(سبب لنزول الآية )(المائدة )(رقم 87) -->
مدونة بلوجر  مدونة بلوجر
أخر الأخبار

أخر الأخبار

أخر الأخبار
التسميات
جاري التحميل ...
التسميات

(سبب لنزول الآية )(المائدة )(رقم 87)

بيان الفرق  { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ } [ المائدة : 87 ] [ سبب النزول | النسخ في الآية | المواضيع | الفضائل | الاعراب | المعاني | التفسير | الأحكام ] سبب النزول قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ}. [87]. أخبرنا أبو عثمان بن أبي عمرو المؤذن، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن حمدان قال: حدَّثنا الحسين بن نصر بن سفيان، قال: أخبرنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا أبو عاصم، عن عثمان بن سعد، قال أخبرني عِكْرَمَة، عن ابن عباس: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إني إذا أكلت هذا اللحم انتشرت إلى النساء، وإني حرَّمت عليَّ اللحمَ. فنزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} ونزلت: {وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلاَلاً طَيِّباً} الآية. وقال المفسرون: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فذكّر الناس، ووصف القيامة، ولم يزدهم على التخويف، فرَق الناس وبكَوْا، فاجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مَظْعُون الجُمَحِي، وهم: أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمرو، وأبو ذَرٍ الغِفَاري، وسالم مولى أبي حُذَيْفَةَ، والمِقْداد بن الأَسْوَد، وسَلْمان الفارِسي، ومَعْقِل بن مُقرِّن. واتفقوا على أن يصوموا النهار، ويقوموا الليل، ولا يناموا على الفرش، ولا يأكلوا اللحم، ولا الوَدَك [وَلاَ يَقْرَبُوا النِّساءَ والطِّيب، ويَلْبِسُوا الْمُسوحَ ويَرْفُضُوا الدُّنْيَا وَيَسِيحُوا في الأَرْضِ] ويترهبوا ويَجُبُّوا المَذَاكِيرَ. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجمعهم، فقال: ألَمْ أُنبَّأْ أنكم اتفقتم على كذا وكذا؟ فقالوا: بلى يا رسول الله وما أردنا إلا الخير، فقال: [لهم]: إني لم أُوْمَرْ بذلك، إِنّ لأنفسكم عليكم حقاً، فصوموا وأفطروا، وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدَّسَم، ومَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي فليس مني. ثم خرج إلى الناس وخَطَبَهُمْ فقال: ما بَالُ أَقوامٍ حرّموا النساءَ والطعام، والطِّيب والنوم، وشهواتِ الدنيا؟ أما إني لست آمركم أن تكونوا قِسِّيسِينَ ولا رهباناً، فإنه ليس في ديني ترْكُ اللحم والنساء، ولا اتخاذ الصوامع؛ وإن سِيَاحَةَ أمتي الصوم، ورَهْبانيتَهَا الجهادُ؛ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وحُجُّوا واعَتَمِرُوا، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان؛ فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شَدَّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الدِّيارَاتِ والصَّوامِع؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقالوا: يا رسول الله، كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ وكانوا حلفوا على ما عليه اتفقوا، فأنزل الله تعالى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} الآية. رأس الصفحة النسخ في الآية لم يرد في المرجع ناسخ ومنسوخ للآية رقم ( 87 ) من سورة ( المائدة ) رأس الصفحة المواضيع الواردة في الآية الموضوع العنوان الجهاد --- الطّيِّبات --- محبة اللّه --- الاكل شرط الأكل [أن نتقي الله فيه بلا طغيان ولا عدوان ولا فساد في الأرض] الاكل التحريم والإحلال حق الله وحده الحُبّ الذين لا يحبهم الله [المعتدون] الحرام النهي عن تحريم ما أحلّ الله الطعام كل الطيبات حلال الطيب تحريم الطيبات عدوان على حق الله العدوان تحريمه والنهي عنه العدوان سوء عاقبة أهل العدوان والبغي رأس الصفحة فضائل السورة لم يتم ادخال فضائل سورة ( المائدة ) رأس الصفحة الإعراب {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ..} [87] في موضع رفع نعت لأي {لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} جزم على النهي فلذلك حذفت منه النون وكذا {وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ}. رأس الصفحة المعاني كتاب النحاس وقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} [آية 87]. قال الضحاك: هؤلاء قوم من المسلمين قالوا: نقطع مَذَاكيرَنا، ونلْبَس المُسوحَ. وقال قتادة: نزلت في جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون قالوا نَخْصي أنفسنا ونترهَّبُ. وقال مجاهد: نزلت في عثمان بن مظعون وعبدالله بن عمرو بن العاص وغيرهما. قالوا: نترهب ونلبس المسوح. وقوله جل وعز: {وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} [آية 87]. الإِعتداءُ في اللغةِ: تجاوزُ مَا لَه إلى ما ليس لَهُ. قال الحسن: معناه: ألاَّ تأتوا ما نُهيتم عنه. كتاب الفراء وقوله: {لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ...(87)} هم نفر من أصحاب النبىّ صلى الله عليه وسلم أرادوا أن يرفضوا الدنيا، ويُحبُّوا أنفسهم، فأنزل الله تبارك وتعالى: {لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ} أى لا تجبُّوا أنفسكم. رأس الصفحة التفسير لقد تم اختيار التفسير الافتراضي للموقع كونك لم تقم بالدخول كمستخدم مسجل سجل هنا * تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري مصنف و مدقق يقول تعالـى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، وأقرّوا بـما جاءهم به نبـيهم صلى الله عليه وسلم أنه حقّ من عند الله { لا تُـحَرّمُوا طَيِّبـاتِ ما أَحَلَّ لَكُمْ } يعنـي بـالطيبـات: اللذيذات التـي تشتهيها النفوس وتـميـل إلـيها القلوب، فتـمنعوها إياها، كالذي فعله القسيسون والرهبـان، فحرّموا علـى أنفسهم النساء والـمطاعم الطيبة والـمشارب اللذيذة، وحبس فـي الصوامع بعضهم أنفسهم، وساح فـي الأرض بعضهم. يقول تعالـى ذكره: فلا تفعلوا أيها الـمؤمنون كما فعل أولئك، ولا تعتدوا حَدَّ الله الذي حدّ لكم فـيـما أحلّ لكم وفـيـما حرّم علـيكم فتـجاوزوا حَدَّهُ الذي حَدَّه، فتـخالفوا بذلك طاعته، فإن الله لا يحبّ من اعتدى حدّه الذي حدّه لـخـلقه فـيـما أحلّ لهم وحرّم علـيهم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك: حدثنـي أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عبثر أبو زبـيد، قال: ثنا حصين، عن أبـي مالك فـي هذه الآية: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُـحَرّمُوا طَيِّبـاتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ }... الآية، قال: عثمان بن مظعون وأناس من الـمسلـمين حرّموا علـيهم النساء، وامتنعوا من الطعام الطيِّب، وأراد بعضهم أن يقطع ذَكَره، فنزت هذه الآية. حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنـي خالد الـحذاء، عن عكرمة، قال: كان أناس من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم هموا بـالـخصاء وترك اللـحم والنساء، فنزلت هذه الآية: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُـحَرّمُوا طَيِّبـاتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الـمُعْتَدِينَ }. حدثنـي يعقوب قال: ثنا ابن علـية، عن خالد، عن عكرمة: أن رجالاً أرادوا كذا وكذا، وأرادوا كذا وكذا، وأن يختصوا، فنزلت: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُـحَرّمُوا طَيِّبـاتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُم } ْ إلـى قوله: {الَّذِي أنْتُـمْ بِهِ مُؤمِنُونَ} حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيـم: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُـحَرّمُوا طَيِّبـاتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ } قال: كانوا حرّموا الطيب واللـحم، فأنزل الله تعالـى هذا فـيهم. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الوهاب الثقـفـي، قال: ثنا خالد، عن عكرمة: أن أناساً قالوا: لا نتزوّج، ولا نأكل، ولا نفعل كذا وكذا. فأنزل الله تعالـى: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُـحَرّمُوا طَيِّبـاتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الـمُعْتَدِينَ }. حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن أبـي قِلابة قال: أراد أناس من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم أن يرفضوا الدنـيا ويتركوا النساء ويترهبوا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فغلظ فـيهم الـمقالة، ثم قال: " إنـما هَلكَ مَنْ كَان قَبْلَكُمْ بـالتَّشْدِيدِ، شَدَّدُوا علـى أنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ الله عَلَـيْهِمْ، فأولئك بَقَايَاهُمْ فـي الدِّيار والصَّوَامِع، اعْبُدُوا الله ولا تُشْرِكُوا به شيئاً، وحجُّوا واعْتَـمِرُوا، واسْتَقِـيـمُوا يَسْتَقِمْ لَكُمْ " قال: ونزلت فـيهم: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُـحَرّمُوا طَيِّبـاتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ }... الآية. حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: { لا تُـحَرّمُوا طَيِّبـاتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ } قال: نزلت فـي أناس من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم، أرادوا أن يتـخـلوا من اللبـاس ويتركوا النساء ويتزهدوا، منهم علـيّ بن أبـي طالب وعثمان بن مظعون. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن زياد بن فـياض، عن أبـي عبد الرحمن، قال: قال النبـيّ صلى الله عليه وسلم: " لا آمُرُكُمْ أنْ تَكُونُوا قِسِّيسينَ وَرُهْبـاناً " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا جامع بن حماد، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، فـي قوله: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُـحَرّمُوا طَيِّبـاتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ }... الآية ذكر لنا أن رجالاً من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم رفضوا النساء واللـحم وأرادوا أن يتـخذوا الصوامع فلـما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " لـيس فـي دينـي تَرْكُ النَّساءِ واللَّـحْم، ولا اتِّـخَاذُ الصَّوَامِعِ " وخُبِّرنا أن ثلاثة نفر علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اتفقوا، فقال أحدهم: أما أنا فأقوم اللـيـل لا أنام، وقال أحدهم: أما أنا فأصوم النهار فلا أفطر، وقال الآخر: أما أنا فلا أتـي النساء. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـيهم، فقال: " ألَـمْ أُنَبَّأْ أنَّكُمُ اتَّفَقْتُـمْ علـى كَذَا؟ " قالوا: بلـى يا رسول الله، وما أردنا إلا الـخير. قال: " لَكِنِّـي أقُومُ وأنامُ وأصُومُ وأُفْطِرُ وآتِـي النِّساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِـي فَلَـيْسَ مِنِّـي ". وكان فـي بعض القراءة: " من رغب عن سنتك فلـيس من أمتك وقد ضلّ عن سواء السبـيـل ". وذكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم قال لأناس من أصحابه: " إنّ مَن قبلكم شدّدوا علـى انْفُسِهِمْ فَشدَّدَ الله عَلَـيْهِمْ، فهَؤُلاء إخْوَانُهُم فـي الدُّور والصَّوَامِعِ، اعْبُدُوا الله ولا تُشْرِكُوا به شَيْئاً، وأقِـيـمُوا الصَّلاةَ، وآتُوا الزَّكاة، وصُومُوا رَمَضَانَ، وحُجُّوا واعْتَـمِرُوا، واسْتَقِـيـمُوا يُسْتَقَم لكم ". حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُـحَرّمُوا طَيِّبـاتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الـمُعْتَدِينَ } وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يوماً، فذكَّر الناس، ثم قام ولـم يزدهم علـى التـخويف، فقال أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا عشرة، منهم علـيّ بن أبـي طالب، وعثمان بن مظعون: ما حقنا إن لـم نـحدث عملاً فإن النصارى قد حرّموا علـى أنفسهم، فنـحن نـحرّم. فحرّم بعضهم أكل اللـحم والوَدَك وأن يأكل بـالنهار، وحرّم بعضهم النوم، وحرّم بعضهم النساء، فكان عثمان بن مظعون مـمن حرّم النساء، وكان لا يدنو من أهله ولا يدنون منه، فأتت امرأته عائشة وكان يقال لها: الـحولاء، فقالت لها عائشة ومَن عندها من نساء النبـيّ صلى الله عليه وسلم: ما بـالك يا حولاء متغيرة اللون، لا تـمتشطين ولا تطيبـين؟ فقالت: وكيف أتطيب وأمتشط وما وقع علـيّ زوجي ولا رفع عنـي ثوبـاً منذ كذا وكذا فجعلن يضحكن من كلامها، فدخـل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن يضحكن، فقال: " ما يُضْحِكُكُنّ؟ " قالت: يا رسول الله، الـحولاء سألتها عن أمرها، فقالت: ما رفع عنـي زوجي ثوبـاً منذ كذا وكذا. فأرسل إلـيه فدعاه، فقال: " ما بَـالُكَ يا عُثْمانُ؟ " قال: إنـي تركته لله لكي أتـخـلـى للعبـادة. وقصّ علـيه أمره، وكان عثمان قد أراد أن يَجُبّ نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أقْسَمْتُ عَلَـيْكَ إلاَّ رَجَعْتَ فَوَاقَعْتَ أهْلَكَ " فقال: يا رسول الله إنـي صائم. قال: " أفْطِرْ " فأفْطَر وأتـى أهله. فرجعت الـحَوْلاء إلـى عائشة قد اكتـحلت وامتشطت وتطيبت، فضحكت عائشة فقالت: ما بـالك يا حولاء؟ فقالت: إنه أتاها أمس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما بـالُ أقْوَامٍ حَرَّمُوا النِّساءَ وَالطَّعامَ والنَّوْمَ؟ ألا إنّـي أنامُ وأقُومُ وأفْطِرُ وأُصُومُ وأنْكِحُ النِّساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِـي فَلَـيْسَ مِنِّـي ". فنزلت: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُـحَرّمُوا طَيِّبـاتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا } يقول لعثمان: لا تـجبّ نفسك، فإن هذا هو الاعتداء. وأمرهم أن يكفِّروا أيـمانهم، فقال: {لا يؤاخذكمُ اللَّهُ بـاللَّغوِ فِـي أيْـمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِـمَا عَقَّدْتُـمُ الأَيـمَان} حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنا معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُـحَرّمُوا طَيِّبـاتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ } قال: هم رهط من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم قالوا: نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنـيا، ونسيح فـي الأرض كما تفعل الرهبـان. فبلغ ذلك النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فأرسل إلـيهم، فذكر ذلك لهم، فقالوا: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَكِنِّـي أصُومُ وأفْطُرِ وأُصَلِّـي وأنامُ وأنْكِحُ النِّساءَ، فَمَنْ أخَذَ بِسُنِّتِـي فَهُوَ مِنِّـي، وَمَنْ لَـمْ يَأْخُذْ بِسُنِّتِـي فَلَـيْسَ مِنِّـي ". حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُـحَرّمُوا طَيِّبـاتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ } وذلك أن رجالاً من أصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم منهم عثمان بن مظعون حرّموا النِّساءَ وَاللَّـحْمَ علـى أنْفُسِهِمْ، وأخذوا الشفـار لـيقطعوا مذاكيرهم لكي تنقطع الشهوة ويتفرّغوا لعبـادة ربهم. فأُخبر بذلك النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: " ما أرَدْتُـمْ؟ " فقالوا: أردنا أن نقطع الشهوة عنا ونتفرّغ لعبـادة ربنا ونلهو عن النساء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَـمْ أُومَرُ بِذَلِكَ، وَلَكِنِّـي أُمِرْتُ فِـي دِينِـي أنْ أتَزَوَّجَ النِّساءَ ". فقالوا: نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُـحَرّمُوا طَيِّبـاتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ، وَلا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الـمُعْتِدينَ }... إلـى قوله: {الَّذِي أنُتـمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قال: أراد رجال منهم عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو أن يتبتلوا ويخْصوا أنفسهم، ويـلبسوا الـمسوح، فنزلت هذه الآية إلـى قوله: {واتَّقُوا الله الَّذِي أنْتُـمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} قال ابن جريج عن عكرمة: أن عثمان بن مظعون، وعلـيّ بن أبـي طالب، وابن مسعود، والـمقداد بن الأسود، وسالـماً مولـى أبـي حذيفة فـي أصحاب تبتّلوا، فجلسوا فـي البـيوت واعتزلوا النساء ولبسوا الـمسوح وحرّموا طيبـات الطعام واللبـاس، إلا ما أكل ولبس أهل السياحة من بنـي إسرائيـل، وهمّوا بـالاختصاء، وأجمعوا لقـيام اللـيـل وصيام النهار، فنزلت: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُـحَرّمُوا طَيِّبـاتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الـمُعْتَدِينَ } يقول: لا تستَنُّوا بغير سنة الـمسلـمين، يريد ما حرّموا من النساء والطعام واللبـاس، وما أجمعوا له من صيام النهار وقـيام اللـيـل، وما همّوا له من الإخصاء. فلـما نزلت فـيهم بعث إلـيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " إنَّ لأِنْفُسِكُمْ حَقًّا، وَإنَّ لأَعَيُنِكُمْ حَقًّا، صُومُوا وأفْطِرُوا وَصَلُّوا وَنامُوا فَلَـيْسَ مِنَّا مَنْ تَرَكَ سُنَّتَنا ". فقالوا: اللهمّ أسلَـمْنا واتبعنا ما أنزلت. حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد فـي قوله: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُـحَرّمُوا طَيِّبـاتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ } قال: قال أبىّ: ضاف عبدَ الله بن رواحة ضيفٌ، فـانقلب ابن رواحة ولـم يتعشّ، فقال لأهله: ما عشيتِه؟ فقالت: كان الطعام قلـيلاً فـانتظرت أن تأتـي. قال: فحبستِ ضيفـي من أجلـي؟ فطعامك علـيّ حرام إن ذقته فقالت: هي وهو علـيّ حرام إن ذقته إن لـم تذقه وقال الضيف: هو علـيّ حرام إن لـم تذوقوه فلـما رأى ذلك، قال ابن رواحة: قرّبـي طعامك، كلوا بسم الله وغدا إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قَدْ أحْسَنْتَ " فنزلت هذه الآية: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُـحَرّمُوا طَيِّبـاتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ }... وقرأ حتـى بلغ: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بـاللَّغُوِ فِـي أيـمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِـمَا عَقَّدْتُـمُ الأَيـمَانَ} إذا قلت: والله لا أذوقه، فذلك العقد. حدثنا عمرو بن علـيّ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا عكرمة، عن ابن عبـاس: أن رجلاً أتـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إنـي إذا أصبت من اللـحم انتشرت وأخذتنـي شهوتـي، فحرّمت اللـحم. فأنزل الله تعالـى ذكره: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُـحَرّمُوا طَيِّبـاتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الـمُعْتَدِينَ }. حدثنا عمرو بن علـيّ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا خالد الـحذّاء، عن عكرمة، قال: همَّ أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بترك النساء والـخصاء، فأنزل الله تعالـى: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُـحَرّمُوا طَيِّبـاتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ }... الآية. واختلفوا فـي معنى الاعتداء الذي قال تعالـى ذكره: { وَلا تَعْتَدُوا إنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الـمُعْتَدِينَ } فقال بعضهم: الإعتداء الذي نهى الله عنه فـي هذا الـموضع هو ما كان عثمان بن مظعون همّ به من جبّ نفسه، فنهى عن ذلك، وقـيـل له: هذا هو الإعتداء. ومـمن قال ذلك السديّ. حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنـي أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عنه به. وقال آخرون: بل ذلك هو ما كان الـجماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم همّوا به من تـحريـم النساء والطعام واللبـاس والنوم، فُنهوا أن يفعلوا ذلك وأن يستَنُّوا بغير سنة نبـيهم مـحمد صلى الله عليه وسلم. ومـمن قال ذلك عكرمة. حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عنه به. وقال بعضهم: بل ذلك نهي من الله تعالـى ذكره أن يتـجاوز الـحلال إلـى الـحرام. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا الـمـحاربـي، عن عاصم، عن الـحسن: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُـحَرّمُوا طَيِّبـاتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا } قال: لا تعتدوا إلـى ما حرّم علـيكم. وقد بـيَّنا أن معنى الإعتداء: تـجاوز الـمرء ماله إلـى ما لـيس له فـي كلّ شيء، فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته. وإذ كان ذلك كذلك، وكان الله تعالـى ذكره قد عمّ بقوله: { لا تَعْتَدُوا } النهي عن العدوان كله، كان الواجب أن يكون مـحكوماً لـما عمه بـالعموم حتـى يخصه ما يجب التسلـيـم له. ولـيس لأحد أن يتعدّى حدّ الله تعالـى فـي شي من الأشياء مـما أحلّ أو حرّم، فمن تعدّاه فهو داخـل فـي جملة من قال تعالـى ذكره: { إنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الـمُعْتَدِينَ }. وغير مستـحيـل أن تكون الآية نزلت فـي أمر عثمان بن مظعون والرهط الذين همّوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بـما همّوا به من تـحريـم بعض ما أحلّ الله لهم علـى أنفسهم، ويكون مراداً بحكمها كلّ من كان فـي مثل معناهم مـمن حرّم علـى نفسه ما أحلّ الله له أو أحلّ ما حرّم الله علـيه أو تـجاوز حدّاً حدّه الله له، وذلك أن الذين همّوا بـما همّوا به من تـحريـم بعض ما أحلّ لهم علـى أنفسهم إنـما عوتبوا علـى ما همّوا به من تـجاوزهم ما سنّ لهم وحدّ إلـى غيره. رأس الصفحة الأحكام كتاب الكيا الهراسي 1) المطعومات 2) الأيمان والنذور قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرمُوا طَيِّبَات مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُم}. فيه دليل على أن العبد لا يمكنه أن يحرم على نفسه ما أحله الله تعالى له بعقده وقصده. وروى ابن عباس، أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله، إني إذا أكلت اللحم انتشرت فحرمته على نفسي، فأنزل الله تعالى: {لاَ تُحَرِّمُوا طَيّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُم}. وروى قتادة أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا هموا بترك اللحم والنساء والإخصاء، فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرمُوا طَيِّبَات مَا حَلَّ اللهُ لَكُم}. وفيه دليل على أن ذلك منه لغو، وأبو حنيفة رأى أن ذلك صار محرماً عليه، وأنه إذا تناوله لزمته الكفارة، وهو بعيد. وعند عامة العلماء: إذا حرم جارية على نفسه، لزمته الكفارة بمجرد التحريم عند الشافعي، من غير حاجة إلى وطئها، وليس ذلك لأنه تناول محرماً، فباين ذلك ما نحن فيه، فاعلمه. ولو قدرنا تحريم الشيء عليه، فتناول المحرم لا يقتضي وجوب شيء عليه في الدنيا، مثل تناول الميتة والدم ولحم الخنزير. قالوا: اليمين تعلقت الكفارة بها، لأنها تحرم المحلوف عليه، فوجبت الكفارة عند الحنث بتناول المحرم باليمين، ولا وجوب لها من قبل، ولكن هذا لا وجه له على تفصيل أصلهم، فإنهم قالوا: لو حرم الطعام على نفسه حنث بأكل جزء منه. ولو قال: والله لا آكل هذا الرغيف، لم يحنث بأكل بعضه، وقدروا فيه الشرط والجزاء وارتباط أحدهما بالآخر، مثل قوله: إن أكلت هذا الرغيف فعبدي حر، فلا يحنث بأكل البعض منه، وذلك يدل على الحنث ليس متعلقاً بتناول المحرم، وإنما هو باعتبار مخالفة الشرط والجزاء، وهذا لا ريب فيه. كتاب ابن العربي 1) الأيمان والنذور 2) آداب (الغُلوّ) قوله تعالى: { يا أيُّها الذين آمنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللهُ لَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الآية:87]. فيها أربع مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزولها: فيه ثلاثة أقوال: الأول: أن جماعة من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم منهم عليّ، والمِقداد، وعبدالله بن عمر، وعثمان بن مَظْعون، وابن مسعود، وسالم مولى أبي حُذيفة، جلسوا في البيوت، وأرادوا أن يفعلوا كفِعْل النصارى من تحريم طيباتِ الطعام واللباس واعتزال النساء، وهمّ بعضُهم أن يَجُبّ نفسه، وأنّ عثمان بن مظعون كان ممن حرّم النساء والزينة على نفسه، وأرادوا أن يترهّبوا، ولا يأكلوا لحماً ولا وَدَكاً؛ وقالوا: نقطعُ مَذَاكيرنا، ونَسيح في الأرض، كما فعل الرُّهْبان. فلما بلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم نهاهم عنه، وأعلمهم أنه ينكحُ النساء، ويأكلُ من الأطعمة، وينام ويقوم، ويُفْطر ويصوم، وأنه مَنْ رَغِب عن سنّتي فليس مني، وقال لهم: "إنما هلك مَنْ كان قبلكم بالتشديد، فشدَّدوا على أنفسهم، فشدَّد الله عليهم. أولئك بقاياهم في الدِّيار والصوامع، اعبُدوا الله ولا تُشْرِكوا به شيئاً، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، وحجُّوا واعتمروا، واستقيموا يستقِمْ لكم". وإن هذه الآية نزلت فيهم، رُوي ذلك عن ابن عباس وغيره. الثاني: رُوي أنَّ عبدالله بن رَواحة ضافه ضَيْف، فانقلب ابنُ رواحة ولم يتعش. فقال لزوجته: ما عشّيتيه؟ فقالت: كان الطعامُ قليلاً، فانتظرتك أن تأتي. قال: حرمت ضيفي من أجلي، فطعامُك عليّ حرام إن ذُقْتُه. فقالت هي: وهو عليّ حرام إن لم تَذُقْه. وقال الضيف: هو عليّ حرام إن ذقتُه إن لم تذوقوه. فلما رأى ذلك ابنُ رواحة قال: قرِّبي طعامك، كلُوا بسم الله، وغدا إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره. فقال صلى الله عليه وسلم: "أحسنت". ونزلت الآية: فكلوا مما رزقكم الله. قال ابن عباس في حديثه: فقالوا: يا رسولَ الله، كيف نَصْنَعُ بأيماننا، فنزلت: {لا يؤاخِذُكم الله باللَّغْوِ في أيْمانكم...} الآية. [البقرة:225، والمائدة:89]. الثالث: روى الترمذي، عن ابن عباس أنّ رجلاً جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا رسولَ الله، إني إذا أصبْتُ اللحم انتشرْتُ للنساء وأخذتني شهوة، فحرمتُ عليَّ اللحم، فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّمُوا طيبات ما أحلَّ الله لكم...} إلى {مؤمنين}. قال الترمذي: صحيحة الإرسال. المسألة الثانية: ظن أصحابُ النبيّ صلى الله عليه وسلم أنَّ المطلوب منهم طريقُ مَنْ قبلهم مِنْ رفْض الطعام والشراب والنساء، وقد قال الله سبحانه: {لكلٍّ جعلْنا منكم شِرْعَةً ومنهاحاً} [المائدة:48]؛ فكانت شريعةُ مَنْ قَبلنا بالرهبانية وشريعتُنا بالسمحة الحنيفية. وفي الصحيح أنّ عثمان بن مظعون نهاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن التبتّل، ولو أذِن له لاختصينا. والذي يوجب في ذلك العِلْمَ، ويقطع العُذْرَ، ويوضّحُ الأمر ـ أن اللهَ سبحانه قال لنبيه: {وتَبَتَّل إليه تَبْتِيلاً} [المزمل:8]؛ فبيَّنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم التبتل بِفِعْله؛ وشرح أنه امتثالُ الأمْرِ، واجتنابُ النَّهْي، وليس بتَرْكِ الْمُباحات، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يأكل اللّحْم إذا وجده، ويلبس الثيابَ تُبْتاع بعشرين جملاً، ويُكْثر من الوطء، ويَصْبر إذا عدم ذلك، ومن رَغِب عن سُنّته لسنة عيسى فليس منه. المسألة الثالثة: قال علماؤنا: هذا إذا كان الدِّين قواماً، ولم يكن المال حراماً؛ فأما إذا فَسد الدينُ عند الناس، وعمَّ الحرامُ فالتبتُّل وتَرْكُ اللذات أولى، وإذا وجد الحلال فحال النبيّ صلى الله عليه وسلم أفضل وكان ذا تشمند رحمه الله يقول: إذ عمّ الحرام وطبَّق البلاد، ولم يوجد حلال استؤنف الحكم، وصار الكلّ معفوًّا عنه، وكان كل واحد أحقّ بما في يده ما لم يعلم صاحبه. وأنا أقول: إن هذا الكلام منقاس إذا انقطع الحرامُ، فأما والغصْبُ متمادٍ، والمعاملاتُ الفاسدةُ مستمرة، ولا يخرج المرء من حرام إلا إلى حرام فأشبه المعاش مَن كان له عقار قديم الميراث يأكل من غَلّته، وما رأيت في رحلتي أحداً يأكل مالاً حلالاً محضاً إلا سعيداً المغربي، كان يخرج في صائفة الخطمي، فيجمعُ من زَرِيعنه قوتَه ويطحنها ويأكلها بزيت يجلبه الرومُ من بلادهم. المسألة الرابعة: إذا قال: هذا عليّ حرام لشيء من الحلال ـ عدا الزوجة فإنه كذبة لا شيء عليه فيها، ويستغفر الله، ولا يحرم عليه شيء مما حرمه. هذا مذهب مالك والشافعي، وأكثر الصحابة؛ وروي أنه قول يُوجب الكفارة، وبه قال أبو حنيفة. ويدلُّ عليه حديثُ عبدالله بن رَواحة المتقدم. وفي حديث الجماعة من أصحاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مثله. ورُوي أيضاً عنهم أنهم حلفُوا بالله فأذِن لهم في الكفّارة، فتعلَّق أصحابُ أبي حنيفة بمسألة اليمين، وتأتي إن شاء الله. وأما إذا قال لزوجته: أنتِ عليّ حرام فموضعها سورةُ التحريم، والله يسهل في البلوغ إليها بعَوْنِه. كتاب الجصاص 1) عقائد (تحريم ما أحل الله) 2) عقائد (الرد على المتزهدة) 3) الطلاق (تحريم إيقاع الطلاق ثلاثاً) باب تحريم ما أحلّ الله عز وجل قال الله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ}. والطيبات اسمٌ يقع على ما يُستلذّ ويُشتَهَى ويميل إليه القلب، ويقع على الحلال. وجائز أن يكون مراد الآية الأمرين جميعاً لوقوع الاسم عليهما، فيكون تحريم الحلال على أحد وجهين، أحدهما: أن يقول: "قد حرمت هذا الطعام على نفسي" فلا يحرم عليه وعليه الكفارة إن أكل منه. والثاني: أن يغصب طعام غيره فيخلطه بطعامه فيحرمه على نفسه حتى يغرم لصاحبه مثله. روى عكرمة عن ابن عباس أن رجلاً أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني إذا أكلتُ اللحم انتشرتُ فحرّمته على نفسي! فأنزل الله تعالى: {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} الآية. وروى سعيد عن قتادة قال: كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هَمّوا بترك اللحم والنساء والاختصاء، فأنزل الله عز وجل: {يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} الآية، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لَيْسَ فِي دِيني تَرْكُ النِّسَاءِ ولا اللّحْمِ ولا اتّخاذُ الصَّوَامِع". ورَوَى مسروقٌ قال: كنا عند عبدالله، فأتي بضرع، فتنحَّى رجل، فقال عبدالله: ادْنُهْ فكلْ! فقال: إني كنت حرّمتُ الضرع؛ فتلا عبدالله: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} كُلْ وكَفِّرْ!. وقال الله تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: 1] إلى قوله: {قد فرض الله لكم تحلّة أيمانكم} [التحريم: 2]. ورُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم حَرَّم مَارِيَةَ؛ ورُوي أنه حرَّم العسل على نفسه، فأنزل الله تعالى هذه الآية وأمره بالكفّارة. وكذلك قال أكثرُ أهل العلم فيمن حرّم طعاماً أو جاريةً على نفسه أنه إن أكل من الطعام حَنَثَ، وكذلك إن وَطِىءَ الجارية لزمته كفّارةُ يمين. وفرق أصحابنا بين من قال: "والله لا آكل هذه الطعام" وبين قوله: "حرمته على نفسي" فقالوا في التحريم: إن أكل الجزء منه حنث، وفي اليمين لا يحنث إلاّ بأكل الجميع؛ وجعلوا تحريمه إياه على نفسه بمنزلة قوله: "والله لا أكلت منه شيئاً" إذ كان ذلك مقتضَى لفظ التحريم في سائر ما حرم الله تعالى، مثل قوله: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} [المائدة: 3] اقتضى اللفظ تحريم كل جزء منه، فكذلك تحريم الإنسان طعاماً يقتضي إيجاب اليمين في أكل الجزء منه. وأما اليمين بالله في نفي أكل هذا الطعام فإنها محمولة على الأيْمان المنتظمة للشروط والجواب، كقول القائل: "إن أكلت هذا الطعام فعبدي حرّ" فلا يحنث بأكل البعض منه حتى يستوفي أكل الجميع. فإن قال قائل: قال الله تعالى: {كلّ الطعام كان حِلاًّ لبني إسرائيل إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه} [آل عمران: 93] فرُوي أن إسرائيل أخذه عِرْقُ النَّسا، فحرَّم أحبَّ الأشياء إليه وهو لحوم الإبل إن عافاه الله، فكان ذلك تحريماً صحيحاً حاظراً لما حرم على نفسه. قيل له: هو منسوخٌ بشريعة الرسول صلى الله عليه وسلم. مطلب: في الدليل على بطلان قول الممتنعين من أكل اللحوم والأطعمة اللذيذة تزهداً وفي هذه الآية دلالةٌ على بطلان قول الممتنعين من أكل اللحوم والأطعمة اللذيذة تزهداً؛ لأن الله تعالى قد نهى عن تحريمها وأخبر بإباحتها في قوله: {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً}، ويدلّ على أنه لا فضيلة في الامتناع من أكلها. وقد روى أبو موسى الأشعري أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يأكل لحم الدجاج. ورُوي أنه كان يأكل الرطب والبطيخ. ورَوَى غالب بن عبدالله عن نافع عن ابن عمر قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يأكل الدجاجة حبسها ثلاثة أيام فعلفها ثم أكلها". ورَوَى إبراهيم بن ميسرة عن طاوس قال: سمعت ابن عباس يقول: "كُلْ ما شئت واكْتَسِ ما أخطأت اثنتين سرفاً أو مَخِيلَةً". وقد رُوي أن عثمان وعبدالرحمن بن عوف والحسن بن علي وعبدالله بن أبي أوْفَى وعمران بن حصين وأنس بن مالك وأبا هريرة وشُرَيحاً كانوا يلبسون الخزّ. ويدل على نحو دلالة الآية التي ذكرنا في أكْلِ إباحة الطيبات قوله تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} [الأعراف: 32]، وقوله عقيب ذكره لما خلق من الفواكه: {متاعاً لكم} [المائدة: 96]. مطلب: في تحريم إيقاع الطلاق الثلاث ويحتج بقوله: {لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّه لَكُمْ} في تحريم إيقاع الطلاق الثلاث لما فيه من تحريم المباح من المرأة.

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

صفحات مهمة:

ثمن الموقع :

ترتيب الموقع:

تابعنا على تويتر:

عدد زوار الموقع:

جميع الحقوق محفوظة

مدونة بلوجر

2016