بيان الفرق { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } [ المائدة : 82 ] [ سبب النزول | النسخ في الآية | المواضيع | الفضائل | الاعراب | المعاني | التفسير | الأحكام ] سبب النزول قوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ} الآيات إلى قوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ}. [82-86]. نزلت في النجاشي وأصحابه. قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، يخاف على أصحابه من المشركين، فبعث جعفر بن أبي طالب، وابن مسعود، في رهط من أصحابه إلى النجاشي، وقال: "إنه ملك صالح، لا يَظلم ولا يُظلم عنده أحدٌ، فاخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجاً". فلما وردوا عليه أكرمهم وقال لهم: تعرفون شيئاً مما أنزل عليكم؟ قالوا: نعم، قال: اقرأوا. فقرأوا وحوله القِسِّيسُون والرّهبان، فكلما قرأوا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق، قال الله تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ، وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ...} الآية. أخبرنا الحسن بن محمد الفارسي، قال: حدَّثنا محمد بن عبد الله بن حمدون بن الفضل، قال: حدَّثنا أحمد بن محمد بن الحسن، قال: حدَّثنا محمد بن يحيى، قال: حدَّثنا أبو صالح كاتب الليث، قال: حدَّثني الليث، قال: حدَّثني يونس [عن] ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وعُرْوَة بن الزبير وغيرهما، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عَمْرَو بن أُميَّة الضَّمْري، وكتب معه كتاباً إلى النجاشي، فقدم على النجاشي، فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه، فأرسل إلى الرهبان والقِسِّيسِينَ فجمعهم، ثم أمر جعفراً أن يقرأ عليهم القرآن، فقرأ سورة "مريم" عليها السلام، فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع، وهم الذين أنزل فيهم: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ} إلى قوله: {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ}. وقال آخرون: قدم جعفر بن أبي طالب من الحبشة هو وأصحابه، ومعهم سبعون رجلاً، بعثهم النجاشي وفداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليهم ثياب الصوف، اثنان وستون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام، وهم: بحيرا الراهب وأَبْرَهَة، وإدريس، وأشرف، وتمام، وقتيم، ودريد وأيمن. فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة "يس" إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن، وآمنوا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى. فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآيات. أخبرنا أحمد بن محمد العدل، حدَّثنا زاهر بن أحمد، قال: أخبرنا أبو القاسم البغوي، قال: حدَّثنا علي بن الجَعْد، قال: حدَّثنا شريك بن سالم، عن سعيد بن جُبَيْر في قوله تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً} قال: بعث النَّجَاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، من خيار أصحابه ثلاثين رجلاً، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة "يس" فبكوا، فنزلت هذه الآية. رأس الصفحة النسخ في الآية لم يرد في المرجع ناسخ ومنسوخ للآية رقم ( 82 ) من سورة ( المائدة ) رأس الصفحة المواضيع الواردة في الآية الموضوع العنوان الرهبانية --- القسيسون --- النصارى --- اليهود عداوتهم و كراهيتهم للمسلمين أهل الكتاب [اليهود والنصارى] عداؤهم للمسلمين أهل الكتاب [اليهود والنصارى] في بعضهم أمانة وإيمان وخير الرهبانية الرهبان طائفة من علماء النصرانية إطار العلاقة مع أهل الشرك المشركون من أشد الأعداء للمؤمنين القسيس أقرب مودة للمؤمنين ولماذا النصارى هم أقرب للمؤمنين مودة من اليهود اليهود عداوتهم للمؤمنين رأس الصفحة فضائل السورة لم يتم ادخال فضائل سورة ( المائدة ) رأس الصفحة الإعراب {لَتَجِدَنَّ..} [82] لام قسم ودخلت النون على قول الخليل وسيبويه فَرقاً بين الحال والمستقبل {أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ} مفعولان و {عَداوَةً} على البيان وكذا {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ} وفي هذا قولان: أحدُهما أنهم لم يكونوا نصارى على الحقيقة ولا يجوز أن يمدح الله تعالى كافراً وإنما هم قوم كانوا يؤمنون بعيسى ولا يقولون: إِنه إِلهٌ فسمّوا بالنصارى قبل أن يُسْلِمُوا والقول الآخر أن المعنى الذين قالوا إِنا نصارى {ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ} اسم أن ويقال في جمع قسيس مكسراً قساوسة أبدل من إِحدى السينَيْن واو، ويقال قَسٌّ بمعناه وجمعه قُسُوسٌ ويقال للنميمة أيضاً قسٌّ. وقد قَسَّ الحديث قَسّاً. ورهباناً جمع راهب والفعل منه رَهِبَ الله يَرهَبُ أي خافه رَهَباً رُهْبَاناً ورَهْبَةً. قال أبو عبيد: ويقال: رُهْبَان للواحد. قال الفراء: جمعه رهابنة ورهابين {وَأَنَّهُمْ} في موضع خفض عطفاً. رأس الصفحة المعاني كتاب النحاس وقولُه جل وعز: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ} [آية 82]. قال سعيد بن جبير: هم سبعون رجلاً وجَّه بهم النجاشي، وكانوا أجلَّ مَنْ عندَه، فقهاً وسِنَّاً، فقرأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم "يسن" فبكوا، وقالوا: ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين. وأنزل الله فيهم أيضاً: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُون} إلى قوله {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ} إلى آخر الآية. ورُوي عن ابن عباس أنه قال: هم قوم من الحبشة جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان معهم رهبان من رهبان الشام فآمنوا ولم يرجعوا. كتاب الفراء وقوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ...(82)} نزلت فيمن أسلم من االنصارى. ويقال: هو النَّجَاشى وأصحابه. قال الفرّاء ويقال: النِجَاشِى. رأس الصفحة التفسير لقد تم اختيار التفسير الافتراضي للموقع كونك لم تقم بالدخول كمستخدم مسجل سجل هنا * تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري مصنف و مدقق يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: { لَتَـجِدَنَّ } يا مـحمد { أشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً } للذين صدّقوك واتبعوك وصدّقوا بـما جئتهم به من أهل الإسلام، { الـيَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا } يعنـي عبدة الأوثان الذين اتـخذوا الأوثان آلهة يعبدونها من دون الله. { وَلَتَـجِدَنَّ أقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً للَّذِينَ آمَنُوا } يقول: ولتـجدنّ أقرب الناس مودّة ومـحبة. والـمودّة: الـمفعلة، من قول الرجل: وَدِدْتُ كذا أودُّه وُدًّا ووِدًّا ووَدًّا ومودّة: إذا أحببته. { للذين آمنوا } ، يقول: للذين صدّقوا الله ورسوله مـحمداً صلى الله عليه وسلم. { الَّذِينَ قالوا إنَّا نَصَارَى ذَلكَ بأنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبـاناً وأنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ } عن قبول الـحقّ واتبـاعه والإذعان به. وقـيـل: إن هذه الآية والتـي بعدها نزلت فـي نفر قِدموا علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نصارى الـحبشة، فلـما سمعوا القرآن أسلـموا واتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقـيـل: إنها نزلت فـي النـجاشي ملك الـحبشة وأصحاب له أسلـموا معه. ذكر من قال ذلك: حدثنـي مـحمد بن عبد الـملك بن أبـي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا خَصِيف، عن سعيد بن جبـير، قال: بعث النـجاشيّ وفداً إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقرأ علـيهم النبـيّ صلى الله عليه وسلم فأسلـموا. قال: فأنزل الله تعالـى فـيهم: { وَلَتَـجِدَنَّ أقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً للَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنَّا نَصَارَى }... إلـى آخر الآية. قال: فرجعوا إلـى النـجاشي فأخبروه، فأسلـم النـجاشيّ، فلـم يزل مسلـماً حتـى مات. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ أخاكُمُ النَّـجاشِي قَدْ ماتَ، فَصلُّوا عَلَـيْهِ " فصلـى علـيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالـمدينة والنـجاشيّ بـالـحبشة. حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: { وَلَتَـجِدَنَّ أقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً للَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنَّا نَصَارَى } قال: هم الوفد الذين جاءوا مع جعفر وأصحابه من أرض الـحبشة. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس: { وَلَتَـجِدَنَّ أقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً للَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنَّا نَصَارَى } قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بـمكة خاف علـى أصحابه من الـمشركين، فبعث جعفر بن أبـي طالب وابن مسعود وعثمان بن مظعون فـي رهط من أصحابه إلـى النـجاشيّ ملك الـحبشة فلـما بلغ ذلك الـمشركين، بعثوا عمرو بن العاص فـي رهط منهم ذكر أنهم سبقوا أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم إلـى النـجاشيّ، فقالوا: إنه خرج فـينا رجل سفَّه عقول قريش وأحلامها زعم أنه نبـيّ، وإنه بعث إلـيك رهطاً لـيفسدوا علـيك قومك، فأحببنا أن نأتـيك ونـخبرك خبرهم. قال: إن جاءونـي نظرت فـيـما يقولون. فقدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقاموا ببـاب النـجاشي، فقالوا: أتأذن لأولـياء الله؟ فقال: ائذن لهم، فمرحبـاً بأولـياء الله فلـما دخـلوا علـيه سلـموا، فقال له الرهط من الـمشركين: ألا ترى أيها الـملك أنا صدقناك، لـم يحيوك بتـحيتك التـي تـحيا بها؟ فقال لهم: ما منعكم أن تـحيُّونـي بتـحيتـي؟ فقالوا: إنا حيـيناك بتـحية أهل الـجنة وتـحية الـملائكة. قال لهم: ما يقول صاحبكم فـي عيسى وأمه؟ قال: يقول: هو عبد الله وكلـمة من الله ألقاها إلـى مريـم وروح منه، ويقول فـي مريـم: إنها العذراء البتول. قال: فأخذ عوداً من الأرض، فقال: ما زاد عيسى وأمه علـى ما قال صاحبكم قدر هذا العود فكره الـمشركون قوله، وتغيرت وجوههم. قال لهم: هل تعرفون شيئاً مـما أنزل علـيكم؟ قالوا: نعم. قال: اقرءوا فقرءوا، وهنالك منهم قسيسون ورهبـان وسائر النصارى، فعرفت كلّ ما قرءوا، وانـحدرت دموعهم مـما عرفوا من الـحقّ. قال الله تعالـى ذكره: { ذَلِكَ بأنَّ مِنْهُمْ قِسيِّسِينَ وَرُهْبـاناً وأنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ وإذَا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلـى الرَّسُولِ }... الآية. حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنـي أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط عن السديّ: { وَلَتَـجِدَنَّ أقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً للَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنَّا نَصَارَى }... الآية. قال: بعث النـجاشيّ إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنـي عشر رجلاً من الـحبشة، سبعة قسيسين وخمسة رهبـاناً، ينظرون إلـيه ويسألونه. فلـما لقوه فقرأ علـيهم ما أنزل الله بكوا وآمنوا، فأنزل الله علـيه فـيهم: { وأنَّهُمْ لا يَسْتَكبرُونَ وَإذَا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلـى الرَّسُولِ تَرَى أعْيُنَهُمْ تَفِـيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِـمَّا عَرَفُوا مِنَ الـحَقّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فـاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ } فآمنوا ثم رجعوا إلـى النـجاشيّ. فهاجر النـجاشيّ معهم، فمات فـي الطريق، فصلـى علـيه رسول الله صلى الله عليه وسلم والـمسلـمون واستغفروا له. حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـا حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عطاء فـي قوله: { وَلَتَـجِدَنَّ أقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً للَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنَّا نَصَارَى }... الآية، هم ناس من الـحبشة آمنوا، إذ جاءتهم مهاجرة الـمؤمنـين. وقال آخرون: بل هذه صفة قوم كانوا علـى شريعة عيسى من أهل الإيـمان فلـما بعث الله تعالـى ذكره نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم آمنوا به. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وَلَتَـجِدَنَّ أقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً للَّذِينَ آمَنُوا } ، فقرأ حتـى بلغ: {فـاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ} أناس من أهل الكتاب كانوا علـى شريعة من الـحقّ مـما جاء به عيسى، ويؤمنون به وينتهون إلـيه فلـما بعث الله نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم صدّقوا به وآمنوا، وعرفوا الذي جاء به أنه الـحقّ، فأثنى علـيهم ما تسمعون. والصواب فـي ذلك من القول عندي أن الله تعالـى وصف صفة قوم قالوا: إنا نصارى، أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم يجدهم أقرب الناس وداداً لأهل الإيـمان بـالله ورسوله، ولـم يسمّ لنا أسماءهم. وقد يجوز أن يكون أريد بذلك أصحاب النـجاشيّ، ويجوز أن يكون أريد به قوم كانوا علـى شريعة عيسى فأدركهم الإسلام فأسلـموا لـما سمعوا القرآن وعرفوا أنه الـحقّ، ولـم يستكبروا عنه. وأما قوله تعالـى: { ذَلِكَ بأنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبـاناً } فإنه يقول: قربت مودّة هؤلاء الذين وصف الله صفتهم للـمؤمنـين من أجل أن منهم قسيسين ورهبـاناً. والقسيسون: جمع قسيس، وقد يجمع القسيس: «قُسوس»، لأن القسّ والقسيس بـمعنى واحد. وكان ابن زيد يقول فـي القسيس بـما: حدثنا يونس، قال: حدثنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: القسيسين: عُبَّـادهم. وأما الرُّهبـان، فإنه يكون واحداً وجمعاً فأما إذا كان جمعاً، فإن واحدهم يكون راهبـاً، ويكون الراهب حينئذ فـاعلاً من قول القائل: رَهب الله فلان، بـمعنى: خافه، يَرْهَبُه رَهَبـاً ورَهْبـاً، ثم يجمع الراهب رهبـان، مثل راكب وركبـان، وفـارس وفرسان. ومن الدلـيـل علـى أنه قد يكون عند العرب جمعاً قول الشاعر: رُهْبـانُ مَدْيَنَ لَوْ رأوْكِ تَنَزَّلُوا والعُصْمُ منْ شَعَفِ العُقولِ الفـادِرِ وقد يكون الرهبـان واحداً، وإذا كان واحداً كان جمعه رهابـين، مثل قربـان وقرابـين، وجُردان وجرادين. ويجوز جمعه أيضاً رهابنة إذا كان كذلك. ومن الدلـيـل علـى أنه قد يكون عند العرب واحداً قول الشاعر: لَوْ عايَنَتْ رُهْبـانَ دَيْرٍ فِـي القُلَلْ لانـحَدَرَ الرُّهْبـانُ يَـمْشِي وَنَزَلْ واختلف أهل التأويـل فـي الـمعنـيِّ بقوله: { ذَلِكَ بأنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبـاناً } فقال بعضهم: عنـي بذلك قوم كانوا استـجابوا لعيسى ابن مريـم حين دعاهم، واتبعوه علـى شريعته. ذكر من قال ذلك: حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، عن حصين عمن حدّثه، عن ابن عبـاس فـي قوله: { ذَلِكَ بأنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبـاناً } قال: كانوا نَوَاتـيَّ فـي البحر يعنـي مَلاَّحين قال: فمرّ بهم عيسى ابن مريـم، فدعاهم إلـى الإسلام فأجابوه. قال: فذلك قوله: { قِسِّيسِينَ وَرُهْبـاناً }. وقال آخرون: بل عنـي بذلك القوم الذين كان النـجاشيّ بعثهم إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام بن سلـم، قال: ثنا عنبسة عمن حدثه، عن أبـي صالـح فـي قوله: { ذَلِكَ بأنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبـاناً } قال: ستة وستون، أو سبعة وستون، أو اثنان وستون من الـحبشة، كلهم صاحب صومعة، علـيهم ثـياب الصوف. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفـيان، عن سالـم، عن سعيد بن جبـير: { ذَلِكَ بأنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبـاناً } قال: بعث النـجاشيّ إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم خمسين أو سبعين من خيارهم، فجعلوا يبكون، فقال: هم هؤلاء. حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا قـيس، عن سالـم الأفطس، عن سعيد بن جبـير: { ذَلِكَ بأنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبـاناً } قال: هم رسل النـجاشيّ الذين أرسل بإسلامه وإسلام قومه، كانوا سبعين رجلاً اختارهم الـخير فـالـخير. فدخـلوا علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ علـيهم: يس والقُرْآنِ الـحَكِيـمِ فبكوا وعرفوا الـحقّ، فأنزل الله فـيهم: { ذَلِكَ بأنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبـاناً، وأنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ } ، وأنزل فـيهم: {الَّذِينَ آتَـيْناهُمُ الكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ} .. إلـى قوله: {يُؤْتَوْنَ أجْرَهْمْ مَرَّتـينِ بِـمَا صَبرُوا} والصواب فـي ذلك من القول عندنا أن يقال: إن الله تعالـى ذكره أخبر عن النفر الذين أثنى علـيهم من النصارى بقرب مودتهم لأهل الإيـمان بـالله ورسوله، أن ذلك إنـما كان منهم لأن منهم أهل اجتهاد فـي العبـادة وترهيب فـي الديارات والصوامع، وأن منهم علـماء بكتبهم وأهل تلاوة لها، فهم لا يبعدون من الـمؤمنـين لتواضعهم للـحقّ إذا عرفوه، ولا يستكبرون عن قبوله إذا تبـينوه لأنهم أهل دين واجتهاد فـيه ونصيحة لأنفسهم فـي ذات الله، ولـيسوا كالـيهود الذين قد دَرِبُوا بقتل الأنبـياء والرسل ومعاندة الله فـي أمره ونهيه وتـحريف تنزيـله الذي أنزله فـي كتبه. رأس الصفحة الأحكام كتاب الجصاص 1) عقائد (مقالة اليهود والنصارى) قوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً للَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى} الآية. قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والسدي: "نزلت في النجاشي وأصحابه لما أسلموا". وقال قتادة: "قوم من أهل الكتاب كانوا على الحق متمسكين بشريعة عيسى عليه السلام، فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم آمنوا به". ومن الجهال من يظنّ أن في هذه الآية مَدْحاً للنصارى وإخباراً بأنهم خيرٌ من اليهود، وليس كذلك؛ وذلك لأن ما في الآية من ذلك إنما هو صفة قوم قد آمنوا بالله وبالرسول يدلّ عليه ما ذُكر في نسق التلاوة من إخبارهم عن أنفسهم بالإيمان بالله وبالرسول، ومعلوم عند كل ذي فطنة صحيحة أمْعَنَ النظر في مقالتَيْ هاتين الطائفتين أن مقالة النصارى أقبح وأشدّ استحالة وأظهر فساداً من مقالة اليهود؛ لأن اليهود تقرّ بالتوحيد في الجملة وإن كان فيها مُشَبِّهَةٌ تنقص ما أعطته في الجملة من التوحيد بالتشبيه.
إرسال تعليق