بيان الفرق { وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } [ المائدة : 48 ] [ سبب النزول | النسخ في الآية | المواضيع | الفضائل | الاعراب | المعاني | التفسير | الأحكام ] سبب النزول لم يرد في المرجع سبب لنزول الآية رقم ( 48 ) من سورة ( المائدة ) رأس الصفحة النسخ في الآية لم يرد في المرجع ناسخ ومنسوخ للآية رقم ( 48 ) من سورة ( المائدة ) رأس الصفحة المواضيع الواردة في الآية الموضوع العنوان أسماء القرآن الكتاب الحساب حتمية الحساب الهوى النهي عن اتباع الهوى مشيئة اللّه --- الله جلّ جلاله الله [منزل الكتاب] الله جلّ جلاله الفعّال لما يريد ولا يسأل عما يفعل أهل الكتاب [اليهود والنصارى] وجوب الحذر في التعامل معهم البلاء والابتلاء هكذا يكون الابتلاء بنو إسرائيل الرسالة الخاتمة موجهة إليهم الاتباع النهي عن اتباع الأهواء الحكم وجوب الحكم بما أنزل الله الحكم العدل أساس الحكم وغايته الخير مدح الساعين في الخير الرجوع والرُّجعي رجعي الخلق كلهم إلى الله الشريعة ما جاءت به الرسل عليهم السلام الصدق القرآن مصدق لما بين يديه القرآن تنزيله من عند الله بالحق على الرسول [صلى الله عليه وسلم] القرآن آداب صحبة القرآن وبعض خصائصه [مصدق لما بين يديه من الكتاب ومهيمن عليه] الكتاب [التوراة والإنجيل] تصديق القرآن وهيمنته عليهما المنهاج لكلٍّ شرعة ومنهاج الناس كان الناس أمة فاختلفوا الناس الرسالة الخاتمة إلى الناس أجمعين الهوى اتباع الهوى يفسد العدالة رأس الصفحة فضائل السورة لم يتم ادخال فضائل سورة ( المائدة ) رأس الصفحة الإعراب {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً..} [48] حال {وَمُهَيْمِناً} عطف عليه {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} رُوِيَ عن ابن عباس أنه قال: الشرعة والمنهاج الاسلام والسنة، وقيل: الشرعة ابتداء الشيء وهو قول لا إله إلا الله، والمنهاج جملة الفرائض، وقيل: هما واحد. ومن أحسن ما قيل فيه أن الشريعة والشرعة واحد وهو ما ظهر من الدين مما يؤخذ بالسمع نحو الصلاة والزكاة وما أشبَهَهُما، ومنه أَشرعتُ باباً الى الطريق، ومنه شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً، ومنه {إذ تَأْتِيهِم حِيتَانُهُم يَوْمَ سبتهم شُرعاً} ومنه طريق شارع، ومنه الشراع والمنهاج الطريق الواضح البين المستقيم فجعل شريعةً وطريقاً بيّناً أي برهاناً واضحاً. ودلّ بهذا على أن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم مخالفة لشريعة موسى صلى الله عليه وسلم {لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي لَجَعَلَ شريعتكم واحدة {وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم} في الكلام حذف تتعلق به لام كي أي ولكن جعل شرائعكم مختلفة ليبلوكم أي ليتعبّدكم {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} أي فاسبقوا الخيرات من قبل أن تعجزوا عنها أو تموتوا أو يذهب وقتها. رأس الصفحة المعاني كتاب النحاس وقوله جل وعز: {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} [آية 48]. قال ابن عباس: أي مؤتمناً عليه. وقال سعيد بن جبير: القرآن مؤتمن على ما قبله من الكتب. وقال قتادة: أي شاهدٌ. وقال أبو العباس: محمد بن يزيد: الأصل مؤَيمِنٌ عليه أي أمين، فأبدل من الهمزة هاءً، كما يقال: هرمَتُ الماء، وأرمتُ الماء. وقال أبو عبيد: يقال: هَيْمنَ على الشيء، يهيمنُ، إذا كان له حافظاً. وهذه الأقوال كلها متقاربة المعاني، لأنه إذا كان حافظاً للشيء، فهو مؤتمن عليه، وشاهد. وقرأ مجاهد وابن محيصِن {ومُهَيْمَنَاً عَلَيهِ} بفتح الميم. وقال مجاهد: أي محمد صلى الله عليه وسلم مؤتمنٌ على القرآن. وقولُه جل وعز: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} [آية 48]. قال ابن عباس: سبيلاً، وسنَّةً. وقال قتادة: الدين كلُّه واحد، والشرائع مختلفة. وشِرْعةٌ، وشريعة عند أهل اللغة بمعنى واحد، وهو ما بَانَ وَوَضح. ومنه: طريقٌ "للشارع"، أي ظاهر بيِّنٌ، ومنه "هما في الأمرِ شَرَعٌ" أي ظهورُهما فيه واحد. والمنهاجُ في اللغة: الطريقُ البيِّنُ. وقال أبو العباس "محمد بن يزيد": الشريعةُ: ابتداءُ الطريق، والمنهاجُ: الطريقُ المستمرُّ. وقوله جل وعز: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [آية 48]. قال ابن عباس: على دينٍ واحد. ثم قال جل وعز: {وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم} [آية 48]. أي ليختبركم. كتاب الأخفش وقال {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} يقول: "وَشٰاهِداً عَلَيْهِ" نصب على الحال. وقال {شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} فـ"الشِّرْعَةُ": الدينِ، من "شَرَعَ" "يَشْرَعُ"، و"المِنْهٰاجُ": الطَريقُ من "نَهَجَ" "يَنْهَجُ". رأس الصفحة التفسير لقد تم اختيار التفسير الافتراضي للموقع كونك لم تقم بالدخول كمستخدم مسجل سجل هنا * تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري مصنف و مدقق وهذا خطاب من الله تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم، يقول تعالـى ذكره: { وأنْزَلْنا إلَـيْكَ } يا مـحمد { الكِتابَ } ، وهو القرآن الذي أنزله علـيه. ويعنـي بقوله: { بـالـحَقّ }: بـالصدق، ولا كذب فـيه، ولا شكّ أنه من عند الله. { مُصَدّقاً لِـمَا بـينَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ } يقول: أنزلناه بتصديق ما قبله من كتب الله التـي أنزلها إلـى أنبـيائه. { وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ } يقول: أنزلنا الكتاب الذي أنزلناه إلـيك يا مـحمد مصدقاً للكتب قبله، وشهيداً علـيها أنها حقّ من عند الله، أميناً علـيها، حافظاً لها. وأصل الهيـمنة: الـحفظ والارتقاب، يقال إذا رقب الرجل الشيء وحفظه وشهده: قد هيـمن فلان علـيه، فهو يهيـمن هيـمنةً، وهو علـيه مهيـمن!. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. إلا أنهم اختلفت عبـاراتهم عنه، فقال بعضهم: معناه: شهيداً. ذكر من قال ذلك: حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: { وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ } يقول: شهيداً. حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { وَمُهَيْـمِنا عَلَـيْهِ } قال: شهيداً علـيه. حدثنـي بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وأنْزَلْنا إلَـيْكَ الكِتابَ بـالـحَقّ مُصَدّقاً لِـما بـينَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ } يقول: الكتب التـي خـلت قبله، { وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ }: أميناً وشاهداً علـى الكتب التـي خـلت قبله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: { وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ }: مؤتـمناً علـى القرآن وشاهداً ومصدّقاً. وقال ابن جريج وآخرون: القرآن أمين علـى الكتب فـيـما إذ أخبرنا أهل الكتاب فـي كتابهم بأمر إن كان فـي القرآن فصدَقوا، وإلا فكذَبوا. وقال بعضهم: معناه: أمين علـيه. ذكر من قال ذلك: حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، وحدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا وكيع جميعاً، عن سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمي، عن ابن عبـاس: { وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ } قال: مؤتـمناً علـيه. حدثنا مـحمد بن عبـيد الـمـحاربـي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمي، عن ابن عبـاس فـي قوله: { وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ } قال: مؤتَـمناً علـيه. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، قال: ثنا سفـيان وإسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمي، عن ابن عبـاس، مثله. حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن سفـيان وإسرائيـل، عن أبـي إسحاق بإسناده، عن ابن عبـاس، مثله. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمي، عن ابن عبـاس، مثله. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمي، عن ابن عبـاس، مثله. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو،عن مطرِّف، عن أبـي إسحاق، عن رجل من تـميـم، عن ابن عبـاس، مثله. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: { وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ } قال: والـمهيـمن: الأمين، قال: القرآن أمين علـى كلّ كتاب قبله. حدثنـي مـحمد بن سعد،قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: { وأنْزَلْنا إلَـيْكَ الكِتابَ بـالـحَقّ مُصَدّقاً لِـمَا بَـينَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ } وهو القرآن، شاهد علـى التوراة والإنـجيـل، مصدقاً لهما. { ومُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ } يعنـي: أميناً علـيه، يحكم علـى ما كان قبله من الكتب. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حميد بن عبد الرحن، عن قـيس، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمي، عن ابن عبـاس: { وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ } قال: مؤتـمناً علـيه. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن زهير، عن أبـي إسحاق، عن رجل من بنـي تـميـم، عن ابن عبـاس: { وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ } قال: مؤتـمناً علـيه. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا يحيى الـحمانـيّ، قال: ثنا شريك، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمي، عن ابن عبـاس، مثله. حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان وإسرائيـل، عن علـيّ بن بذيـمة، عن سعيد بن جبـير: { وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ } قال: مؤتـمناً علـى ما قبله من الكتب. حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن أبـي رجاء، قال: سألت الـحسين، عن قوله: { وأنْزَلْنا إلَـيْكَ الكِتابَ بـالـحَقِّ مَصَدّقاً لـمَا بـينَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ } قال: مصدّقاً لهذه الكتب وأميناً علـيها. وسئل عنها عكرمة وأنا أسمع، فقال: مؤتـمناً علـيه. وقال آخرون: معنى الـمهيـمن الـمصدّق. ذكر من قال ذلك: حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ } قال: مصدّقاً علـيه. كلّ شيء أنزله الله من توراة أو إنـجيـل أو زبور فـالقرآن مصدّق علـى ذلك، وكلّ شيء ذكر الله فـي القرآن فهو مصدّق علـيها وعلـى ما حدّث عنها أنه حقّ. وقال آخرون: عنى بقوله: { مُصَدّقاً لِـمَا بـينَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ } نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك: حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ } مـحمد صلى الله عليه وسلم، مؤتـمن علـى القرآن. حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ } قال: مـحمد صلى الله عليه وسلم، مؤتـمن علـى القرآن. فتأويـل الكلام علـى ما تأوله مـجاهد: وأنزلنا الكتاب مصدّقاً الكتب قبله إلـيك، مهيـمناً علـيه. فـيكون قوله «مصدّقاً» حالاً من الكتاب وبعضاً منه، ويكون التصديق من صفة الكتاب، والـمهيـمن حالاً من الكاف التـي فـي «إلـيك»، وهي كناية عن ذكر اسم النبـيّ صلى الله عليه وسلم، والهاء فـي قوله: { عَلَـيْهِ } عائدة علـى الكتاب. وهذا التأويـل بعيد من الـمفهوم فـي كلام العرب، بل هو خطأ، وذلك أن الـمهيـمن عطف علـى الـمصدّق، فلا يكون إلا من صفة ما كان الـمصدّق صفة له، ولو كان معنى الكلام ما رُوي عن مـجاهد لقـيـل: وأنزلنا إلـيك الكتاب مصدّقاً لـما بـين يديه من الكتاب ومهيـمناً علـيه لأنه متقدّم من صفة الكاف التـي فـي «إلـيك»، ولـيس بعدها شيء يكون مهيـمناً علـيه عطفـاً علـيه، وإنـما عطف به علـى الـمصدّق، لأنه من صفة «الكتاب» الذي من صفته «الـمصدّق». فإن ظنّ ظانّ أن الـمصدّق علـى قول مـجاهد وتأويـله هذا من صفة الكاف التـي فـي «إلـيك»، فإن قوله: { لِـمَا بـينَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ } يبطل أن يكون تأويـل ذلك كذلك، وأن يكون الـمصدّق من صفة الكاف التـي فـي «إلـيك»، لأن الهاء فـي قوله: { بـينَ يَدَيْهِ } كناية اسم غير الـمخاطب، وهو النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي قوله «إلـيك»، ولو كان الـمصدّق من صفة الكاف لكان الكلام: وأنزلنا إلـيك الكتاب مصدقاً لـما بـين يديك من الكتاب ومهيـمناً علـيه، فـيكون معنى الكلام حينئذٍ كذلك. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ وَلا تَتَّبِعْ أهْوَاءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الـحَقّ }. وهذا أمر من الله تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم أن يحكم بـين الـمـحتكمين إلـيه من أهل الكتاب وسائر أهل الـملل، بكتابه الذي أنزله إلـيه، وهو القرآن الذي خصه بشريعته. يقول تعالـى ذكره: احكم يا مـحمد بـين أهل الكتاب والـمشركين بـما أنزل إلـيك من كتابـي وأحكامي، فـي كلّ ما احتـمكوا فـيه إلـيك من الـحدود والـجروح والقود والنفوس، فـارجم الزانـي الـمـحصن، واقتل النفس القاتلة بـالنفس الـمقتولة ظلـماً، وافقأ العين بـالعين، واجدع الأنف بـالأنف، فإن أنزلت إلـيك القرآن مصدّقاً فـي ذلك ما بـين يديه من الكتب، ومهيـمناً علـيه، رقـيبـاً يقضي علـى ما قبله من سائر الكتب قبله. ولا تتبع أهواء هؤلاء الـيهود الذين يقولون: إن أوتـيتـم الـجلد فـي الزانـي الـمـحصن دون الرجم، وقتل الوضيع بـالشريف إذا قتله، وترك قتل الشريف بـالوضيع إذا قتله، فخذوه، وإن لـم تُؤتوه فـاحذروا عن الذي جاءك من عند الله من الـحقّ، وهو كتاب الله الذي أنزله إلـيك. يقول له: اعمل بكتابـي الذي أنزلته إلـيك إذا احتكموا إلـيك، فـاختر الـحكم علـيهم، ولا تتركن العمل بذلك اتبـاعاً منك أهواءهم وإيثاراً لها علـى الـحقّ الذي أنزلته إلـيك فـي كتابـي. كما: حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة عن ابن عبـاس: { فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ } يقول: بحدود الله، { وَلا تَتَبِعْ أهْوَاءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الـحَقّ }. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون، عن عنبسة، عن جابر، عن عامر، عن مسروق: أنه كان يحلِّف الـيهودي والنصرانـي بـالله ثم قرأ: وأنِ احْكُمْ بَـيْنَهُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ وأنزل الله: أنْ لا يُشْرِكُوا بِه شَيْئاً. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { لِكُلٍّ جَعَلنْا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً }. يقول تعالـى ذكره: لكلّ قوم منكم جعلنا شرعة. والشرعة: هي الشريعة بعينها، تـجمع الشرعة شراعاً، والشريعة شرائع، ولو جمعت الشرعة شرائع كان صوابـاً، لأن معناها ومعنى الشريعة واحد، فـيردّها عند الـجمع إلـى لفظ نظيرها. وكلّ ما شرعت فـيه من شيء فهو شريعة، ومن ذلك قـيـل لشريعة الـماء: شريعة، لأنه يشرع منها إلـى الـماء، ومنه سميت شرائع الإسلام شرائع، لشروع أهله فـيه، ومنه قـيـل للقوم إذا تساووا فـي الشيء: هم شَرَعٌ سواء. وأما الـمنهاج، فإن أصله: الطريق البـين الواضح، يقال منه: هو طريق نَهْجٌ ومَنْهجٌ بـيِّن، كما قال الراجز: مَنْ يَكُ فِـي شَكَ فَهَذَا فَلْـجٌ ماءٌ رَوَاءٌ وَطَرِيقٌ نَهْجٌ ثم يستعمل فـي كلّ شيء كان بـينا واضحاً سهلاً. فمعنى الكلام لكل قوم منكم جعلنا طريقاً إلى الحق يؤمُّهُ، وسبيلاً واضحاً يعمل به. ثم اختلف أهل التأويـل فـي المعني بقوله: { لِكُلّ جَعَلْنا مِنْكُمْ } فقال بعضهم: عنـي بذلك أهل الـملل الـمختلفة، أي أن الله جعل لكلّ ملة شريعة ومنهاجاً. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { لِكُلّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً } يقول سبـيلاً وسنة. والسنن مختلفة: للتوراة شريعة، وللإنـجيـل شريعة، وللقرآن شريعة، يحلّ الله فـيها ما يشاء ويحرّم ما يشاء بلاءً، لـيعلـم من يطيعه مـمن يعصيه، ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره التوحيد والإخلاص لله الذي جاءت به الرسل. حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: { لكلّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً } قال: الدين واحد، والشريعة مختلفة. حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هاشم، قال: أخبرنا سيف بن عمر، عن أبـي روق، عن أبـي أيوب، عن علـيّ، قال: الإيـمان منذ بعث الله تعالـى ذكره آدم صلى الله عليه وسلم شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بـما جاء من عند الله، لكلّ قوم ما جاءهم من شرعة أو منهاج، فلا يكون الـمقرّ تاركاً ولكنه مطيع. وقال آخرون: بل عنـي بذلك أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم. وقالوا: إنـما معنى الكلام: قد جعلنا الكتاب الذي أنزلناه إلـى نبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم أيها الناس لكلكم: أي لكلّ من دخـل فـي الإسلام وأقرّ بـمـحمد صلى الله عليه وسلم أنه لـي نبـيّ، شِرعة ومنهاجاً. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قوله: { لِكُلَ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً } قال: سنة { ومنهاجاً } السبـيـل لكلكم، من دخـل فـي دين مـحمد صلى الله عليه وسلم، فقد جعل الله له شرعة ومنهاجاً، يقول: القرآن هو له شرعة ومنهاج. وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب قول من قال: معناه: لكلّ أهل ملة منكم أيها الأمـم جعلنا شرعة ومنهاجاً. وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب لقوله: { وَلَوْ شاءَ اللّهُ لَـجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } ولو كان عنـي بقوله: { لِكُلَ جَعَلْنا مِنْكُمْ } أمة مـحمد وهم أمة واحدة، لـم يكن لقوله: { وَلَوْ شاءَ اللّهُ لَـجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } وقد فعل ذلك فجعلهم أمة واحدة معنى مفهوم، ولكن معنى ذلك علـى ما جرى به الـخطاب من الله لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم أنه ذكر ما كتب علـى بنـي إسرائيـل فـي التوراة، وتقدّم إلـيهم بـالعمل بـما فـيها. ثم ذكر أنه قـفـى بعيسى ابن مريـم علـى آثار الأنبـياء قبله، وأنزل علـيه الإنـجيـل، وأمر من بعثه إلـيه بـالعمل بـما فـيه. ثم ذكر نبـينا مـحمداً صلى الله عليه وسلم، وأخبره أنه أنزل إلـيه الكتاب مصدّقاً لـما بـين يديه من الكتاب، وأمره بـالعمل بـما فـيه والـحكم بـما أنزل إلـيه فـيه دون ما فـي سائر الكتب غيره وأعلـمه أنه قد جعل له ولأمته شريعة غير شرائع الأنبـياء والأمـم قبله الذين قصّ علـيه قصصهم، وإن كان دينه ودينهم فـي توحيد الله والإقرار بـما جاءهم به من عنده والانتهاء إلـى أمره ونهيه واحداً، فهم مختلفو الأحوال فـيـما شرع لكلّ واحد منهم، ولأمته فـيـما أحلّ لهم وحرم علـيهم. وبنـحو الذي قلنا فـي الشرعة والـمنهاج من التأويـل قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا مسعر، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمّي، عن ابن عبـاس: { لِكُلَ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً } قال: سنة وسبـيلاً. حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن سفـيان وإسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمي، عن ابن عبـاس: { لِكُلّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً } قال: سنة وسبـيلاً. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان وإسرائيـل وأبـيه، عن أبـي إسحاق، عن التـميـميّ، عن ابن عبـاس، مثله. حدثنا هناد، قال: ثنا أبو يحيى الرازي، عن أبـي شيبـان، عن أبـي إسحاق، عن يحيى بن وثاب، قال: سألت ابن عبـاس عن قوله: { لِكُلَ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً } قال: سنة وسبـيلاً. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن علـية، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن التـميـميّ، عن ابن عبـاس: { شِرْعَةً وَمِنْهاجاً } قال: سنة وسبـيلاً. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن مطرف، عن أبـي إسحاق، عن رجل من بنـي تـميـم، عن ابن عبـاس، بـمثله. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمي، عن ابن عبـاس، مثله. حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: { لِكلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً } يعنـي: سبـيلاً وسنة. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن سفـيان بن حسين، قال: سمعت الـحسن يقول: الشرعة: السنة. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبـيد الله بن موسى، عن إسرائيـل، عن أبي يحيى القتات، عن مـجاهد، قال: سنة وسبـيلاً. حدثنـي مـحمد عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله تعالـى ذكره: { شِرْعَةً وَمِنْهاجاً } قال: الشرعة: السنة، ومنهاجاً، قال: السبـيـل. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد بنـحوه. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: { لِكُلَ جَعَلنْا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً } يقول: سبـيلاً وسنة. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحوضي، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا أبو إسحاق، قال: سمعت رجلاً من بنـي تـميـم، عن ابن عبـاس بنـحوه. حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السدّي: { شِرْعَةً وَمِنْهاجاً } يقول: سبـيلاً وسنة. حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: السنة والسبـيـل. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: قوله: { لِكُلّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً } يقول: سبـيلاً وسنة. حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ الفضل بن خالد، قال: أخبرنـي عبـيد بن سلـمان قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله { شِرْعَةً وَمِنْهاجاً } قال: سبـيلاً وسنة. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَلَوْ شاءَ اللّهُ لَـجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِـيَبْلُوَكُمْ فِـيـما آتاكُمْ }. يقول تعالـى ذكره: ولو شاء ربكم لـجعل شرائعكم واحدة، ولـم يجعل لكلّ أمة شريعة ومنهاجاً غير شرائع الأمـم الأخر ومنهاجهم، فكنتـم تكونون أمة واحدة، لا تـختلف شرائعكم ومنهاجكم. ولكنه تعالـى ذكره يعلـم ذلك، فخالف بـين شرائعكم لـيختبركم فـيعرف الـمطيع منكم من العاصي والعامل بـما أمره فـي الكتاب الذي أنزله إلـى نبـيه صلى الله عليه وسلم من الـمخالف. والابتلاء: هو الاختبـار، وقد ثبت ذلك بشواهده فـيـما مضى قبل. وقوله { فِـيـما آتاكُمْ } يعنـي: فـيـما أنزل علـيكم من الكتب. كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: { وَلَكِنْ لِـيَبْلُوكُمْ فِـيـما آتاكُمْ } قال عبد الله بن كثـير: لا أعلـمه إلا قال: لـيبلوكم فـيـما آتاكم من الكتب. فإن قال قائل: وكيف قال: لـيبلوكم فـيـما آتاكم، ومن الـمخاطب بذلك، وقد ذكرت أن الـمعنى: لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً لكلّ نبـيّ مع الأنبـياء الذين مضوا قبله وأمـمهم الذين قبل نبـينا صلى الله عليه وسلم، والـمخاطب النبـيّ وحده؟ قـيـل: إن الـخطاب وإن كان لنبـينا صلى الله عليه وسلم، فإنه قد أريد به الـخبر عن الأنبـياء قبله وأمـمهم، ولكن العرب من شأنها إذا خاطبت إنساناً وضمت إلـيه غائبـاً فأرادت الـخبر عنه أن تغلِّب الـمخاطب فـيخرج الـخبر عنهما علـى وجه الـخطاب، فلذلك قال تعالـى ذكره: { لِكُلَ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً }. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { فـاسْتَبِقُوا الـخَيْرَاتِ إلـى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَميعاً فَـيُنَبِّئُكُمْ بِـمَا كُنْتُـمْ فِـيهِ تَـخْتَلِفُونَ }. يقول تعالـى ذكره: فبـادروا أيها الناس إلـى الصالحات من الأعمال والقرب إلـى ربكم بإدمان العمل بـما فـي كتابكم الذي أنزله إلـى نبـيكم، فإنه إنـما أنزله امتـحاناً لكم وابتلاء، لـيتبـين الـمـحسن منكم من الـمسيء، فـيجازي جميعكم علـى عمله جزاءه عند مصيركم إلـيه، فإن مصيركم إلـيه جميعاً، فـيخبر كلّ فريق منكم بـما كان يخالف فـيه الفرق الأخرى، فـيفصل بـينهم بفصل القضاء، ويبـين الـمـحقّ بـمـجازاته إياه بجناته من الـمسيء بعقابه إياه بـالنار، فـيتبـين حينئذٍ كلّ حزب عياناً، الـمـحقّ منهم من الـمبطل. فإن قال قائل: أو لـم ينبئنا ربنا فـي الدنـيا قبل مرجعنا إلـيه ما نـحن فـيه مختلفون؟ فقـيـل: إنه بـين ذلك فـي الدنـيا بـالرسل والأدلة والـحجج، دون الثواب والعقاب عياناً، فمصدّق بذلك ومكذّب. وأما عند الـمرجع إلـيه، فإنه ينبئهم بذلك بـالـمـجازاة التـي لا يشكون معها فـي معرفة الـمـحقّ والـمبطل، ولا يقدرون علـى إدخال اللبس معها علـى أنفسهم، فكذلك خبره تعالـى ذكره أنه يبنئنا عند الـمرجع إلـيه بـما كنا فـيه نـختلف فـي الدنـيا. وإنـما معنى ذلك: إلـى الله مرجعكم جميعاً، فتعرفون الـمـحقّ حينئذٍ من الـمبطل منكم. كما: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن حبـاب، عن أبـي سنان، قال: سمعت الضحاك يقول: { فـاسْتَبِقُوا الـخَيْرَاتِ إلـى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً } قال: أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم البرّ والفـاجر. رأس الصفحة الأحكام كتاب الكيا الهراسي 1) شرع من قبلنا قوله تعالى: {لِكُل جَعَلْنَا مِنْكُم شِرْعَةً ومِنْهَاجاً}، يدل على عدم التعلق بشرائع الأولين. كتاب الكيا الهراسي 1) أصول فقه (الواجب) قوله تعالى: {فاستَبِقُوا الخَيْراتِ}، يدل على أن تقديم الواجبات أفضل من تأخيرها، وذلك لا خلاف فيه في العبادات كلها، إلا في الصلاة في اول الوقت، فإن أبا حنيفة يرى الأفضل تأخيرها، وهو أفضل من تقديمها وعموم الآية دليل عليه. وفيه دليل على أن الصوم في السفر أولى من الفطر. وقال تعالى في هذا الموضوع كرة أخرى: {وأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللهُ}، وذلك يجوز أن يكون تكرار، ويجوز أن يكون وراداً في قصة أخرى تحاكموا فيها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ذكر في التفسير أن بني النضير وبني قريظة تحاكموا إليه في الدية، وكان بنو النضير أضعف وقريظة أشرف، وكانوا يجعلون دية القتيلين على التفاوت، لذلك قال: {واحذَرْهُم أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إليْكَ}. أي لا يعدل على الحكم الذي أنزل الله تعالى عليه، إلى ما يهوون من الأحكام إطماعاً منهم في الدخول في الإسلام، وسياق الكلام إلى قوله: {أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيّةِ يَبْغُونَ} فيه وجهان: أحدهما: أنه خطاب لليهود, لأنهم كانوا إذا وجب الحكم على ضعفائهم ألزموهم إياه, وأخذوهم به, وإذا توجه على أغنيائهم سامحوا, فقيل لهم: {أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيّةِ يَبْغُونَ}. كتاب الجصاص 1) أصول فقه (شرع من قبلنا) 2) تفسير (المهيمن) 3) تفسير (المنهاج) 4) الصيام (الصيام في السفر) قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بالحَقِّ مُصَدِّقاً لما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ ومُهَيْمِنماً عَلَيْهِ} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: "مهيمناً يعني أميناً" وقيل: شاهداً، وقيل: حفيظاً، وقيل: مؤتمناً. والمعنى فيه أنه أمين عليه، ينقل إلينا ما في الكتب المتقدمة على حقيقته من غير تحريف ولا زيادة ولا نقصان؛ لأن الأمين على الشيء مصدَّقٌ عليه، وكذلك الشاهد. وفي ذلك دليل على أن كل من كان مؤتمناً على شيء فهو مقبولُ القول فيه، من نحو الودائع والعواري والمضاربات ونحوها؛ لأنه حين أنبأ عن وجوب التصديق بما أخبر به القرآن عن الكتب المتقدمة سمّا، أميناً عليها، وقد بيّن الله تعالى في سورة البقرة أن الأمين مقبولُ القول فيما ائتمن فيه، وهو قوله تعالى: {فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤدّ الذي ائتمن أمانته وليتق الله ربه} [البقرة: 283] وقال: {وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً} [البقرة: 282] فلما جعله أميناً فيه وَعَظَهُ بتَرْكِ البَخْسِ. وقد اختُلف في المراد بقوله: {وَمُهَيْمِناً}. فقال ابن عباس: "هو الكتاب، وفيه إخبارٌ بأن القرآن مهيمنٌ على الكتب المتقدمة شاهدٌ عليها". وقال مجاهد: "أراد به النبيَّ صلى الله عليه وسلم". قوله تعالى: {فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بمَا أَنْزَلَ الله} يدلّ على نسخ التخيير على ما تقدم من بيانه. قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعْ أهْوَاءَهُمْ} يدلّ على بطلان قول من يردّهم إلى الكنيسة أو البيعة للاستحلاف، لما فيه من تعظيم الموضع، وهو يهوون ذلك؛ وقد نهى الله تعالى عن اتّباع أهوائهم. ويدلّ على بُطْلان قول من يردّهم إلى دينهم لما فيه من اتباع أهوائهم والاعتداد بأحكامهم، ولأن رَدَّهُمْ إلى أهل دينهم إنما هو رَدٌّ لهم ليحكموا فيهم بما هو كفرٌ بالله عز وجل، إذ كان حكمهم بما يحكمون به كفراً بالله وإن كان موافقاً لما أنزل في التوراة والإنجيل، لأنهم مأمورون بتركه واتّباع شريعة النبي صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً ومِنْهَاجاً} الشرعة والشريعة واحدٌ، ومعناها الطريق إلى الماء الذي فيه الحياة، فسمّى الأمور التي تعبّد الله بها من جهة السمع شريعةً وشرعةً لإيصالها العاملين بها إلى الحياة الدائمة في النعيم الباقي. قوله تعالى: {ومِنْهَاجاً} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: "سنةً وسبيلاً". ويقال طَرِيقٌ نَهْجٌ إذا كان واضحاً. قال مجاهد: "وأراد بقوله: {شِرْعَةً} القرآن، لأنه لجميع الناس"، وقال قتادة وغيره: "شريعة التوراة وشريعة الإنجيل وشريعة القرآن". وهذا يحتجُّ به مَنْ نَفَى لزوم شرائع من قبلنا إبانا لم يثبتْ نسخُها، لإخباره بأنه جعل لكل نبيّ من الأنبياء شرعة ومنهاجاً. وليس فيه دليلٌ على ما قالوا؛ لأن ما كان شريعةً لموسى عليه السلام فلم يُنسخ إلى أن بعث النبي صلى الله عليه وسلم، فقد صارت شريعةً للنبيّ عليه السلام، وكان فيما سلف شريعة لغيره؛ فلا دلالة في الآية على اختلاف أحكام الشرائع. وأيضاً فلا يختلف أحد في تجويز أن يتعبّد اللهُ رَسُولَهُ بشريعة موافقةٍ لشرائع من كان قبله من الأنبياء، فلم يَنْفِ قوله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} أن تكون شريعة النبي عليه السلام موافقة لكثير من شرائع الأنبياء المتقدمين. وإذا كان كذلك، فالمراد فيما نُسخ من شرائع المتقدمين من الأنبياء وتعبّد النبي صلى الله عليه وسلم بغيرها، فكان لك منكم شرعة غير شرعة الآخر. قوله عز وجل: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} قال الحسن: "لجعلكم على الحق"، وهذه مشيئة القدرة على إجبارهم على القول بالحقّ، ولكنه لو فعل لم يستحقّوا ثواباً، وهو كقوله: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} [السجدة: 13]، وقال قائلون: "معناه: ولو شاء الله لجمعهم على شريعة واحدة في دعوة جميع الأنبياء". قوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} معناه الأمرُ بالمبادرة بالخيرات التي تعبَّدَنا بها قبل الفوات بالموت، وهذا يدل على أن تقديم الواجبات أفضلُ من تأخيرها، نحو قضاء رمضان والحج والزكاة وسائر الواجبات، لأنها من الخيرات. مطلب: الصوم في السفر أفضل من الإفطار فإن قيل: فهو يدل على أن فعل الصلاة في أول الوقت أفضل من تأخيرها، لأنها من الواجبات في أول الوقت. قيل له: ليست من الواجبات في أول الوقت، والآية مقتضية للوجوب، فهي فيما قد وجب وألزم؛ وفي ذلك دليل على أن الصوم في السفر أفضل من الإفطار لأنه من الخيرات، وقد أمر الله بالمبادرة بالخيرات.
إرسال تعليق