من تزكّى وذكر اسمَ ربّه فصلّى} [الأعلى: 14-15] فجعله مصلياً عقيب الذكرن فدلَّ على أنه أراد ذكر التحريمة. وقال تعالى: {واذكر اسمَ ربِّك وتبتَّل إليه تبتيلاً} [المزمل: 8]. قيل إن المراد به ذكر الافتتاح. رُوي عن الزهري في قوله تعالى: {وألزمَهُم كلمةَ التقوى} [الفتح: 26] قال: هي بسم الله الرحمن الرحيم؛ وكذلك هو في الذبيحة فَرْضٌ، وقد أكّده بقوله: {فاذكروا اسم الله عليها صَوَافَّ} [الحج: 36] وقوله: {ولا تأكلوا مما لم يُذكر اسمُ الله عليه وإنه لفِسقٌ} [الأنعام: 121]. وهو في الطهارة والأكل والشرب وابتداء الأمور نَفْل. فإن قال قائل هلا أوجبتم التسمية على الوضوء بمقتضى الظاهر لعدم الدلالة على خصوصه مع ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا وضوءَ لمن لم يذكر اسمَ الله عليه" قيل له: الضمير ليس بظاهر، فيعتبر عمومه، وإنما ثبت منه ما قامت الدلالة عليه؛ وقوله: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" على جهة نفي الفضيلة لدلائل قامت عليه. باب القول في أنها من القرآن قال أبو بكر: لا خلاف بين المسلمين أن {بسم الله الرحمن الرحيم} من القرآن في قوله تعالى: {إنه من سليمانَ وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} [النمل: 30]. وروي أن جبريل عليه السلام أوَّل ما أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم بالقرآن قال له: اقرأ. قال: ما أنا بقارىء. قال له: {اقرأ باسم ربك الذي خلق}. وروى أبو قطن عن المسعودي عن الحارث العكلي أن النبي عليه السلام كتب في أوائل الكتب: باسمك اللهمَّ، حتى نزل {بسم الله مجريها ومرساها} [هود: 41] فكتب: بسم الله، ثم نزل قوله تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} [الإسراء: 110] فكتب فوقه: الرحمن، فنزلت قصة سليمان فكتبها حينئذ. ومما سمعنا في سنن أبي داود، قال: قال الشعبي ومالك وقتادة وثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم حتى نزلت سورة النمل؛ وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حين أراد أن يكتب بينه وبين سهيل بن عمرو كتابَ الهدنة بالحديبيَّة قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم" فقال له سهيل: باسم اللهم، فإنا لا نعرف الرحمن، إلى أن سمح بها بعد. فهذا يدل على أن بسم الله الرحمن الرحيم لم يكن من القرآن، ثم أنزلها الله تعالى في سورة النمل. القول في أنها من فاتحة الكتاب قال أبو بكر: ثم اختلف في أنها من فاتحة الكتاب أم لا؛ فعدّها قراء الكوفيين آية منها ولم يعدها قراء البصريين. وليس عن أصحابنا رواية منصوصة في أنها آية منها، إلا أن شيخنا أبا الحسن الكرخي حكى مذهبهم في ترك الجهر بها، وهذا يدل على أنها ليست منها عندهم، لأنها لو كانت آية منها عندهم لجهر بها كما جهر بسائر آي السور. وقال الشافعي: هي آية منها، وإن تركها أعاد الصلاة. وتصحيح أحد هذين القولين موقوف على الجهر والإخفاء، على ما سنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى. القول في هل هي من أوائل السور قال أبو بكر: ثم اختُلف في أنها آية من أوائل السور أو ليست بآية منها، على ما ذكرنا من مذهب أصحابنا أنها ليست بآية من أوائل السور، لترك الجهر بها، ولأنها إذا لم تكن من فاتحة الكتاب فكذلك حكمها في غيرها إذ ليس من قول أحد أنها ليست من فاتحة الكتاب وأنها من أوائل السور. وزعم الشافعي أنها آية من كل سورة، وما سبقه إلى هذا القول أحدٌ، لأن الخلاف بين السلف إنما هو في أنها آيةٌ من فاتحة الكتاب أو ليست بآية منها، ولم يعدها أحد آيةً من سائر السور. ومن الدليل على أنها ليست من فاتحة الكتاب حديثُ سفيان بن عيينة عن العلاء بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله تعالى: قسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفُها لعبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: مجّدني عبدي أو أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: فوَّض إليَّ عبدي، وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذه بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فيقول عبدي: اهدنا الصراط المستقيم إلى آخرها، قال: لعبدي ما سأل" فلو كانت من فاتحة الكتاب لذكرها فيما ذكر من آي السورة، فدل ذلك على أنها ليست منها. ومن المعلوم أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم إنما عبَّر بالصلاة عن قراءة فاتحة الكتاب وجعلها نصفين، فانتفى بذلك أن تكون بسم الله الرحمن الرحيم آية منها من وجهين، أحدهما أنه لم يذكرها في القسمة؛ الثاني أنها لو صارت في القسمة لما كانت نصفين، بل كان يكون ما لله فيها أكثر مما للعبد، لأن بسم الله الرحمن الرحيم ثناءٌ على الله تعالى لا شيء للعبد فيه. فإن قال قائل: إنما لم يذكرها لأنه قد ذكر الرحمن الرحيم في أضعاف السورة، قيل له: هذا خطأ من وجهين؛ أحدهما أنه إذا كانت آية غيرها فلا بد من ذكرها، ولو جاز ما ذكرت لجاز الاقتصارُ بالقرآن على ما في السورة منها دونها. ووجه آخر وهو أن قوله بسم الله فيه ثناءٌ على الله، وهو مع ذلك اسم مختصر بالله تعالى لا يسمى به غيره، فالواجب لا محالة أن يكون مذكوراً في القسمة، إذ لم يتقدم له ذكر فيما قسم من آي السورة. وقد رُوي هذا الخبر على غير هذا الوجه، وهو ما حدثنا به محمد بن بكر، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول: سمت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفُها لي، ونصفُها لعبدي، ولعبد ما سأل. يقول العبد: الحمد لله رب العالمين، فيقول الله: حمدني عبدي، فيقول: الرحمن الرحيم، يقول الله: أثنى عليَّ عبدي، يقول العبد: مالك يوم الدين، يقول الله: مجَّدني عبدي، وهذه الآية بيني وبين عبدي، يقول العبد: إياك نعبد وإياك نستعين، يقول الله: فهذه بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل" فذكر في هذا الحديث في مالك يوم الدين أنه بيني وبين عبدي نصفين هذا غلط من راويه، لأن قوله تعالى: مالك يوم الدين ثناء خالص لله تعالى لا شيء للعبد فيه كقوله: الحمد لله رب العالمين؛ وإنما جعل قوله: إياك نعبد وإياك نستعين بينه وبين العبد لما انتظم من الثناء على الله تعالى ومن مسألة العبد. ألا ترى أن سائر الآي بعدها من قوله تعالى: اهدنا الصراط المستقيم جعلها للعبد خاصة، إذ ليس فيه ثناء على الله، وإنما هو مسألة من العبد لما ذكر. ومن جهة أخرى إن قوله: مالك يوم الدين لو كان بينه وبين العبد، وكذلك قوله: إياك نعبد وإياك نستعين، لما كان نصفين على قول من يعدُّ بسم الله الرحمن الرحيم آية بل كان يكون لله تعالى أربع وللعبد ثلاث. ومما يدل على أن البسملة ليست من أوائل السور وإنما هي للفصل بينها ما حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم عن عوف الأعرابي عن يزيد القاري، قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قلت لعثمان بن عفان رضي الله عنه: ما حملكم على أن عمدتُمْ إلى براءة وهي من المئين، وإلى الأنفال وهي المثاني، فجعلتموهما في السبع الطوال، ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال عثمان: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم لما ينزل عليه الآيات فيدعو بعض من كان يكتب له فيقول: "ضع هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا" وينزل عليه الآية والآيتان فيقول مثل ذلك، وكانت الأنفال من أول ما نزل عليه بالمدينة، وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها، فمن هناك وضعتهما في السبع الطوال ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم. فأخبر عثمانُ أن بسم الله الرحمن الرحيم لم يكن من السورة، وأنه إنما كان يكتبها في فصل السورة بينها وبين غيرها لا غير. وأيضاً فلو كانت من السور ومن فاتحة الكتاب لعرفته الكافة بتوقيفٍ من النبي عليه السلام أنها منها كما عرفت مواضعَ سائر الآي من سورها ولم يُختلف فيها، وذلك أن سبيل العلم بمواضع الآي كهو بالآي نفسها، فلما كان طريق إثبات القرآن نقل الكافة دون نقل الأحاد وجب أن يكون كذلك حكم مواضعه وترتيبه. ألا ترى أنه غير جائز لأحد إزالة ترتيب آي القرآن ولا نقلُ شيء منه عن موضعه إلى غيره، فإن فاعلَ ذلك بمنزلة من رام إزالته ورفعَه. فلو كانت بسم الله الرحمن الرحيم من أوائل السور لعرفت الكافة موضعها منها كسائر الآي وكموضعها من سورة النمل. فلما لم نرهم نقلوا ذلك إلينا من طريق التواتُرِ الموجِب للعلم لم يُجزْ لنا إثباتُها في أوائل السور. فإن قال قائل: قد نقلوا إلينا جميعَ ما في المصحف على أنه القرآن وذلك كافٍ في إثباتها من السور في مواضعها المذكورة في المصحف، قيل له: إنما نقلوا إلينا كتَبها في أوائلها ولم ينقلوا إلينا أنها منها؛ وإنما الكلام بيننا وبينكم في أنها من هذه السورة التي هي مكتوبةٌ في أوائلها، ونحن نقول بأنها من القرآن أُثبتت في هذه المواضع لا على أنها من السور، وليس إيصالُها بالسورة في المصحف وقراءتُها معها موجبين أن يكون منها، لأن القرآن كلَّه بعضهُ متصلٌ ببعض، وما قبل بسم الله الرحمن الرحيم متصل بها، ولا يجب من أجل ذلك أن يكون الجميع سورة واحدة، فإن قال قائل: لما نقل إلينا المصحفُ وذكروا أن ما فيه هو القرآن على نظامه وترتيبه، فلو لم تكن من أوائل السور مع النقل المستفيض لبينوا ذلك وذكروا أنها ليست من أوائلها لئلات تشتبه، قيل له: هذا يُلزم من يقول إنها ليست من القرآن، فأما من أعطى القولَ بأنها منه فهذا السؤال ساقطٌ عنه. فإن قيل: ولو لم تكن منها لعرفته الكافة حسب ما ألزمن من يقول إنها منها، قيل له: لا يجب ذلك لأنه ليس عليهم نَقْلٌ كل ما ليس من السورة أنه ليس منها، كما ليس عليهم نقلُ ما ليس من القرآن أنه ليس منه، وإنما عليهم نقلُ ما هو من السورة أنه منها، كما عليهم نقلُ ما هو من القرآن أنه منه. فإذا لم يُرَد النقلُ المستفيض بكونها من السور واختُلِف فيه لم يجز لنا إثباتها كإثبات القرآن نفسه. ويدل أيضاً على أنها ليست من أوائل السور ما حدثنا محمد بن جعفر بن أبان، قال: حدثنا محمد بن أيوب، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثني يحيي بن سعيد عن شعبة عن قتادة عن عباس الجشمي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لصاحبها حتى غُفِرَ له: "تبارك الذي بيده الملك" واتفق القراء وغيرهم أنها ثلاثون أية سوى بسم الله الرحمن الرحيم. فلو كانت منها كانت إحدى وثلاثين آية، وذلك خلاف قول النبي صلى الله عليه وسلم. ويدل عليه أيضاً اتفاقُ جميع قراء الأمصار وفقهائهم على أن سورة الكوثر ثلاثُ آيات، وسورة الإخلاص أربعُ آيات؛ فلو كانت منها لكانت أكثرَ مما عدُّوا. فإن قال قائل: إنما عدُّوا سواها لأنه لا إشكالَ فيها عندهم، قيل له: فكان لا يجوز لهم أن يقولوا: "سورة الإخلاص أربعُ آيات وسورةُ الكوثر ثلاث آيات" والثلاث والأربع إنما هي بعضُ السورة؛ ولو كان كذلك لوجَبَ أن يقولوا في الفاتحة أنها ستُّ آيات. قال أبو بكر رحمه الله: وقد روى عبدُ الحميد بن جعفر عن نوح بن أبي جلال عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: "الحمد لله رب العالمين سبعُ آيات إحداهن بسم الله الرحمن الرحيم" وشك بعضُهم في ذِكْرِ أبي هريرة في الإسناد. وذكر أبو بكر الحنفي عن عبد الحميد بن جعفر عن نوح بن أبي جلال عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام، قال: "إذا قرأتم الحمد لله رب العالمين، فاقرأوا بسم الله الرحمن الرحيم، فإنها إحدى آياتها". قال أبو بكر: ثم لقيتُ نوحاً فحدثني به عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مثله، ولم يرفعه. ومثل هذه الاختلاف في السند والرفع يدلُّ على أنه غير مضبوط في الأصل، فلم يثبت به توقيفٌ عن النبي عليه السلام، ومع ذلك فجائز أن يكون قوله: "فإنها إحدى آياتها" من قول أبي هريرة، لأن الراوي قد يُدرج كلامَه في الحديث من غير فصل بينهما لعلم السامع الذي حضره بمعناه. وقد وُجد مثلُ ذلك كثيراً في الأخبار، فغير جائز فيما كان هذا وصفه أن يُعزى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالاحتمال، وجائز أن يكون أبو هريرة قال ذلك من جهة أنه سمع النبي عليه السلام يجهر بها، وظنها من السورة، لأن أبا هريرة قد روى الجهرَ عن النبي صلى الله عليه وسم. وأيضاً لو ثبت هذا الحديث عارياً من الاضطراب في السند والاختلاف في الرفع وزوال الاحتمال في كونه من قول أبي هريرة لما جاز لنا إثباتها من السورة، إذ كان طريق إثباتها نقل الأمة ما بُيِّن آنفاً. فصل وأما القول في أنها آية أو ليست بآية، فإنه لا خلاف أنها ليست بآية تامة في سورة النمل، وأنها هناك بعض آية، وأن ابتداء الآية من قوله تعالى {إنه من سليمان} [النمل: 30] ومع ذلك فكونها ليست آية تامة في سورة النمل لا يمنع أن تكون آيةً في غيرها لوجودنا مثلها في القرآن. ألا ترى أن قوله: {الرحمن الرحيم} في أضعاف الفاتحة هو آيةً تامة، وليست بآية من قوله: {بسم الله الرحمن الرحيم} عند الجميع. وكذلك قوله: {الحمد لله رب العالمين} هي آية تامة في الفاتحة وهي بعض آية في قوله تعالى: {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} [يونس: 10]. وإذا كان كذلك احتُمِل أن تكون بعضَ آية في فصول السورة واحتمل أن تكون آيةً على حسب ما ذكرنا. وقد دللنا على أنها ليست من الفاتحة، فالأولى أن تكون آية تامةً من القرآن من غير سورة النمل، لأن التي في سورة النمل ليست بآية تامة. والدليل على أنها آيةٌ تامة حديث ابن أبي مليكة عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة فعدَّها آية. وفي لفظ آخر أن النبي عليه السلام كان يعد بسم الله الرحمن الرحيم آية فاصلة، رواه الهيثم بن خالد عن أبي عكرمة عن عمرو بن هارون عن أبي مليكة عن أم سلمة عن النبي عليه السلام. وروى أيضاً أسباط عن السدّي عن عبد خير عن عليّ أنه كان يعد بسم الله الرحمن الرحيم آية. وعن ابن عباس مثله. وروى عبد الكريم عن أبي أمية البصري عن ابن أبي بردة عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا أخرج من المسجد حتى أخبرك بآية أو سورة لم تنزل على نبيّ بعد سليمان عليه السلام غيري" فمشى واتبعته حتى انتهى إلى باب المسجد وأخرج إحدى رجليه من أُسكُفّة الباب وبقيت الرجل الأخرى، ثم أقبل عليّ بوجهه، فقال: "بأي شيء تفتح القرآن إذا افتتحت الصلاة؟" فقلت: ببسم الله الرحمن الرحيم، قال: ثم خرج. قال أبو بكر: فثبت بما ذكرنا أنها آية، إذ لم تعارض هذه الأخبارُ أخبارَ غيرها في نفي كونها آية. فإن قال قائل: يلزمك على ما أصّلتَ أن لا تثبتها آية بأخبار الآحاد حسب ما قلته في نَفي كونها آية من أوائل السور، قيل له: لا يجب ذلك من قِبَل أنه ليس على النبي عليه السلام توقيفُ الأمة على مقاطع الآي ومقاديرها ولم يُتعبَّد بمعرفتها فجائز إثباتها آية يخبر الواحد. وأما موضعها من السور فهو كإثباتها من القرآن، سبيلُه النقلُ المتواتر، ولا يجوز إثباتها بأخبار الآحاد ولا بالنظر والمقاييس كسائر السور وكموضعها من سورة النمل. ألا ترى أنه قد كان يكون من النبي صلى الله عليه السلام توقيفٌ على موضع الآي على ما روى ابن عباس عن عثمان، وقد قدمنا ذكره، ولم يوجد عن النبي عليه السلام توقيف في سائر الآي على مباديها ومقاطعها فثبت أنه غير مفروض علينا مقادير الآي، فإذ قد ثبت أنها آية فليست تخلو من أن تكون آيةً في كل موضع هي مكتوبةٌ فيه من القرآن. وإن لم تكن من أوائل السور أو أن تكون آية منفردة كُرِّرت في هذه المواضع على حسب ما يُكتب في أوائل الكتب على جهة التبرك باسم الله تعالى فالأولى أن تكون آيةً في كل موضع هي مكتوبة فيه، لنقل الأمة أن جميعَ ما في المصحف من القرآن، ولم يخصّوا شيئاً منه من غيره. وليس وجودُها مكررةً في هذه المواضع مُخرجَها من أن تكون من القرآن لوجودنا كثيراً منه مذكوراً على وجه التكرار، ولا يخرجه ذلك من أن تكون كل آية منها وكل لفظة من القرآن في الموضع المذكور فيه نحو قوله {الحي القيوم} في سورة البقرة، ومثله في سورة آل عمران، ونحو قوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} كل آية منها مفردة في موضعها من القرآن لا على معنى تكرار آية واحدة. وكذلك بسم الله الرحمن الرحيم، وقول النبي عليه السلام أنها آية يقتضي أن تكون آيةً في كل موضع ذكرت فيه. كتاب الجصاص 1) الصلاة (فاتحة الكتاب) 2) تفسير (فاتحة الكتاب) باب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة قال أصحابنا جميعاً رحمهم الله: يقرأ بفاتحة الكتاب وسورة في كل ركعة من الأوليين، فإن ترك قراءة فاتحة الكتاب وقرأ غيرها فقد أساء، وتُجزيه صلاتُه. وقال مالك بن أنس: إذا لم يقرأ أمَّ القرآن في الركعتين أعاد. وقال الشافعي: أقلُّ ما يُجزي فاتحةُ الكتاب، فإن ترك منها حرفاً وخرج من الصلاة أعاد. قال أبو بكر: روى الأعمش عن خيثمة عن عباد بن ربعي، قال: قال عمر: لا تُجزى صلاةٌ لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وآيتين فصاعداً. وروى ابن علية عن الجريري عن ابن بريدة عن عمران بن حصين، قال: لا تُجزى صلاةٌ لا يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب وآيتين فصاعداً. وروى معمر عن أيوب عن أبي العالية، قال: سألت ابن عباس عن القراءة في كل ركعة، قال: اقرأ منه ما قل أو كثر وليس من القرآن شيء قليل. ورُوي عن الحسن وإبراهيم والشعبي أنّ من نسي قراءة فاتحة الكتاب وقرأ غيرها لم يُضِره، وتجزيه. وروى وكيع عن جرير بن حازم عن الوليد بن يحيى أن جابر بن زيد قام يصلي ذات يوم فقرأ {مُدهامَّتان} [الرحمن: 64] ثم ركع. قال أبو بكر: وما رُوي عن عمر وعمران بن حصين في أنها لا تُجزى إلا بفاتحة الكتاب وآيتين محمولٌ على جواز التمام لا على نفي الأصل؛ إذ لا خلاف بين الفقهاء في جوازها بقراءة فاتحة الكتاب وحدها. والدليل على جوازها مع ترك الفاتحة، وإن كان مسيئاً، قولُه تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرأن الفجر} [الإسراء: 78] ومعناه قراءة الفجر في صلاة الفجر، لاتفاق المسلمين على أنه لا فرض عليه في القراءة وقت صلاة الفجر إلا في الصلاة؛ والأمرُ على الإيجاب حتى تقوم دلالة الندب، فاقتضى الظاهر جوازها بما قرأ فيها من شيء، إذ ليس فيه تخصيص لشيء منه دون غيره ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: {فاقرؤُوا ما تيسر من القرآن} [المزمل: 20] والمراد به القراءة في الصلاة بدلالة قوله تعالى: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل} [المزمل: 20] إلى قوله {فاقرؤوا ما تيسر من القرآن} [المزمل: 20] ولم تختلف الأمة أن ذلك في شأن الصلاة في الليل. وقوله تعالى {فاقرؤوا ما تيسر من القرآن} عمومٌ عندنا في صلاة الليل وغيرها من النوافل والفرائض لعموم اللفظ. ويدل على أن المراد به جميعُ الصلاة من فرض ونفل حديثُ أبي هريرة ورفاعة بن رافع في تعليم النبي صلى الله عليه وسلم الأعرابي الصلاة حين لم يحسنها فقال له: "ثم اقرأ ما تيسر من القرآن". وأمرُه بذلك عندنا إنما صدر عن القرآن، لأنا متى وجدنا للنبي صلى الله عليه وسلم أمرا يواطىء حكماً مذكوراً في القرآن وجب أن يُحكم بأنه إنما حكم بذلك عن القرآن، كقطعه السارق وجلده الزانيَ ونحوها. ثم لم يخصص نفلاً من فرض فثبت أن مراد الآية عامٌ في الجميع. فهذا الخبر يدل على جوازها بغير فاتحة الكتاب من وجهين: أحدهما دلالته على أن مراد الآية عامٌ في جميع الصلوات، والثاني أنه مستقلٌ بنفسه في جوازها بغيرها. وعلى أن نزول الآية في شأن صلاة الليل لو لم يعاضده الخبر لم يمنع لزوم حكمها في غيرها من الفرائض والنوافل من وجهين: أحدهما أنه إذا ثبت ذلك في صلاة الليل فسائر الصلوات مثلها، بدلالة أن الفَرض والنفل لا يختلفان في حكم القراءة، وأنَّ ما جاز في النفل جاز في الفرض مثله، كما لا يختلفان في الركوع والسجود وسائر أركان الصلاة. فإن قال قائل: هما مختلفان عندك لأن القراءة في الأخريين غير واجبة عندك في الفرض، وهي واجبة في النفل إذا صلاها ـ قيل له: هذا يدل على أن النفل آكدُ في حكم القراءة من الفرض؛ فإذا جاز النفل مع ترك فاتحة الكتاب فالفرض أحرى أن يجوز. والوجه الآخر أن أحداً لم يفرِّق بينهما، ومن أوجبَ فرضَ قراءة فاتحة الكتاب في أحدهما أوجبها في الآخر، ومن أسقط فرضها في أحدهما أسقطه في الآخر. فلما ثبت عندنا بظاهر الآية جوازُ النفل بغيرها وجب أن يكون كذلك حكم الفرض. فإن قال قائل: فما الدلالةُ على جواز تركها بالآية؟ قيل له: لأن قوله: {فاقرؤوا ما تيسر من القرآن} يقتضي التخيير، وهو بمنزلة قوله: اقرأ ما شئت. ألا ترى أن من قال لرجل: بعْ عبدي هذا بما تيسر، أنه مخيّر له في بيعه له بما رأى. وإذا ثبت أن الآية تقتضي التخيير لم يجز لنا إسقاطه والاقتصارُ على شيء معين وهو فاتحة الكتاب، لأن فيه نسخ ما اقتضته الآية من التخيير. فإن قال قائل: هو بمنزلة قوله: {فما استيسر من الهَدي} [البقرة: 196] ووجوب الاقتصار به على الإبل والبقر والغنم مع وقوع الاسم على غيرها من سائر ما يُهدى ويتصدق به فلم يكن فيه نسخ الآية ـ قيل له: إن خياره باق في ذبحه أيَّها شاء من الأصناف الثلاثة، فلم يكن فيه رفعُ حكمها من التخيير ولا نسخُه وإنما فيه التخصيص. ونظير ذلك ما لو ورد أثرٌ في قراءة آية دون ما هو أقل منها لم يلزم منه نسخ الآية، لأن خياره باق في أن يقرأ أيَّما شاء من آي القرآن. فإن قال قائل: قوله: {فاقرؤوا ما تيسر من القرآن} يستعمل فيما عدا فاتحة الكتاب، فلا يكون فيه نَسْخٌ لها ـ قيل له: لا يجوز أن تكون عبادةٌ إلا ويه من أركانها التي لا تصح إلا بها، الثاني أن ظاهره يقتضي التخيير في جميع ما يقرأ في الصلاة، فلا يجوز تخصيصه في بعض ما يقرأ فيها دون غيرها. الثالث أن قوله: {فاقرؤوا ما تيسر} أمرٌ، وحقيقتهُ ومقتضاه الواجب؛ فلا يجوز صرفُه إلى النَّدب من القراءة دون الواجب منها. ومما يدل على ما ذكرنا من جهة الأثر ما حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا مؤمل بن إسماعيل، حدثنا حماد عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة عن علي بن يحيى بن خلاد عن عمر، أن رجلاً دخل المسجد فصلّى، ثم جاء فسلم على النبي عليه السلام، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه، وقال له: "ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِ" فرجع الرجل فصلى كما كان يصلي. ثم جاء إلى النبي عليه السلام، فرد عليه، ثم قال له: "ارجعْ فصلِّ فإنك لم تصلِّ" حتى فعل ذلك ثلاث مرات فقال عليه السلام: "إنه لا تتم صلاةُ أحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء مواضعه، ثم يكبِّر ويحمد الله تعالى ويُثني عليه، ويقرأ بما شاء من القرآن، ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله" وذكر الحديث. وحدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا أبو داود، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى بن سعيد عن عبدالله، قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، أن رجلاً دخل المسجد فصلى، ثم جاء فسلّم، وذكر نحوه، ثم قال: "إذا قمتَ إلى الصلاة فكبِّر، ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن، ثم اركع" وذكر الحديث. قال أبو بكر: قال في الحديث الأول: " ثم اقرأ ما شئت" وفي الثاني: "ما تيسّر" فخيره في القراءة بما شاء. ولو كانت قراءة فاتحة الكتاب فرضاً لعلَّمه إياها مع علمه يجهر الرجل بأحكام الصلاة، إذ غير جائز الاقتصار في تعليم الجاهل على بعض فروض الصلاة دون بعض، فثبت بذلك أن قراءتها ليست بفرض. وحدثنا عبدالباقي بن قانع، حدثنا أحمد بن علي الحزار، قال: حدثنا عامر بن سيّار، قال: حدثنا أبو شيبة إبراهيم بن عثمان، حدثنا سفيان عن أبي نضرة عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا صلاة إلا بقراءة يقرأ فيها فاتحة الكتاب أو غيرها من القرآن". وقد حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا وهب بن بقية عن خلد عن محمد بن عمرو عن علي بن يحيى بن خلاد عن رفاعة بن رافع بهذه القصة، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا قمت فتوجهت إلى القبلة فكبِّر ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن تقرأ" وذكر تمام الحديث، فذكر فيه قراءة أم القرآن وغيرها، وهذا غيرُ مخالف للأخبار الأُخر، لأنه محمولٌ على أنه يقرأ بها إن تيسر، إذ غير جائز حملهُ على تعيين الفرض فيها لما فيه من نسخ التخيير المذكور في غيره؛ ومعلوم أن أحد الخبرين غير منسوخ بالآخر إذ كانا في قصة واحدة. فإن قال قائل: لما ذكر في أحد الخبرين التخييرَ فيما يقرأ، وذكر في الآخر الأمر بقراءة فاتحة الكتاب من غير تخيير، وأثبت التخيير فيما عداها بقوله: "وبما شاء الله أن تقرأ" بعد فاتحة الكتاب، ثبت بذلك أن التخيير المذكور في الأخبار الأخر إنما هو فيما عدا فاتحة الكتاب، وأن ترك ذكر فاتحة الكتاب إنما هو إغفالٌ من بعض الرواة، ولأن في خبرنا زيادة وهو الأمر بقراءة فاتحة الكتاب بلا تخيير ـ قيل له: غيرُ جائز حملُ الخبر الذي فيه التخيير مطلقاً على الخبر المذكور فيه فاتحة الكتاب على ما ادعيت، لإمكان استعمالهما من غير تخصيص، بل الواجب أن نقول: التخييرُ المذكور في الخبر المطلق حكمه ثابتٌ في الخبر المقيد بذكر فاتحة الكتاب، فيكون التخيير عاماً في فاتحة الكتاب وغيرها، كأنه قال: اقرأ بأم القرآن إن شئت وبما سواها؛ فيكون في ذلك استعمالُ زيادة التخيير في فاتحة الكتاب، دون تخصيصه في بعض القراءة دون بعض. ويدل عليه أيضاً ما حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: حدثنا عيسى عن جعفر بن ميمون البصري، قال: حدثنا أبو عثمان النهدي عن أبي هريرة: قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اخرج فنادِ في المدينة أنه لا صلاة إلا بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب فما زاد". وقوله: "لا صلاة إلا بالقرآن" يقتضي جوازها بما قرأ به من شيء. وقوله: "ولو بفاتحة الكتاب فما زاد". يدل أيضاً على جوازها بغيرها، لأنه لو كان فرض القراءة متعيناً بها لما قال: "ولو بفاتحة الكتاب فما زاد" ولقال: بفاتحة الكتاب. ومما يدل على ما ذكرنا حديثُ ابن عيينة عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّما صلاة لم يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خَدَاج" ورواه مالك وابن جريج عن العلاء عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، واختلافهما في السند على هذا الوجه لا يوهنه، لأنه قد روى أنه قد سمع من أبيه ومن أبي السائب جميعاً. فلما قال: " فهي خِدَاج" والخِدَاج الناقصة، دلَّ ذلك على جوازها مع النقصان، لأنه لو لم تكن جائزة لما أطلق عليها اسم النقصان، لأن إثباتها ناقصة ينفي بطلانها؛ إذ لا يجوز الوصف بالنقصان لما لم يثبت منه شيء. ألا ترى أنه لا يقال للناقة إذا حالت فلم تحمل أنها قد أخْدَجَت، وإنما يقال: أخدجت وخَدَجَتْ، إذا ألقت ولدها ناقِصَ الخلقة أو وضعته لغير تمامٍ في مدة الحمل. فأما ما لم تحمل فلا توصف بالخِداج. فثبت بذلك جواز الصلاة بغير فاتحة الكتاب، إذ النقصان غير نافٍ للأصل، بل يقتضي ثبوت الأصل حتى يصح وصفها بالنقصان. وقد روى أيضاً عباد بن عبدالله بن الزبير عن عائشة عن النبي عليه السلام، قال: "كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فيه خِداج" فأثبتها ناقصةً، وإثباتُ النقصان يوجب ثبوت الأصل على ما وصفنا. وقد رُوي أيضاً عن النبي عليه السلام: "إن الرجل ليصلي الصلاة يكتب له نصفُها خمسُها عشرُها" فلم يبطل جزء بنقصانها. فإن قال قائل: قد روى هذا الحديث محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى صلاة ولم يقرأ فيها شيئاً من القرآن فهي خِدَاج فيه خِدَاج فهي خِدَاج غير تمام" وهذا الحديث يعارض حديثَ مالك وابن عيينة في ذكرهما فاتحة الكتاب دون غيرها، وإذا تعارضا سقطا، فلم يثبت كونها ناقصة إذا لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ـ قيل له: لا يجوز أن يُعارَضَ مالكٌ وابن عيينة بمحمد بن عجلان، بل السهو والإغفال أجْوَزُ عليه منهما، فلا يعترض على روايتهما به. وعلى أنه ليس فيه تعارض، إذ جائزٌ أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد قالهما جميعاً، قال مرة وذكر فاتحة الكتاب، وذكر مرّة أخرة القراءة مطلقة. وأيضاً فجائز أن يكون المراد بذكر الإطلاق ما قيده في خبر هذين. فإن قال قائل: إذا جوَّزْتَ أن يكون النبي عليه السلام قد قال الأمرين، فحديث محمد بن عجلان يدل على جواز الصلاة بغير قراءة رأساً، لإثباته إياها ناقصة مع عدم القراءة رأساً ـ قيله له: نحن نقبل هذا السؤال، ونقول: كذلك يقتضي ظاهرُ الخبرين. إلا أن الدلالة قامت على أن ترك القراءة يفسدها، فحملناه على معنى الخبر الآخر. قال أبو بكر: وقد رُويت أخبارٌ أخر في قراءة فاتحة الكتاب يحتج بها من يراها فرضاً. فمنها حديث العلاء بن عبد الرحمن عن عائشة وعن أبي السائب مولى هشام بن زهرة عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام، قال: "يقول الله تعالى: قَسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين؛ فنصفها لي، ونصفها لعبدي. فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي" وذكر الحديث. قالوا: فلما عبر بالصلاة عن قراءة فاتحة الكتاب دلّ على أنها من فروضها، كما أنه لما عبر عن الصلاة بالقرآن في قوله: {وقرآن الفجر} [الإسراء: 78] وأراد قراءة صلاة الفجر دلَّ على أنها من فروضها، وكما عبر عنها بالركوع فقال: {واركعوا مع الراكعين} [البقرة: 43] دلَّ على أنه من فروضها ـ قيل له: لم تكن العبارة عنهما لما ذكرت موجباً لفرض القراءة والركوع فيها دون ما تناوله من لفظ الأمر المقتضي للإيجاب، وليس في قوله: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي" أمرٌ، وإنما أكثر ما فيه الصلاة بقراءة فاتحة الكتاب، وذلك غير مقتض للإيجاب، لأن الصلاة تشتمل على النوافل والفروض. وقد أفاد النبي عليه السلام بهذا الحديث نفيَ إيجابها لأنه قال في آخره: "فمن لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِداج" فأثبتها ناقصة مع عدم قراءتها. ومعلومٌ أنه لم يرد نسخَ أولِ كلامه بآخره، فدل ذلك على أن قول الله تعالى "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين" وذِكْر فاتحة الكتاب لا يوجب أن يكون قراءتها فرضاً فيها. وهذا كما روى شعبة عن عبد ربه بن سعيد عن أنس بن أبي أنس عن عبدالله بن نافع بن العمياء عن عبدالله بن الحارث عن المطلب بن أبي وداعة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصلاة مَثْنَى مَثْنَى، وتشهدٌ في كل ركعتين، وتبأسٌ وتمسكُنٌ وتقنع لربك، وتقول اللهم، فمن لم يفعل فهي خِدَاج" ولم يوجب ذل أن يكون ما سماه صلاة من هذه الأفعال فرضاً فيها. ومما يحتج به المخالفون أيضاً حديث عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" وبما حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا أبو داود، قال حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا جعفر عن أبي عثمان عن أبي هريرة، قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنادي أن لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فما زاد. قال أبو بكر: قوله عليه السلام: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" يحتمل لنفي الأصل ونفي الكمال، وإن كان ظاهره عندنا على نفي الأصل حتى تقوم الدلالة على أن المراد نفي الكمال. ومعلوم أنه غير جائز إرادة الأمرين جميعاً، لأنه متى أراد نفي الأصل لم يثبت منه شيء، وإذا أراد نفي الكمال وإثبات النقصان فلا محالة بعضه ثابت، وإرادتهما معاً منتفية مستحيلة. والدليل على أنه لم يرد نفي الأصل أن إثباتَ ذلك إسقاطُ التخيير في قوله تعالى: {فاقرؤوا ما تيسر من القرآن} [المزمل: 20] وذلك نسخٌ، وغير جائز نسخُ القرآن بأخبار الآحاد. ويدل عليه أيضاً ما رواه أبو حنيفة وأبو معاوية وابن فضيل وأبو سفيان عن أبي نضرة عن سعيد عن النبي عليه السلام، قال: "لا تجزى صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمدُ لله وسورة في الفريضة وغيرها". إلا أن أبا حنيفة معها غيرها، وقال معاوية لا صلاة، ومعلوم أنه لم يرد نفي الأصل وإنما مراده نفي الكمال لاتفاق الجميع على أنها مجزية بقراءة فاتحة الكتاب وإن لم يقرأ معها غيرها. فثبت أنه أراد نفي الكمال وإيجاب النقصان، وغير جائز أن يريد به نفي الأصل ونفي الكمال لتضادهما واستحالة إرادتهما جميعاً بلفظ واحد. فإن قال قائل: هذا حديث غير حديث عبادة وأبي هريرة، وجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال مرة "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" فأوجب بذلك قراءتها وجعلها فرضاً فيها، وقال مرة أخرى ما ذكره سعيد من قراءة فاتحة الكتاب وشيء معها، وأراد به نفي الكمال إذا لم يقرأ مع فاتحة الكتاب غيرها ـ قيل له: ليس معك تاريخ الحديثين، ولا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك في حالين، ويحتاج إلى دلالة في إثبات كل واحد من الخبرين في الحالين. ولمخالِفِك أن يقول: لما لم يثبت أن النبي عليه السلام قال: ذلك في وقتين، وقد ثبت اللفظان جميعاً، جعلتهما حديثاً واحداً ساق بعض الرواة لفظه على وجهه وأغفل بعضهم بعض ألفاظه، وهو ذكر السورة، فهما متساويان حينئذ، ويثبت الخبر بزيادة في حالة واحدة. ويكون لقول خصمك مزية على قولك، وهو أن كل ما لم يعرف تاريخه فسبيله أن يحكم بوجودهما معاً. وإذا ثبت أنه قالهما في وقت واحد بزيادة السورة، فمعلوم أنه مع ذكر السورة لم يرد نفي الأصل، وإنما أراد إثبات النقص، حملناه على ذلك، ويكون ذلك كقوله عليه السلام: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، ومن سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له، ولا أيمان لمن لا أمانة له" وكقوله تعالى: {إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم} [التوبة: 12و 13] فنفاها بدءاً وأثبتها ثانياً، لأنه أراد نفي الكمال لا نفي الأصل، أي: لا أيمان لهم وافية فيفون بها. فإن قال قائل: فهلا استعملت الأخبار على ظواهرها واستعملت التخيير المذكور في الآية فيما عدا فاتحة الكتاب ـ قيل له: لو انفردت الأخبار عن الآية، لما كان فيها ما يوجب فرض قراءة فاتحة الكتاب، مما بيَّنا من أن فيها ما لا يحتمل إلا إثبات الأصل، مع تركها واحتمال سائر الأخبار الأخر، لنفي الأصل ونفي الكمال. وعلى أن هذه الأخبار لو كانت موجبة لتعيين فرض القراءة فيها لما جاز الاعتراض بها على الآية وصرفها عن الواجب إلى النفل فيما عدا فاتحة الكتاب، لما ذكرناه في أول المسألة فارجع إليه فإنك تجده كافياً إن شاء الله تعالى. فصل قال أبو بكر: وقراءة فاتحة الكتاب مع ما ذكرنا من حكمها تقتضي أمر الله تعالى إيانا بفعل الحمد، وتعليم لنا كيف نحمده وكيف الثناء عليه وكيف الدعاء له، ودلالة على أن تقديم الحمد والثناء على الله تعالى على الدعاء أولى وأحرى بالإجابة، لأن السورة مفتتحة بذكر الحمد ثم بالثناء على الله، وهو قوله: {الحمد لله رب العالمين} إلى {مالك يوم الدين} ثم الاعتراف بالعبادة له وإفرادها له دون غيره بقوله: {إياك نعبد} ثم الاستعانة به في القيام بعبادته في سائر ما بنا الحاجة إليه من أمور الدنيا والدين وهو قوله: {إياك نستعين} ثم الدعاء بالتثبيت على الهداية التي هدانا لها من وجوب الحمد له واستحقاق الثناء والعبادة، لأن قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} هو دعاء للهداية والتثبيت عليها في المستقبل، إذ غير جائز ذلك في الماضي؛ وهو التوفيق عما ضل عنه الكفّار من معرفة الله وحمده والثناء عليه، فاتسحقوا لذلك غضبه وعقابه. والدليلُ على أن قوله تعالى: {الحمد لله رب العالمين}، مع أنه تعليم لنا الحمد، وهو أمرٌ لنا به، قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} فاعلَمْ أن الأمر بقول الحمد مُضمرٌ في ابتداء السورة، وهو مع ما ذكرنا رُقْبَةٌ وعُوذةٌ وشفاء، لما حدثنا به عبدالباقي، قال: حدثنا معاذ بن المثنى، قال: حدثنا سعيد بن المعلى، قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن جعفر بن إياس عن أبي نضرة عن أبي سعيد، قال: كنا في سريَّة فمررنا بحيّ من العرب فقالوا: سيِّدٌ لنا لدغته العقربُ، فهل فيكم راقٍ؟ قال: قلت: أنا، ولم أفعل حتى جعلوا لنا جُعْلاً، جعلوا لنا شاةً. قال: فقرأت عليه فاتحة الكتاب سبع مرات، فبرأ؛ فأخذت الشاة، ثم قلت: حتى نأتي النبي عليه السلام. فأتيناه فأخبرناه، فقال: "علمت أنها رقية حق. اضربوا لي معكم بسهم". ولهذه السورة أسماء، منها أم الكتاب لأنها ابتداؤه. قال الشاعر: "الأرضُ معقلُنا وكانت أمَّنا" فسمى الأرض أمّاً لنا لأنه منها ابتدأنا الله تعالى. وهي أم القرآن، وإحدى العبارتين تغني عن الأخرى، لأنه إذا قيل أم الكتاب فقد عُلم أن المراد كتاب الله تعالى الذي هو القرآن؛ فقيل تارة أم القرآن وتارة أم الكتاب. وقد رويت العبارة باللفظين جميعاً عن النبي عليه السلام، وكذلك فاتحة الكتاب. وهي السَّبعُ المثاني، قال سعيد بن جبير: سألت ابن عباس عن السبع المثاني، فقال: السبعُ المثاني هي أم القرآن. وإنما أراد بالسبع أنها سبعُ آيات. ومعنى المثاني أنها تُثنَّى في كل ركعة، وذلك من سننها، وليس من سُنَّة سائر القرآن إعادته في كل ركعة.

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

صفحات مهمة:

ثمن الموقع :

ترتيب الموقع:

تابعنا على تويتر:

عدد زوار الموقع:

جميع الحقوق محفوظة

مدونة بلوجر

2016