(سبب لنزول الآية)( رقم 38) -->
مدونة بلوجر  مدونة بلوجر
أخر الأخبار

أخر الأخبار

أخر الأخبار
التسميات
جاري التحميل ...
التسميات

(سبب لنزول الآية)( رقم 38)

{ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [ المائدة : 38 ] [ سبب النزول | النسخ في الآية | المواضيع | الفضائل | الاعراب | المعاني | التفسير | الأحكام ] سبب النزول قوله تعالى: {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا...} [38]. قال الكلبي: نزلت في طعمة بن ابَيْرق سارق الدرع. وقد مضت قصته. رأس الصفحة النسخ في الآية لم يرد في المرجع ناسخ ومنسوخ للآية رقم ( 38 ) من سورة ( المائدة ) رأس الصفحة المواضيع الواردة في الآية الموضوع العنوان أسماء اللَه الحسنى الحكيم أسماء اللَه الحسنى العزيز السَّرقة --- الكسب الكسب في الشر حدود اللَّه حدّ السرقة الحدود [عقوبات] حد السرقة السرقة حد السرقة السوء والسيئات كل امرىء بما كسب رهين المال ضوابط الحصول على المال [ألا يكون من سرقة أو غلول] المال أحكام وحدود [حكم سرقة المال أو أخذه غلولاً] اليد قطعها حداً في السرقة رأس الصفحة فضائل السورة لم يتم ادخال فضائل سورة ( المائدة ) رأس الصفحة الإعراب {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ..} [38] رفع بالابتداء، والخبر {فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا} وعند سيبويه الخبر محذوف والتقدير عنده: وفيما فرض عليكم السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، والرفع عند الكوفيين بالعائد، وقرأ عيسى بن عمر {وٱلسارِقَ وٱلسارِقة} نصبا وهو اختيار سيبويه. قال: إلا أن العامة أبت إلا الرفع يريد بالعامة الجماعة ونصبه باضمار فعل أي اقطعوا السارق والسارقة وإنما اختار النصب لأن الأمر بالفعل أولَى وقد خُولفَ سيبويه في هذا فزعم الفراء: أن الرفع أولى لأنه ليس يُقْصَدُ به إلى سارق بعينه فنصب وإِنما المعنى كل من سرق فاقطعوا يده. وهذا/ 60 ب/ قَولٌ حَسَنٌ غير مدفوع. يدلّ عليه أنهم قد أجمعوا على أن قرءوا {واللذانِ يأتِيَانِهَا منكم فأذوهُمَا} وهذا مذهب محمد بن يزيد، فأما "فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا" ولم يقل فيه: يديهما فقد تكَلّم فيه النحويون فقال الخليل: أرادوا أن يفرقوا بين ما في الإنسان منه واحد وما فيه اثنان فقال: أشبعتُ بُطُونَها. و {إِنْ تتوبا إِلى اللّهِ فقد صَغَت قُلُوبُكُمَا}، وقال الفراء: لما كان أكثر ما في الإنسان من الجوارح اثنين حملوا الأقل على الأكثر، وقال غيرهما: فعِلَ هذا لأن التثنية جَمْعٌ وقيل: لأنه لا يُشكِلُ، وأجاز النحويون التثنية على الأصل والتوحيد لأنه يُعْرَفُ، وأجاز سيبويه جَمْعَ غير هذا ، وحكى: وصغَار حالَهُما يريد رَحْلَى راحِلَتَيْنِ. {جَزَآءً بِمَا كَسَبَا} مفعول من أجله، وان شئتَ كان مصدراً، وكذا {نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ}. رأس الصفحة المعاني كتاب النحاس وقوله جل وعز {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا} [آية 38]. قال سيبويه: المعنى: وفيما فُرِضَ عليكم السارقُ والسَّارقةُ. ثم قال جل وعز: {جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ} [آية 38]. يقال: نَكَّلْتُ بهِ، إذا فعلتَ به ما يجب أن ينْكُلَ به عن ذلك الفعل. كتاب الفراء وقوله: {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا...(38)} مرفوعان بما عاد من ذكرهما. والنصب فيهما جائز؛ كما يجوز أزيد ضربته، وأزيدا ضربته. وإنما تختار العرب الرفع فى "السارق والسارِقة" لأنهما [غير] موَقَّتين، فوجِّها توجيه الجزاء؛ كقولك: مَنْ سرق فاقطعوا يده، فـ (من) لا يكون إلا رفعا، ولو أردت سارقا بعينه أو سارقة بعينها كان النصب وجه الكلام. ومثله {واللذانِ يأتيانها مِنكم فآذوهما} وفى قرءة عبدالله "والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما". وإنما قال (أيدِيهما) لأنّ كل شىء موحَّد من خَلْق الإنسان إذا ذكر مضافا إلى اثنين فصاعدا جمع. فقيل: قد هشمت رءوسهما، وملأت ظهورهما وبطونهما ضربا. ومثله {إِن تَتُوبَا إِلى الله فقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما}. وإنما اختير الجمع على التثنية لأن أكثر ما تكون عليه الجوارح اثنين فى الإنسان: اليدين والرجلين والعينين. فلما جرى أكثره على هذا ذهِب بالواحد منه إذا أضيف إلى اثنين مذهب التثنية. وقد يجوز تثنيتهما؛ قال أبو ذُؤيب: فتخالسا نَفْسَيهِما بنوافذ * كنوافِذِ العُبُط التى لا ترقَع وقد يجوز هذا فيما ليس من خَلْق الإنسان. وذلك أن تقول للرجلين: خلَّيتما نساءكما، وأنت تريد امرأتين، وخرقتما قُمُصكما. وإنما ذكرت ذلك لأن من النحويين من كان لا يجيزه إلاّ فى خَلْق الإنسان، وكلٌّ سواء. وقد يجوز أن تقول فى الكلام: السارق والسارِقة فاقطعوا يمِينهما؛ لأن المعنى: اليمين من كل واحد منهما؛ كما قال الشاعر: كُلُوا فى نصف بطنِكم تعِيشوا * فإنَّ زمانكم زمن خمِيص وقال الآخر: الواردون وتَيْم فى ذرى سبأٍ * قد عضَّ أعناقهم جِلدُ الجوامِيس من قال: (ذَرَى) جعل سبأ جِيلا، ومن قال: (ذُرَى) أراد موضعا. ويجوز فى الكلام أن تقول: أْتِنِى برأس شاتين، ورأس شاة. فإذا قلت: برأس شاة فإنما أردت رأسَىْ هذا الجنس، وإذا قلت برأس شاتين فإنك تريد به الرأس من كل شاة؛ قال الشاعر فى غير ذلك: كأنه وَجْه تركِيَّينِ قد غضِبا * مستهدف لِطعانٍ غيرِ تذبيب رأس الصفحة التفسير لقد تم اختيار التفسير الافتراضي للموقع كونك لم تقم بالدخول كمستخدم مسجل سجل هنا * تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري مصنف و مدقق يقول جلّ ثناؤه: ومن سرق من رجل أو امرأة، فـاقطعوا أيها الناس يده. ولذلك رفع السارق والسارقة، لأنهما غير معينـين، ولو أريد بذلك سارق وسارقة بأعيانهما لكان وجه الكلام النصب. وقد رُوي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ ذلك: «والسارقو ن والسارقات». حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن ابن عون، عن إبراهيـم، قال: فـي قراءتنا قال: وربـما قال فـي قراءة عبد الله: «والسارقون والسارقات فـاقطعوا أيـمانهما». حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن علـية، عن ابن عون، عن إبراهيـم: فـي قراءتنا: «والسارقون والسارقات فـاقطعوا أيـمانهما». وفـي ذلك دلـيـل علـى صحة ما قلنا من معناه، وصحة الرفع فـيه، وأن السارق والسارقة مرفوعان بفعلهما علـى ما وصفت للعلل التـي وصفت. وقال تعالـى ذكره: { فـاقْطَعُوا أيْدِيَهُما } والـمعنى أيديهما الـيـمنى كما: حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { فـاقْطَعُوا أيْدِيَهُما }: الـيـمنى. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن جابر، عن عامر، قال: فـي قراءة عبد الله: «والسارق والسارقة فـاقطعوا أيـمانهما». ثم اختلفوا فـي السارق الذي عناه الله، فقال بعضهم: عنـي بذلك سارق ثلاثة دراهم فصاعداً وذلك قول جماعة من أهل الـمدينة، منهم مالك بن أنس ومن قال بقوله. واحتـجوا لقولهم ذلك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم «قطع فـي مـجنّ قـيـمته ثلاثة دراهم». وقال آخرون: بل عنى بذلك: سارق ربع دينار أو قـيـمته. ومـمن قال ذلك الأوزاعي ومن قال بقوله. واحتـجوا لقولهم ذلك بـالـخبر الذي رُوي عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " القَطْعُ فـي رُبْعِ دينارٍ فَصَاعِداً " وقال آخرون: بل عنـي بذلك سارق عشرة دراهم فصاعداً. ومـمن قال ذلك أبو حنـيفة وأصحابه. واحتـجوا فـي ذلك بـالـخبر الذي رُوي عن عبد الله بن عمر وابن عبـاس، أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم «قطع فـي مـجنّ قـيـمته عشرة دراهم». وقال آخرون: بل عنـي بذلك سارق القلـيـل والكثـير. واحتـجوا فـي ذلك بأن الآية علـى الظاهر، وأنه لـيس لأحد أن يخصّ منها شيئاً إلاَّ بحجة يجب التسلـيـم لها. وقالوا: لـم يصحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر بأن ذلك فـي خاصّ من السُّرَّاق. قالوا: والأخبـار فـيـما قَطَع فـيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطربة مختلفة، ولـم يرو عنه أحد أنه أُتِـي بسارق درهم فخـلَّـى عنه، وإنـما رووا عنه أنه قطع فـي مـجنّ قـيـمته ثلاثة دراهم. قالوا: ومـمكن أن يكون لو أتـى بسارق ما قـيـمته دانق أن يقطع. قالوا: وقد قطع ابن الزبـير فـي درهم. ورُوي عن ابن عبـاس أنه قال: الآية علـى العموم. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد الـمؤمن، عن نـجدة الـحنفـي، قال: سألت ابن عبـاس عن قوله: { وَالسَّارِقُ والسَّارِقَةُ } أخاصّ أم عامّ؟ فقال: بل عامّ. والصواب من القول فـي ذلك عندنا قول من قال: الآية معنـيّ بها خاصّ من السراق، وهو سراق ربع دينار فصاعداً أو قـيـمته، لصحة الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " القَطْعُ فـي رُبعِ دِينَارٍ فصَاعِداً " وقد استقصيت ذكر أقوال الـمختلفـين فـي ذلك مع عللهم التـي اعتلوا بها لأقوالهم، والتلـميح عن أوْلاها بـالصواب بشواهده فـي كتابنا كتاب السرقة، فكرهنا إطالة الكتاب بإعادة ذلك فـي هذا الـموضع. وقوله: { جَزَاءً بِـمَا كَسَبـا نَكالاً مِنَ اللّهِ } يقول: مكافأة لهما علـى سرقتهما وعملهما فـي التلصص بـمعصية الله. { نَكَالاً مِنَ الله } يقول: عقوبة من الله علـى لصوصيتهما. وكان قتادة يقول فـي ذلك ما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وَالسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فـاقْطَعُوا أيدِيَهُما جَزَاءً بِـمَا كَسَبـا نِكالاً مِنَ اللّهِ وَالله عَزَيزٌ حَكيـمٌ }: لا تَرْثُوا لهم أن تقـيـموا فـيهم الـحدود، فإنه والله ما أمر الله بأمر قطُّ إلاَّ وهو صلاح، ولا نهى عن أمر قطُّ إلاَّ وهو فساد. وكان عمر بن الـخطاب يقول: اشتدّوا علـى السُّراق فـاقطعوهم يداً يداً ورِجلاً رجلاً. وقوله: { وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكيـمٌ } يقول جلّ ثناؤه: والله عزيز فـي انتقامه من هذا السارق والسارقة وغيرهما من أهل معاصيه، حكيـم فـي حكمه فـيهم وقضائه علـيهم. يقول: فلا تفرطوا إيها الـمؤمنون فـي إقامة حكمي علـى السراق وغيرهم من أهل الـجرائم الذين أوجبت علـيهم حدوداً فـي الدنـيا عقوبة لهم، فإنـي بحكمي قضيت ذلك علـيهم، وعلـمي بصلاح ذلك لهم ولكم. رأس الصفحة الأحكام كتاب الكيا الهراسي 1) حَدّ السرقة قوله تعالى: {والسّارِقُ والسّارِقَةُ فَاقطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}. واعلم أن السرقة في العرف واللغة, اختزال شيء على سبيل الخفية ومسارقة الأعين, وقد ورد في بعض الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن أسوأ الناس سرقة هو الذي يسرق صلاته". قيل يا رسول الله كيف يسرق صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها وسجودها. إلا أنه ليس سارقاً من حيث موضع الإشتقاق, فإنه ليس فيه مسارقة الأعين غالباً. قوله تعالى: {والسّارِقُ والسّارِقَةُ فَاقطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}. ولم يختلف العلماء في أن اليد المقطوعة بأول سرقة هي اليمنى، فهي إذاً مراد الله تعالى بقوله: {فاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}. واعلم أن قوله {والسّارِقُ والسّارِقَةُ} عند قوم يتعلق به في إيجاب قطع من شمله اسم سارق، إلا من خصه الدليل وهو عموم، وعندهم في كل مقدار إلا ما خصه الدليل. وأبى ذلك آخرون، فإنه لما قال سارق، ولم يقل سارق ماذا، والإنسان يقول: سرقت كلام فلان، وسرقت علمه وحديثه، وقال عليه الصلاة والسلام: "إن أسوأ الناس سرقة من سرق من صلاته، قالوا: يا رسول الله كيف يسرق صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها وسجودها". فذكروا أن اسم السارق لا يمكن أن يعلق عليه القطع، لاعتبارنا فيه شروطاً لا يدل لفظ السارق عليها، ولزمهم على هذا أن لا يتعلق بعموم لفظ البيع والنكاح والإجارة إلى غير ذلك، لاعتبار شروط فيها لا يدل اللفظ عليها. وقد قال غيرهم: بل يتعلق به وبأمثاله نظراً إلى عموم اللفظ، نعم سرقة الكلام والعلم لا تفهم في المتعارف من إطلاق اسم السرقة، وإنما الكلام في المتعارف، كما لا يفهم من إطلاق الزنا زنا القرد والبهائم، ولما قال عليه الصلاة والسلام أسوأ السراق حالاً من سرق من صلاته، لم يفهم الناس وهم أهل اللغة معناه، حتى فسر رسول الله معناه وما أراده، لأنه لم يكن من تعارف أهل اللغة، ولو قال: "أسوأ السراق من سرق مال فلان"، لما احتاجوا إلى المراجعة، ولما قالوا: كيف يسرق مال فلان؟ نعم هذا الجنس إنما يمتنع التعلق به إذا كان مخصوصاً بمخصوص مجمل، فأما إذا لم يكن المخصوص مجملا، فيجوز التعلق به، والمخصوص المجمل طاريء على اللفظ العام، فلا بد من بيان مثله ها هنا حتى يمتنع التعلق به، وإلا فالتعلق به جائز، وهذا مما بسطنا القول فيه في الأصول بوجوه أخر ذكرناها هناك، فليوجد من ثم. وإذا تبين أن المخصص في حكم العارض، فإذا أختلفنا في مقدار، فالذي يأخذ بالأقل ويوجب القطع فيه أسعد حالاً، لأنه يستند فيه إلى عموم اللفظ، إلا فيما يستيقن خصوصه به، وكذلك إذا حصل الخلاف في النباش أو الفواكه الرطبة، إلى غير ذلك مما يختلف فيه. والمتفق عليه في موضع القطع مفصل الكوع، واسم اليد مطلقاً يتعارف به ذلك، قال تعالى: {إذَا أَخرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا}. وقال لموسى: {أَدْخِلْ يَدَكَ في جَيبِكَ}. ويمتنع أن يدخل بها إلى المرفق، ولو كان اسم اليد متناولاً للعضو إلى المنكب، لكان يقال: قطع بعض يد السارق، وهذا خلاف العرف، وقد شرحنا هذا من قبل، والمعتمد فيه الإجماع. والشافعي حمل مطلق اليد في التيمم على اليد إلى المرفق كما في الوضوء، لا لأن اسم اليد يشمل ذلك من حيث اللغة، ولكن لأن التوقيف ورد بذلك، ولأن التيمم بدل في اليد، والظاهر أنه يجري على ما أجري الأصل عليه، وإن كان بين البدل والأصل خلاف في الرأس والرجل، إذا شرع في اليد يظهر على أنه شرع على نحو ما شرع له الأصل. وهذا وإن كان لا يظهر على ما يجب، فالتوقيف أقوى معتصم. واعلم أن آية السرقة ليس فيها تعرض لدفعات السرقة، وإنما فيه التعرض للدفعة الأولى، وقطع اليد اليسرى والرجل اليمنى على مذهب الإمام الشافعي، والرجل اليسرى في الكرة الثانية على المذاهب كلها متلقى من السنة لا من الكتاب فاعلمه، وليس في الكتاب إلا بيان الكرة الأولى. نعم في كتاب الله تعالى بيان موجبات جرائم قطاع الطريق على اختلاف جرائمهم على ما ذكره ابن عباس، فإن تلك العقوبات المختلفة تعلقت بجرائم مختلفة في الكرة الأولى، لأن الله تعالى بين ما تعلق بالأولى، وبين ما يتعلق بالكرة الثانية بعد الفراغ من الأولى. نعم، لم يتعرض للدفعة الثانية، لأنه يندر من السارق بعد قطع يده أن يرجع وهو ناقص إلى السرقة التي يحتاج فيها إلى ملابسة الإغرار، وسرعة الحركة، والمخاطرة بالمهجة، وشدة العدو، والذي يده ناقصة لا يتأتى منه ذلك، فأبان الله تعالى جزاء السارق، ولم يتعرض للكرة الثانية، وتعرض الرسول صلى الله عليه وسلم لها. والسارق من بيت المال لا قطع عليه في ظاهر مذهب الشافعي، وهو مذهب الجماعة، لأن له فيه نصيباً، وإليه أشار علي رضي الله عنه لما أتى برجل قد سرق مغفراً من الخمس، فلم ير عليه قطعاً، قال: لأن له فيه نصيباً، وفي وجه القطع تعلقاً بعموم الآية وبلفظ السرقة. ويتعلق بعموم كتاب الله تعالى والإيماء إلى التعليل في إيجاب القطع على ذوي الأرحام، بسرقة أموال أقاربهم خلافاً لأبي حنيفة. وإذا سرق فقطعت يده، ثم عاد وسرق ذلك الشيء نفسه قطعت رجله عندنا، خلافاً لأبي حنيفة، ولا يتعلق به من جهة العموم، فإن الذي دل عليه العموم قطع اليد، والواجب في الكرة الثانية قطع الرجل، لم يتعلق به من حيث التعليل، وأن الثاني إذا كان مثل الأول، وتعلق به ما تعلق بالأول، أو مثل ما تعلق بالأول، فيكون الاحتجاج بالعلة، لا بالإسم، فليعرف العارف هذه المراتب ما يصح الاحتجاج منه بالعموم, وما يحتج فيه بالمفهوم من الاسم. واعلم أن الذي يجب على السارق من القطع، يجب جزاء على الفعل أو زجراً، فالشرع اعتنى ببيانه وإيضاح حكمه، ولم يتعرض للضمان الذي لا يرجع إلى الفعل، ولا يتعلق به، وإنما هو بدل عن المحل، كما أوجب على الزاني الجلد، ولم يتعرض للمهر، وأوجب على قاطع الطريق القتل، ولم يتعرض للدية من بعد التوبة في قوله: {إلاَّ الّذِين تَابُوا مِنْ قَبلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِم}, لأن ذلك حوالة على بيان آخر. كتاب ابن العربي 1) أصول فقه (شرع من قبلنا) 2) أصول فقه (النسخ) 3) أصول فقه (الألف واللام) 4) النّباش 5) أصول فقه (المجمل والمُبيَّن) 6) أصول فقه (العام والخاص) 7) الحدود (السارق) 8) المسروق 9) الحدود (القطع) 10) النصاب قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيـزٌ حَكِيْـمٌ} [الآية: 38]. فيها تسع وعشرون مسألة: المسألة الأولى: في شرح حقيقة السرقة: وهي أخْذُ المال على خفْيَةٍ من الأعين، وقد بينّا ذلك في مسألة قَطْع النّباش من مسائل الخلاف، فليُنْظَر هنالك في كتبه. وقد قال محمد بن يزيد: السارقُ هو المعلن والمختفي. وقال ثعلب: هو المختفي، والمعلن عادٍ. وبه نقول، وقد بيناه في الملجئة. المسألة الثانية: الألف واللام من السارق والسارقة بينّا معناهما في الرسالة الملجئة. وقلنا: إن الألف واللام يجتمعان في الاسم ويَرِدان عليه للتخصيص وللتعيين، وكلاهما تعريفٌ بمنكور على مَرَاتب؛ فإنْ دخلت لتخصيص الجنس فمن فوائدها صلاحيةُ الاسم للابتداء له، كقوله تعالى: {والسارقُ والسارقةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهما}. و{الزَّانِية والزَّاني فاجْلِدُوا كلَّ واحد منهما مائةَ جَلْدَةٍ} [النور:2]. وإن دخلت للتعيين ففوائدُه مقرّرة هنالك، وهي إذا اقتضت تخصيصَ الجنْسِ أفادت التعميمَ فيه بحكم حَصْرها له عن غيره إذا كان الخبرُ عنها والمتعلقُ بها صالحاً في رَبْطِه بها دون ما سِواها، وهذا معلومٌ لغة. وقد أنكره أهلُ الوقف في هذا الباب وغيره كما أنكروا جميعَ الأوامر والنواهي، وقد بيناه عليهم في التلخيص. وإذا ثبت هذا فقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} ـ عامٌّ في كل سارقٍ وسارقة، وهي: المسألة الثالثة: ردّاً على مَنْ يرى أنه من الألفاظ المجملة، وذلك مَنْ لم يفهم المجمَل، ولا العام؛ فإن السرقة إذا كانت معروفة لغة ـ إذ ليست لفظة شرعية باتفاق ـ ربطت بالألف واللام تخصيصاً، وعلق عليها الخبر بالحكم رَبْطاً، فقد أفادت المقصود، و جرت على الاسترسال والعموم، إلاّ فيما خصَّه الدليل، وكذلك يروى عن ابن مسعود أنه قرأها: "والسارقون والسارقات"؛ ليبيِّن إرادةَ العموم. والذي يقطعُ لك بصحة إرادةِ العموم أنه لا يخلو أن يريد به المعنى، وذلك محال؛ لأنه لم يتقدم في شيء من ذلك، فلم يَبْقَ إلا أنه لِحَصْر الجنس، و هو العموم. المسألة الرابعة: قرأها ابنُ مسعود: {والسارقَ والسارقةَ} بالنصب، وروي عن عيسى بن عمر مثله. قال سيبويه: هي أقوى؛ لأنّ الوجْهَ في الأمر والنهي في هذا النصب؛ لأن حدّ الكلام تقدّم الفعل، وهو فيه أوْجب، وإنما قلت زيداً اضربه، واضربه مشغوله، لأن الأمرَ والنهي لا يكونان إلا بالفعل، فلا بُدّ من الإضمار، وإن لم يظهر. قال القاضي: أصلُ الباب قد أحكمناه في الملجئة، ونخبتُه أنّ كلّ فعل لا بد له من فاعل ومفعول، فإذا أخبرت بهم أو عنهم خبراً غريباً كان على ستّ صيغ: الأولى: ضرب زيد عَمراً. الثانية: زيد ضرب عَمراً. الثالث: عَمْراً ضرب زيد. الرابعة: ضرب عمراً زيد. الخامسة: زيد عمراً ضرب. السادسة: عمراً زيد ضرب. فالخامسة والسادسة نَظْمٌ مُهْمَل لا معنى له في العربية، وجاء مِنْ هذا جواز تقديم المفعول، كما جاز تقدُّم الفاعل، بَيْدَ انه إذا قدمت المفعول بقي بحاله إعراباً، فإذا قدّمت الفاعل خرج عن ذلك الحدّ في الإعراب، وبقي المعنى المخبَر عنه، وحدث في ترتيب الخبر ما أوجب تغيير الإعراب، وهو المعنى الذي يسمَّى الابتداء، ثم يدخل على هذا الباب الأدوات التي وُضعت لترتيب المعاني وهي كثيرة أو المقاصد وهي أصْلٌ في التغيير، ومنها وضْعُ الأمر موضع الخبر، تقول: اضرب زيداً. ولما كان الأمرُ استدعاء إيقاع الفعل بالمفعول، ولم يكن بعد هنالك فاعل سقط في إسناد الفعل، وثبت في تعلُّقِ الخطاب به وارتباطه، وتكون له صيغتان: إحداهما هذه. والثانية زيداً اضرب، كما كان في الخبر؛ ولا يتصوَّرُ صيغة ثالثة، فلما جاز تقديمُه مفعولاً كان ظاهرُ أمْرِه ألاّ يأتي إلا منصوباً على حُكم تقدير المفعول، ولكن رفعوه لأنّ الفعل لم يقع عليه بعد، وإنما يطلب وقوعه به فيخبر عنه، ثم يقتضي الفعل فيه، فإن اقتضى ولم يخبر لم يكن إلا منصوباً، وإن أخبر ولم يقتض لم يكن إلاّ مرفوعاً، فهما إعرابان لمعنيين، فلم يكن أحدُهما أقوى من الآخر. تتميم: فإذا ثبت هذا فقلت: زيد فاضربه فإنْ نصبتَه فعلى تقدير فعل، وإن رفعته فعلى تقدير الابتداء، ويترتب على قصْدِ المخبر، ويكون تقديره مع النصب اضرب زيداً فاضربه، فأما إذا طال الكلامُ فقلتَ: زيداً فاقطع يده كان النصبُ أقوى، لأنّ الكلامَ يطول فيقبح الإضمار فيه لطوله. وهذا قالب سيبويه أفرغنا عليه. وأقول: إن الكلام إذا كان فيه معنى الجزاء، أو كانت الفاء فيه منزَّلةً على تقدير جوابه فإنّ الرفع فيه أعلى؛ لأن الابتداء يكون له، فلا يبقى لتقدير المفعول إلاّ وَجْهٌ بعيد؛ فهذا منتهىالقول على الاختصاص. والله عزّ وجلّ أعلم. المسألة الخامسة: قد بيّنا أنّ هذه الآية عامة، لا طريق للإجمال إليها، فالسرقة تتعلق بخمسة معان: فعل هو سرقة، وسارق، ومسروق مطلق، ومسروق منه، ومسروق فيه. فهذه خمسة متعلقات يتناول الجميع عمومها إلا ما خصّه الدليلُ. أما السرقةُ فقد تقدم ذكرها. وأما السارق، وهي [المسألة السادسة]. المسألة السادسة:[السارق]: فهو فاعل من السرقة، وهو كلُّ مَنْ أخذ شيئاً على طريق الاختفاء عن الأعين؛ لكن الشريعة شرطَتْ فيه ستة معان: العقل: لأنّ من لا يعقِلُ لا يخاطَبُ عقلاً. والبلوغ: لأن من لم يبلغ لا يتوجّه إليه الخِطابُ شرعاً. وبلوغُ الدعوة: لأنّ مَنْ كان حديث عهدٍ بالإسلام ولم يُثَافِن حتى يعرف الأحكام، وادّعى الجهْلَ فيما أتى من السرقة والزنا وظَهر صِدْقه لم تَجِبْ عليه عقوبةٌ، كالأب في مال ابنه، لما قدمناه من قوله صلّى الله عليه وسلم: "إن من أطيب ما أكل الرجل من كَسْبه وإنّ وَلده مِنْ كسبه". ولذلك قلنا: إذا وطئ أَمَةَ ابنه لا حَدَّ عليه للشبهة التي له فيها، والحدودُ تسقط بالشبهات، فهذا الأب وإن كان جاء بصورة السرقة في أخْذ المال خفْية فإنّ له فيه سلطان الأبوه وتبسط الاستيلاء، فانتصب ذلك شبهة في دَرْء ما يَنْدرئُ بالشبهات. وأما متعلق المسروق، وهي [المسألة السابعة]. المسألة السابعة: [متعلق المسروق]: فهو كلُّ مال تمتدُّ إليه الأطماع، ويصلح عادةً وشرعاً للانتفاع به، فإن منع منه الشرعُ لم ينفع تعلّق الطماعية فيه، ولا يتصوّر الانتفاع منه، كالخمر والخنزير مثلاً. وقد كان ظاهرُ الآيةِ يقتضي قَطْع سارقِ القليل والكثير؛ لإطلاق الاسم عليه وتصوّر المعنى فيه. وقد قال به قوم منهم ابن الزبير، فإنه يُرْوَى أنه قطع في دِرهم. ولو صحَّ ذلك عنه لم يُلتفت إليه؛ لأنه كان ذا شواذّ، ولا يستريب اللبيب، بل يقطع المنصف أنَّ سرقة التافه لغوٌ، وسرقة الكثير قَدْراً أو صفة محسوب، والعقلُ لا يهتدي إلى الفصل فيه بحدٍّ تقف المعرفةُ عنده، فتولَّى الشرعُ تحديده بربع دينار. وفي الصحيح، عن عائشة: "ما طالَ عَلَيَّ ولا نسيتُ: القَطْعُ في ربعِ دينار فصاعداً". وهذا نصّ. وقال أبو حنيفة: لا قطع في أقل من عشرة دراهم، ورَوى أصحابه في ذلك حديثاً قد بينّا ضَعْفَه في مسائل الخلاف وشرح الحديث. فإن قيل: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لعن اللهُ السارق يسرق الْحَبْلَ فتُقْطَعُ يَدُه ويسرق البَيْضَة فتقطع يده". قلنا: هذا خرج مخرج التحذير بالقليل عن الكثير، كما جاء في معرض الترغيب بالقليل عن الكثير في قوله صلّى الله عليه وسلم: "مَنْ بنى لله مسجداً ولو مثل مَفْحَص قَطَاةٍ بَنَى اللهُ له بيتاً في الجنة". وقيل: إن هذا مجاز من وَجْهٍ آخر؛ وذلك أنه إذا ظفر بسرقة القليل سرق الكثير فقُطِعَتْ يَدُه؛ فبهذا تنتظم الأحاديث، ويجتمع المعنى والنص في نظام الصواب. المسألة الثامنة: ومنه كلُّ مالٍ يُسْرع إليه الفسادُ من الأطعمة والفواكه؛ لأنه يباع ويبتاع وتمتدّ إليه الأطماع، و تبذل فيه نفائسُ الأموال. وشبهة أبي حنيفة ما يؤول إليه من التغير والفساد، ولو اعتُبر ذلك فيه لما لزم الضمان لمتلفه. المسألة التاسعة: ومنه كلُّ ما كان أصلُه على الإباحة؛ كجواهر الأرض ومعادنها، وشبْه ذلك؛ لأنه كان مباحَ الأصل، ثم طرأ عليه المِلْكُ، فتنتصب إباحةُ أصلِه شبهةً في إسقاط القَطْع بسرقته. قلنا: لا تضر إباحةٌ متقدمة إذا طرأ التحريم، كالجارية المشتركة بين قوم، فإنَّ وطأها حرام يوجب الحدَّ عند خلوصها لأحدهم، ولا تُوجب الإباحةُ المتقدمة شبهةً. وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلم: "لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثََر إلا ما أواهُ الْجَرِين". رواه النسائي وأبو داود. وانفرد النسائي: "ولا في حَرِيسة جَبَل إلا فيما أواه المراح". المسألة العاشرة: ومنه ما إذا سرق حرّاً صغيراً. قال مالك:عليه القَطْع. وقيل: لا قَطْع عليه، وبه قال الشافعي: وأبو حنيفة؛ لأنه ليس بمال. قلنا: هو أعظمُ من المال؛ ولم يقطع السارقُ في المال لعيِنِه، وإنما قطع لتعلُّق النفوس به، وتعلُّقها بالحر أكثرُ من تعلقها بالعبد. المسألة الحادية عشرة: متعلق المسروق منه: وهو على أقسامٍ يرجع إلى ما كان مالُه محترماً بحُرْمة الإسلام لقوله صلّى الله عليه وسلم: "فقد حرّم ماله ودَمه وحسابُه على الله"، إن مال الزوجين محترم لكل واحد منهما عن صاحبه، وإن كانت أبدانهما حلالاً لهما؛ لأنهما لم يتعاقدا بعَقْد يتعدَّى إلى المال. وقال أبو حنيفة: وأحد قولي الشافعي: لا يقطع؛ لأنَّ الزوجيةَ تقتضي الخلطة والتبسط. وهذا باطلٌ من وجهين: أحدهما: أن الكلامَ فيما يجوز كلُّ واحد منها عن صاحبه. والثاني: أنه لو كان في مالِ زوجه تبسّط لسقط عنه الحدّ بوَطْء جاريتها، ولذلك قلنا، وهي: [المسألة الثانية عشرة]. المسألة الثانية عشرة: [حكم السارق من ذي رحم]: إنّ مَنْ سرق من ذي رَحِم محرم لمثله وجب عليه القَطْع، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنّ ذات الرحم لو وطئها لوجب عليه الحدّ، فكذلك إذا سرق مالَها، وشبهةُ المحرمية لا تعلُّقَ لها بالمال. وإنما هي في غير ذلك من الأحكام. المسألة الثالثة عشرة: إذا سرق العَبْدُ من مال سيِّده، أو السيدُ من عبده: فلا قطْعَ بحال؛ لأنَّ العَبْدَ وماله لسيده، فلم يقطع أحد بأخذ مال عبده لأنه أخذٌ لماله، وإنما إذا سرق العَبْدُ يسقط القَطْعُ بإجماع الصحابة وبقول الخليفة: "غلامكم سرق متاعكم"، وهذا يشترك مع الأب في البابين، وقد بينا كلَّ واحدٍ في موضعه. وأما متعلق المسروق منه، وهي [المسألة الرابعة عشرة]. المسألة الرابعة عشرة: [متعلق المسروق منه]: فهو الحِرْزُ الذي نُصِبَ عادةً لحفظ الأموال، وهو يختلف في كل شيء بحسب حاله. والأصلُ في اعتبار الحِرْز الأثرُ والنظرُ. أم الأثر: فقوله صلّى الله عليه وسلم: "لا قَطْعَ في ثًمَرٍ ولا كَثَر إلا ما أواه الْجَرِين". وأما النظر فهو أنّ الأموالَ خُلقت مُهيّأة للانتفاع للخَلْق أجمعين، ثم بالحكمة الأولية التي بينّاها في سورة البقرة حُكم فيها بالاختصاص الذي هو الملك شَرْعاً، وبقيت الأطماعُ معلقةً بها، والآمالُ محوّمة عليها، فتكفها المروءةُ والديانةُ في أقلِ الخلق، ويكفّها الصوْنُ والحِرْز عن أكثرهم، فإذا أحرزها مالِكُها فقد اجتمع بها الصَّوْنان، فإذا هُتكا فَحُشت الجريمةُ فعظمت العقوبةُ؛ وإذا هتك أحَدُ الصَّوْنَيْن ـ وهو الملك ـ وجب الضمانُ والأدب؛ وذلك لأنّ المالكَ لا يمكنه بعد الحِرْزِ في الصَّوْن شيء، لما كان غاية الإمكان ركبَ عليه الشرعُ غايةَ العقوبةِ من عنده رَدْعاً وصَوْناً، والأمةُ متفقةٌ علىاعتبار الحِرْز في القطع في السرقة؛ لاقتضاء لفظِها، ولا تضمن حكمتها وجوبه، ولم أعلم مَنْ ترك اعتباره من العلماء، ولا تحصَّلَ لي مَنْ يُهْمِله من الفقهاء، و إنما هو خلافٌ يذكَر، وربما نُسِب إلى مَنْ لا قَدْر له، فلذلك أعرضْتُ عن ذكره، ولهذا المعنى أجمعت الأمةُ أنه لا قَطْعَ على المختلس والمنتهب لعدم الحِرْزِ فيه، فلما لم يهِتكْ حِرْزاً أحَدٌ قَطْعاً. المسألة الخامسة عشرة: [حكم الشريك]: لما ثبت اعتبارُ النِّصَابِ في القَطْعِ قال علماؤنا: إذا اجتمع جماعةٌ، فاجتمعوا على إخراج نصابِ من حِرْزه؛ فلا يخلوا أن يكونَ بعضُهم ممن يقدِرُ على إخراجه، أو يكون مما لا يمكنُ إخراجه إلاّ بتَعاوُنهم؛ فإن كان مما لا يمكن إخراجُه إلا بالتعاون فإنه يُقطع جميعهم باتفاق من علمائنا. وإنْ كان مما يخرِجُه واحدٌ واشتركوا في إخراجه فاختلف علماؤنا فيه على قولين: أحدُهما: لا قَطْع فيه. والثاني: فيه القَطْع. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يُقطع في السرقة المشتركون إلا بشرط أن يجب لكلّ واحدٍ منهم في حصته نصاب؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلم في النصاب ومحله حين لم يقطع إلا من سرق نصاباً، وكلّ واحدٍ من هؤلاء لم يَسْرِق نصاباً، فلا قَطْع عليهم. ودليلُنا الاشتراكُ في الجناية لا يُسْقِط عقوبتها، كالاشتراك في القتل، وما أقربَ ما بينهما؛ فإنّا قتلنا الجماعة بقَتْل الواحد، صيانةً للدماء، لئلا يتعاون على سَفْكِها الأعداءُ، وكذلك في الأموال مثله، لا سيما وقد ساعدنا الشافعيّ على أنّ الجماعةَ إذا اشتركوا في قَطْعِ يَدِ رَجُلِ قُطِعوا، ولا فَرْقَ بينهما. المسألة السادسة عشرة: إذا اشتركوا في السرقةِ فإنْ نَقَبَ واحدٌ الحِرْزَ وأخرج آخر فلا قَطْعَ على واحدٍ منهما عند الشافعي؛ لأنّ هذا نَقَب ولم يَسْرِق، والآخر سرَق من حِرْزٍ مهتوك الْحُرْمة. وقال أبو حنيفة: إنْ شارك في النقْبِ ودخل وأخذ قطِعَ. وأما علماؤنا فقالوا: إنْ كان بينهما تعاون واتّفاقٌ قطعا، وإن نَقَب سارقٌ وجاء آخر لم يَشْعُر به فدخل النقبَ وسرق فلا قَطْعَ عليه لعدم شَرْطِ القَطْع وهو الحِرْز، وفصل التعاون قد تقدّم ودليلُنا عليه، فليُنْظَرْ هنالك. المسألة السابعة عشرة: في النبّاش: قال علماء الأمصارِ: يقطع. وقال أبو حنيفة: لا قَطْعَ عليه؛ لأنه سرقَ من غير حِرْزِ مالاً معرَّضاً للتلف لا مالكَ له؛ لأنّ الميتَ لا يُمْلَك. ومنهم من ينكر السرقة؛ لأنه في موضع ليس فيه ساكن، وإنما تكون السرقةُ بحيث تُتَّقَى الأعين، ويُتحفّظ من الناس، وعلى نَفْي السرقةِ عَوّل أهلُ ما وراء النهر. وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف وقلنا: إنه سارقٌ، لأنه تدرّع الليلَ لباساً، واتَّقى الأعين، وتعمَّد وقتاً لا ناظرَ فيه ولا مارّ عليه؛ فكان بمنزلة ما لو سرق في وقتٍ تبرُز الناسُ للعيد وخلوّ البلد من جميعهم. وأما قولهم: إنّ الْقَبْر غيرُ حِرْز فباطل؛ لأن حرز كل شيء بحسب حاله الممكنة فيه كما قدمناه، ولا يمكن تَرْكُ الميت عارياً، ولا يتفق فيه أكثر من دَفْنِه، ولا يمكن أن يُدْفَن إلا مع أصحابه؛ فصارت هذه الحاجةُ قاضية بأنّ ذلك حِرْزُه، وقد نبَّه اللهُ تعالى عليه بقوله تعالى: {ألم نَجْعَل الأرْضَ كِفاتاً. أحياءً وأمواتاً} [المرسلات: 25، 26]؛ ليسكن فيها حيّاً ويُدْفَن فيها ميتاً. وأما قولهم: إنه عُرْضَة للتلف فكلُّ ما يلبس الحيُّ أيضاً معرَّضٌ للتلف والإخلاق بلباسه، إلا أنّ أحدَ الأمرين أعجلُ من الثاني. المسألة الثامنة عشرة: قال علماؤنا: إذا سرق السارقُ وجب القَطْعُ عليه وردُّ العين؛ فإن تلفت فعليه مع القطع القيمةُ إن كان مُوسراً، وإن كان معسراً فلا شيء عليه. وقال الشافعي: الغُرْمُ ثابت في ذمته في الحالين. وقال أبو حنيفة: لا يجتمع القَطْعُ مع الغرم بحال؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى قال: {وَالسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِما كَسَبا نَكَالاً مِنَ اللهِ} ولم يذكر غرماً، والزيادةُ على النص، وهي نَسْخٌ، ونَسْخُ القرآن لا يجوز إلا بقرآنِ مثله، أو بخَبرٍ متواتر، وأمَّا بنَظَرٍ فلا يجوز. قلنا: لا نسلِّم أنَّ الزيادةَ على النص نسخ؛ وقد بينا ذلك في مسائل الأصول فلينظر هناك، وقد قال الله تعالى: {واعلَمُوا أنَّمَا غَنِمْتُمْ من شيء فأنّ للهِ خمسَه وللرسول ولذي القُرْبى} [الأنفال: 41] ـ مطلقاً. وقال أبو حنيفة: يعطى لذوي القُرْبى إلا أن يكونوا فقراء؛ فزاد على النص بغير نصّ مثله من قرآن أو خَبر متواتر. وأما علماءُ الشافعية فعوَّلُوا على أن القَطْع والغرم حقّان لمستحقين مختلفين، فلا يُسْقِطُ أحدُهما الآخر، كالدِّية والكفارة. وأما المالكية فليس لهم متعلق قويّ، و نازع بعضُهم بأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: "إذا أقيم على السارق الحدُّ فلا ضمانَ". وهذا حديثٌ باطل. وقال بعضهم: لأن الإتباع بالغرم عقوبة، والقَطْعُ عقوبة، ولا تجتمع عقوبتان، وعليه عوّل القاضي عبدالوهاب، وهو كلامٌ مختلُّ اللفظ. وصوابُه ما بيناه في مسائل الخلاف مِنْ أنّ القطع واجب في البدن، والغُرْم على الْمُوسِر واجبٌ في المال، فصارَا حقَّيْن في محلّين. وإذا كان معسراً فقلنا: يثبت الغُرْم عليه في ذمته، كما أوجبنا عليه القَطْعَ في البدن والغُرْم وهو محلٌّ واحد، فلم يجز، ألا ترى أنَّ الديةَ على العاقلة والكفّارة في ماله أو ذمته، والجزاء في الصيد المملوك يَنْقُض هذا الأصل؛ لأنه يجمع مع القيمة، و كذلك الحدُّ والمهر إلا أن يطَّرِدَ أصلُنا، فنقول: إذا وجب الحدُّ وكان معسراً لم يَجب الْمَهْرُ، وإن الجزاءَ إذا وجب عليه، وهو مُعْسِر، سقطت القيمةُ عنه، فحينئذٍ تطَّرِدُ المسألة ويصحُّ المذهب؛ أما أنه قد رَوى النسائي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: "لا يغرم صاحبُ سرقةٍ إذا أقَمْتُم عليه الحدّ". فلو صح هذا لحملناه على الْمُعْسِر. المسألة التاسعة عشرة: قال أبو حنيفة: إن شاء أغرم السارقَ ولم يقطعه، وإن شاء قطعه ولم يغرمه؛ فجعل الخيارَ إليه؛ والخيارُ إنما يكون للمرء بين حقَّيْن هما له، والقطع في السرقة حقُّ اللهِ تعالى، فلم يجُزْ أن يخيَّر العَبْدُ فيه كالحدّ والْمَهْرِ. المسألة الموفية عشرين: إذا سرق المال من الذي سرقه وجب عليه القَطْعُ خلافاً للشافعي، لأنه وإن كان سَرَق مِنْ غير المالك، فإنْ حرمة المالك الأول باقيةٌ عليه لم تنقطع عنه، ويدُ السارق كلاَ يَد. فإن قيل: اجعلوا حِرْزَه كَلاَ حِرْز. قلنا: الحِرْزُ قائم، والملك قائم، ولم يبطل الملك فيه، فيقولوا لنا: أبطلوا الحِرْز. المسألة الحادية والعشرون: إذا تكرّرت السرقةُ بعد القَطْع في العين المسروقة قُطع ثانياً فيها. وقال أبو حنيفة: لا قَطْعَ عليه. وليس للقوم دليل يُحكى، ولا سيما وقد قال معنا: إذا تكرر الزنا يحَدّ، وقد استوفينا اعتراضَهم في مسائل الخلاف وأبطلناه. وعمومُ القرآن يوجب عليه القَطْع. المسألة الثانية والعشرون: [إذا ملك السارق العين المسروقة]: إذا ملك السارقُ ـ قبل أن يُقْطع ـ العينَ المسروقة بشراءٍ أو هِبَةٍ سقط القَطْعُ عند أبي حنيفة، والله تعالى يقول: {والسارقُ والسارقةُ فاقْطَعُوا أيدِيَهُمَا} فإذا وجب القَطْعُ حقاً لله تعالى لم يسقطه شيء ولا تَوْبة السارق، وهي: المسألة الثانية والعشرون: وقد قال بعضُ الشافعية: إن التوبةَ تسقِط حقوقَ الله وحدودَه، وعزَوْهُ إلى الشافعي قولاً، وتعلّقوا بقول الله تعالى: {إلا الذين تابوا مِنْ قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عليهم} [المائدة: 34]. وذلك استثناءٌ من الوجوب، فوجب حَمْلُ جميع الحدود عليه. وقال علماؤنا: هذا بعينه هو دليلُنا؛ لأن الله سبحانه وتعالى لَمَّا ذكر حَدَّ المحارب قال: {إلاَّ الذين تابوا مِنْ قَبْلِ أن تَقْدِرُوا عليهم}. وعطف عليه حدَّ السارِقِ، وقال فيه: {فمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِه وأصلح فإنَّ اللهَ يتُوبُ عليه} [المائدة: 39]؛ فلو كان ظلمه في الحكم ما غاير الحكم بينهما، ويا معشر الشافعية؛ سبحان الله! أين الدقائقُ الفِقْهية والحِكَم الشرعية التي تستنبطونها في غوامض المسائل، ألم ترَوْا إلى المحارب المستبد بنفسه، المجترئ بسلاحه، الذي يفتقر الإمام معه إلى الإيجاف بالخيل والرِّكاب، كيف أسقط جزاءَه بالتوبة استنزالاً عن تلك الحالة، كما فعل بالكافر في مغفرةِ جيمع ما سلف استئلافاً على الإسلام. فأما السارقُ والزاني، وهم في قَبْضة المسلمين، وتحت حكم الإمام، فما الذي يُسْقطُ عنهم ما وجب عليهم؟ أو كيف يجوزُ أن يُقالَ على المحارب، وقد فرَّقَتْ بينهما الحالةُ والحِكْمة؟ هذا لا يليقُ بمثلكم، يا معشر المحققين. وأمَا مِلْك السارق المسروق، فقد قال صَفْوان للنبي صلّى الله عليه وسلم: هو له يا رسول الله! فقال: "فهلاَّ قبل أنْ تأتيني به". خرّجه الدارَقُطْني وغيره. المسألة الرابعة والعشرون: {حكم سارق المصحف}: قال أبو حنيفة: لا يُقْطَع سارِقُ المصحف، وليس له فيه ما ينفع إلا أنْ منع بيعه وتملُّكه. فإن فعل ذلك قلنا له: إذا اشترى رجل ورقاً وكتب فيه القرآن لا يُبطل ما ثبت فيه من كلام الله ملكه، كما لم يبطل ملكه لو كتب فيه حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وإذا ثبت الملك ترتَّبَ عليه وجوبُ القَطْع. والله عز وجل أعلم. المسألة الخامسة والعشرون: قوله تعالى: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}: اعلموا أنَّ هذه المسائل المتقدمة في هذه الآية لم يُتعرَّض في القرآن لذكرها، ولكن العموم لما كان يتناول كلّ ذلك ونظراءَه ذكرْنا أمهات النظائر، لئلا يطول عليكم الاستيفاء، وبينَّا كيفية التخصيص لهذه العموم، لتعلموا كيفيةَ استنباطِ الأحكام من كتاب الله تعالى، وهكذا عقدْنا في كل آية وسرَدْنا، فافهموه من آيات هذا الكتاب؛ إذ لو ذهبنا إلى ذِِكْر كلّ ما يتعلق بها من الأحكام لَصَعُبَ المرام. ومن أهم المسائل في هذه الآية ما وقع التنصيصُ عليه فيها، وهو قوله تعالى: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}، فنذكر وَجْه إيرادها لغة، وهي: المسألة السادسة والعشرون: ثم نُفيض بعد ذلك في تمامها، فإنه عظيمة الإشكال لغةً لا فِقْهاً، فنقول: إنْ قيل: كيف قال: فاقْطَعُوا أيديَهما، وإنما هما يمينان"؟ قلت: لما توجَّه هذا السؤال وسمِعَه الناس لم يحل على أحد منهم بطائل من فَهْمه. أما أهلُ اللغة فتقبّلوه، وتكلَّموا عليه، وتابعهم الفقهاءُ على ما ذكروه حسن ظن بهم من غير تحقيق لكلامهم، وذكروا في ذلك خمسة أوجه: الوجه الأول: أنّ أكثر ما في الإنسان من الأعضاء اثنان، فحمل الأقلّ على الأكثر؛ ألا ترى أنك تقول: بطونهما وعيونهما، وهما اثنان، فجُعل ذلك مثله. الثاني: أنَّ العربَ فعلت ذلك للفَصْلِ بين ما في الشيء منه واحد وبَيْنَ ما فيه منه اثنان، فجُعل ما في الشيء منه واحد جمعاً إذا ثُنِّيَ، ومعنى ذلك أنه وإن جعل جمعاً فالإضافة تثنية، لا سيما والتثنيةُ جَمْع، وكان الأصل أن يقال اثنان رجلان، ولكن رجلان يدلّ على الجنس والتثنية جميعاً، وذكر كذلك اختصاراً، وكذلك إذا قلت قلوبهما فالتثنيةُ فيهما قد بيَّنَت لك عددَ قلب، وقد قال الشاعر ـ فجمع بين الأمرين: * ومهمهين قذفين مرتين * ظَهْرَاهما مِثْلُ ظهور التُّرْسَيْن * الثالث: قال سيبويه: إذا كان مفرداً قد يجمع إذا أردت به التثنية، كقول العرب: وضَعا رِحالَهما، وتريد رَحْلَيْ راحلتيهما، وإلى معنى الثاني يرجعُ في البيان الرابع، ويشتركُ الفقهاءُ معهم فيه أنه في كل جَسدٍ يدان، فهي أيديهما معاً حقيقة، ولكن لما أراد اليمنى من كل جَسَدٍ، وهي واحدةٌ، جرى هذا الجمع على هذه الصفة، وتأوّل كذلك. الخامس: أنّ ذِكْرَ الواحدِ بلفظ الجميع عند التثنية أفصَحُ من ذكره بلفظ التثنية مع التثنية؛ فهذا منتهى ما تحصَّل لي من أقوالهم، وقد تتقاربُ وتتباعدُ، وهذ كلُّه بناء على ما أشرنا إليه عنهم في الخامس، من أنهم بنوا الأمرَ على أنّ اليمين وحْدَها هي التي تُقطع، وليس كذلك؛ بل تُقْطَع الأيدي والأرجل، فيعود قوله: أيديهما إلى أربعةٍ، وهي جَمْع في الآيتين، وهي تثنية؛ فيأتي الكلامُ على فصاحته، ولو قال: فاقطعوا أيديهم لكان وجهاً؛ لأنّ السارقَ والسارقة لم يرد بهما شخصين خاصة، وإنما هما اسما جِنْسٍ يَعُمَّانِ ما لا يحصى إلا بالفعل المنسوب إليه، ولكنه جَمْعٌ لحقيقة الجمع فيه. وبيانُ ما قلنا من قَطْعِ الأيدي والأرجل أنَّ الناسَ اختلفوا في ذلك كثيراً مآله إلى ثلاثة أقوال: الأول: أنه تُقْطَعُ يمينُ السارقِ خاصة، ولا يعود عليه القَطْع؛ قاله عطاء. الثاني: أنَه تُقْطَع اليسرى ولا يعود عليه القطع في رِجْل رِجْل؛ قاله أبو حنيفة. الثالث: تُقْطَع يدُه اليمنى، فإنْ عاد قطِعَتْ رجله اليسرى، فإن عاد قُطِعَتْ يدُه اليسرى، فإن عاد قطعت رِجْله اليمنى؛ قاله مالك والشافعي. وأما قولُ عطاء فليس على غَلطه غطاء؛ فإنَّ الصحابةَ قبله قالوا خلافه. وقد قال الله تعالى: {فاقطَعُوا أيديهما}، فجاء بالجمع، فإن تعلّقَ بأقوال النحاة قلنا: ذلك يكون تأويلاً مع الضرورة إذا جاء دليلٌ يدُلُّ على خلافِ الظاهر، فيرجع إليه، فبطَلَ ما قاله. وأما قول أبي حنيفة فإنه يردُّه حديث الحارث بن حاطب، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم أُتي بلِصٍّ فقال: "اقتلوه". قالوا: يا رسول الله؛ إنما سرق. قال: "اقطعوا يدَه". قالوا ثم سرق فقطعِتْ رِجله، ثم سرق على عَهْد أبي بكر فقطِعتْ يدُه حتى قُطعت قوائمه كلها. رواه النسائي وأبو داود والدارقُطْني أنّ النبي صلّى الله عليه وسلم أتي بسارق فقطع يده، ثم أتي به الثانية فقطع رِجْله، ثم أتي به ثالثة فقَطع يده، ثم أتي به رابعة فقَطع رجله. أما النسائيّ وأبو داود فرَوَياه عن الحارث بن حاطب. وأما الدارقطني فرواه عن جابر بن عبدالله عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلم فعلاً، ورواه عن أبي هريرة عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلم قولاً. وقال الحارث: إن أبا بكر تَمَّمَ قَطْعَهُ ، واتفقوا على قَتْله في الخامسة؛ وهذا يُسْقِط قولَ أبي حنيفة. وكذا روي في حديث أبي بكر الصديق في قطع اليمين أنه قطع رِجْلَه اليمنى، ورُوي أيضاً أنه أُمِرَ بذلك فقال له عمر: لا؛ بل تقطع يَدُه، كما قال تعالى. قال له: دونك. والروايةُ الأولى أصحّ وأثبت رجالاً. ورُوي عن عمر أيضاً أنه قال: إذا سرق فاقطَعُوا يده، فإن عاد فاقطَعُوا رِجْلَه، واتركوا له يَداً يأكل بها الطعام، ويَسْتَنْجِي بها من الغائط، ويحقِّقُ ذلك أنّ في الموطأ عن مالك، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه أن رجلاً من أهل اليمن كان أقطع اليدِ والرِّجْل فإنما قُطِعَتْ يَدُه اليسرى لعدم اليمنى. المسألة السابعة والعشرون: من توابعها أنَّ عموم قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} يقتضي قَطْعَ يَدِ الآبق. وقد رَوَى الترمذيّ وأبو داود، عن بُسْر بن أرطاة ، أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلم قال: "لا تُقْطَع الأيدي في السفر". وروَى النسائي: "في الغَزْوِ". فأما قوله في السفَر فحمله بعضهم على الآبق، وهو غلط بيّن؛ لأجل أنّ مثل هذا اللفظ العام لا يقال فيه يُراد به هذا المعنى الشاذ النادر الذي يجوزُ أن يذكر المعمم لفظه ولا يخطر بباله، فضلاً عن أنْ يُقالَ إنه قصده. وأما قولُه في الغَزْو فإنّ العلماءَ اختلفوا فيه، فقالوا: إنّ معناه أنّ الغانمين لكل واحد منهم حظّه في الغنيمة، فلا يقطع ولا يحدّ عند بعض العلماء. وقيل: يقطع ويحَدّ لعدم تعيين حظّه. والأول أصحّ؛ لأن ملكه مستقرّ يُورث عنه وتؤدَّى منه ديونه، فصار كالجارية المشتركة. المسألة الثامنة والعشرون: إذا وجب حدُّ السرقة فقتل السارقُ رجلاً ووجب عليه القِصاص، قال مالك: يُقْتَل ويدخل القَطْع فيه. وقال الشافعي: يُقْطَع لأنهما حقّان للمستحقين، فوجب أن يُوفى كلُّ واحدٍ منهما حقَّه. فإن قيل: أحدهما يَدْخُل في الآخر كما قال مالك: القَتْل يأتي على ذلك كلِّه. قلنا: إن الذي نختار أنّ حدّاً لا يسقطُ حدّاً. المسألة التاسعة والعشرون: تكلَّم الناسُ في قَطْعِ السرقة، هل هو شرْعُنا خاصة أم شَرْعُ مَنْ قبلنا؟ فقيل: كان شَرْعُ مَنْ قبلنا استرقاق السارق. وقيل: كان ذلك إلى زمنِ موسى؛ فعلى الأول القَطْع في شَرْعِنا ناسخاً للرقّ. وعلى الثاني يكون توكيداً له، وسيأتي القولُ على المسألة في سورة يوسف إن شاء الله تعالى. والصحيحُ أنّ الحدَّ كان مطلقاً في الأمم كلها قبلنا، ولم يبيِّن النبيُّ صلّى الله عليه وسلم كيفيته، إذ قال: "يا أَيها الناس إنما أهلك مَنْ كان قبلكم أنه كان إذا سرق فيهم الضعيفُ أقاموا عليه الحد، وإذا سرق فيهم الشريفُ تركوه، وَايْم الله لو أنّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعْتُ يدها". كتاب الشافعي 1) حَدّ السرقة (أنا) أبو عبد الله، نا أبو العباس، أنا الربيع، أنا الشافعى (رحمه الله)، قال: "قال الله تبارك وتعالى: {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا} [5: 38-38]." "ودَلَّتْ سنةُ رسول اللهِ (صلى الله عليه وسلم): أنَّ المرادَ بالقطع فى السَّرِقة: مَنْ سَرَق مِنْ حِرْزٍ، وبَلَغَتْ سَرِقتُه رُبْعَ دينارٍ. دون غيرِهما: ممن لَزِمَه اسمُ سرِقَةٍ.". كتاب الجصاص 1) الحدود (السرقة) 2) العقوبات (السرقة) 3) الحدود (السرقة [الحرز]) 4) الحدود (السرقة [ما لا قطع فيه]) 5) الحدود (السرقة [السرقة من ذوي الأرحام]) باب قطع السارق قال الله تعالى {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} روى سفيان عن جابر عن عامر قال قراءة عبدالله فاقطعوا أيديهما وروى ابن عوف عن إبراهيم في قراءتنا فاقطعوا إيمانهما. قال أبو بكر لم تختلف الأمة في أن اليد المقطوعة بأول سرقة هي اليمين فعلمنا أن مراد الله تعالى بقوله {أيديهما} أيمانهما فظاهر اللفظ في جمعه الأيدي من الاثنين يدل على أن المراد اليد الواحدة من كل واحد منهما كقوله تعالى {أن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} لما كان لكل واحد منهما قلب واحد إضافة إليهما بلفظ الجمع كذلك لما أضاف الأيدي إليهما بلفظ الجمع دل على أن المراد إحدى اليدين من كل واحد منهما وهي اليمنى. وقد اختلف في قطع اليسرى في المرة الثالثة وفي قطع الرجل اليمنى في الرابعة وسنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى. ولم تختلف الأمّة في خصوص هذه الآية؛ لأن اسم السارق يقع على سارق الصلاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنّ أَسْوَأَ النّاسِ سَرِقَةً هُوَ الّذي يَسْرِقُ صَلاَتَهُ" قيل: يا رسول الله وكيف يسرق صلاته؟ قال: "لا يُتِمُّ رُكُوعَها وسُجُودَها". ويقع على سارق اللسان؛ رَوَى ليث بن سعد قال: حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير مرثد بن عبدالله عن أبي رُهْمٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أُسْرِقَ السَّارِقُ الّذي يَسْرِقُ لِسَانَ الأَمِيرِ" فثبت بذلك أنه لم يُرِدْ كلَّ سارق. والسرقة اسم لغوي مفهوم المعنى عند أهل اللسان بنفس وروده غير محتاج إلى بيان، وكذلك حكمه في الشرع، وإنما علّق بهذا الاسم حكم القطع كالبيع والنكاح والإجارة وسائر الأمور المعقولة معانيها من اللغة قد عُلّقت بها أحكام يجب اعتبار عمومها بوجود الاسم إلاّ ما قام دليل خصوصه، فلو خُلّينا وظاهر قوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} لوجب إجراءُ الحكم على الاسم إلاّ ما خصه الدليل؛ إلاّ أنه قد ثبت عندنا أن الحكم متعلق بمعنى غير الاسم يجب اعتباره في إيجابه، وهو الحِرْزُ والمقدار، فهو مجمل من جهة المقدار يحتاج إلى بيان من غيره في إثباته، فلا يصح من أجل ذلك اعتبار عمومه في إيجاب القطع في كل مقدار. والدليل على إجماله وامتناع اعتبار عمومه ما حدثنا عبدالباقي قال: حدثنا معاذ بن المثنى قال: حدثنا عبدالرحمن بن المبارك قال: حدثنا وهيب عن أبي واقد قال: حدثني عامر بن سعد عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلاّ في ثَمَنِ المِجَنِّ". وروى ابن لهيعة عن أبي النصر عن عمرة عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تُقْطَعُ يَدُ السّارِقِ إلاّ فيما بَلَغَ ثَمَنِ المِجَنِّ فما فَوْقَهُ". ورَوَى سفيان عن منصور عن مجاهد عن عطاء عن أيمن الحبشي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أدْنَى ما يُقْطَعُ فيه السَّارِقُ ثَمَنُ المِجَنِّ". فثبت بهذه الأخبار أن حكم الآية في إيجاب القطع موقوفٌ على ثمن المجنّ، فصار ذلك كوروده مع الآية مضموماً إليها، وكان تقديرها: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما إذا بلغت السرقة ثمن المجنّ؛ وهذا لفظ مفتقر إلى البيان غير مُكْتَفٍ بنفسه في إثبات الحكم، وما كان هذا سبيله لم يصح الاحتجاج بعمومه. ووجه آخر يدلّ على إجمالها في هذا الوجه، وهو ما رُوي عن السلف في تقويم المِجَنِّ؛ فرُوي عن عبدالله بن عباس وعبدالله بن عمرو وأيمن الحبشي وأبي جعفر وعطاء وإبراهيم في آخرين: "أن قيمته كانت عشرة دراهم". وقال ابن عمر: "قيمته ثلاثة دراهم". وقال أنس وعروة والزهري وسليمان بن يسار: "قيمته خمسة دراهم". وقالت عائشة: "ثمن المجنّ ربع دينار". ومعلوم أنه لم يكن ذلك تقويماً منهم لسائر المجانّ لأنها تختلف كاختلاف الثياب وسائر العروض، فلا محالة أن ذلك كان تقويماً للمِجَنَّ الذي قَطَعَ فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. ومعلوم أيضاً أنهم لم يحتاجوا إلى تقويمه من حيث قَطَعَ فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، إذ ليس في قَطْعِ النبي صلى الله عليه وسلم في شيء بعينه دلالة على نفي القَطْعِ عما دونه، كما أن قَطْعَهُ السّارِقَ في المجنّ غير دالٍّ على أن حكم القطع مقصور عليه دون غيره، إذ كان ما فعله بعض ما تناوله لفظ العموم على حسب حدوث الحادثة؛ فإذاً لا محالة قد كان من النبي صلى الله عليه وسلم توقيفٌ لهم حين قَطَعَ السارقَ على نَفْي القطع فيما دونه، فدلّ ذلك على إجمال حكم الآية في المقدار كدلالة الأخبار التي قدّمناها لفظاً من نَفْيِ القطع عما دون قيمة المجنّ، فلم يَجُزْ من أجل ذلك اعتبار عموم الآية في إثبات المقدار ووجب طلب معرفة قيمة المجنّ الذي قطع فيه النبي صلى الله عليه وسلم. وليس إجمالُها في المقدار بموجب إجمالها في سائر الوجوه من الحِرْزِ وجنس المقطوع فيه وغير ذلك، بل جائز أن يكون عموماً في هذه الوجوه مجملاً في حكم المقدار فحسب، كما أن قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} [التوبة: 103] عموم في جهة الأموال الموجَبِ فيها الصدقة مُجْملٌ في المقدار الواجب منها. وكان شيخنا أبو الحسن يذهب إلى أن الآية مجملة من حيث عُلّق فيها الحكم بمعانٍ لا يقتضيها اللفظ من طريق اللغة، وهو الحرز والمقدار؛ والمعاني المعتبرة في إيجاب القَطْعِ متى عُدِمَ منها شيء لم يجب القطع مع وجود الاسم؛ لأن اسم السرقة موضوع في اللغة لأخذ الشيء على وجه الاستخفاء، ومنه قيل "سارق اللسان" و "سارق الصلاة" تشبيهاً بأخذ الشيء على وجه الاستخفاء، والأصل فيه ما ذكرنا. وهذه المعاني التي ذكرنا اعتبارها في إيجاب القطع لم يكن الاسم موضوعاً لها في اللغة، وإنما ثبت ذلك من جهة الشرع، فصارت السرقة في الشرع اسماً شرعيّاً لا يصحّ الاحتجاج بعمومه إلا فيما قامت دلالته. واختُلفَ في مقدار ما يُقطع فيه السارق فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزُفَر ومحمد والثوري: "لا قطع إلاّ في عشرة دراهم فصاعداً أو قيمتها من غيرها". ورُوي عن أبي يوسف ومحمد: "أنه لا قطع حتى تكون قيمة السرقة عشرة دراهم مضروبة". ورَوَى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: "أنه إذا سرق ما يساوي عشرة دراهم مما يجوز بين الناس قُطع". وقال مالك والأوزاعي والليث والشافعي: "لا قَطْعَ إلا في ربع دينار فصاعداً"، قال الشافعي: "فلو غَلَتِ الدراهم حتى يكون الدرهمان بدينار قُطِعَ في ربع دينار، وإن كان ذلك نصف درهم، وإن رخصت الدنانير حتى يكون الدينار بمائة درهم قُطع في ربع دينار، وذلك خمسة وعشرون درهماً". ورُوي عن الحسن البصري أنه قال: "يقطع في درهم واحد"، وهو قول شاذٌّ قد اتفق الفقهاء على خلافه. وقال أنس بن مالك وعروة والزهري وسليمان بن يسار: "لا يُقطع إلا في خمسة دراهم"، ورُوي نحوه عن عمر وعليّ أنهما قالا: "لا يُقطع إلا في خمسة". وقال ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأيمن الحبشي وأَبو جعفر وعطاء وإبراهيم: "لا قَطْعَ إلا في عشرة دراهم"؛ قال ابن عمر: "يُقْطع في ثلاثة دراهم". ورُوي عن عائشة القَطْعُ في ربع دينار. ورُوي عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: "لا تُقطَعُ اليَدُ إلا في أربعة دراهم". والأصل في ذلك أنه لما ثبت باتّفاق الفقهاء من السلف ومن بَعْدَهم أن القطع لا يجب إلا في مقدار متى قصر عنه لم يجب، وكان طريقُ إثبات هذا الضَّرْبِ من المقادير التوقيفَ أو الانفاقَ، ولم يثبت التوقيفُ فيما دون العشرة وثبت الاتفاقُ في العشرة، أثبتناها ولم نثبتْ ما دونها لعدم التوقيف والاتفاق فيه؛ ولا يصح الاحتجاج بعموم قوله: {وَالسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما} لما بَيّنّا أنه مجملٌ بما اقترن إليه من توقيف الرسول عليه السلام على اعتبار ثمن المجنّ، ومن اتفاق السلف على ذلك أيضاً، فسقط الاحتجاج بعمومه ووجب الوقوف عند الاتفاق في القطع في العشرة ونَفْيُه عما دونها لِمَا وَصَفْنا. وقد رُويت أخبارٌ توجب اعتبارَ العشرة في إيجاب القطع، منها ما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال: حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي قال: حدثنا نصر بن ثابت عن الحجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا قَطْعَ فيما دُونَ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ". وقد سمعنا أيضاً في سنن ابن قانع حديثاً رواه بإسنادٍ له عن زُحَرِ بن ربيعة عن عبدالله بن مسعود، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تُقْطَعُ اليَدُ إلاّ في دِينَارٍ أو عَشْرَةِ دَرَاهِمَ". وقال عمرو بن شعيب: قلت لسعيد بن المسيب: إن عروة الزهري وسليمان بن يسار يقولون لا تُقطع اليد إلا في خمسة دراهم! فقال: أما هذا فقد مضت السنَّة فيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم؛ قال ابن عباس وأيمن الحبشي وعبدالله بن عمر، وقالوا: "كان ثمن المجنّ عشرة دراهم". فإن احتجّوا بما رُوي عن ابن عمر وأنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قَطَعَ في مِجَنٍّ قيمته ثلاثة دراهم، وبما رُوي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تُقْطَعُ يَدُ السّارِقِ في رُبْعِ دِينَارٍ". قيل له: أما حديث ابن عمر وأنس فلا دلالة فيه على موضع الخلاف، لأنهما قَوَّماه ثلاثة دراهم وقد قَوَّمه غيرهما عشرة، فكان تقديم الزائد أوْلى. وأما حديث عائشة فقد اختُلف في رَفْعه، وقد قيل إن الصحيح منه أنه موقوف عليها غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الأثبات من الرواة رووه موقوفاً، ورَوَى يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إلاّ في ثَمَنِ المِجَنِّ ثُلُثِ دِينَارٍ أوْ نِصْفِ دِينَارٍ فَصَاعِداً"، وَرَوَى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: "أن يد السارق لم تكن تُقطع في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أدنى من ثمن المجنّ، وكان المجن يومئذ له ثمنٌ ولم تكن تُقطع في الشيء التافه"؛ فهذا يدل على أن الذي كان عند عائشة من ذلك القطع في ثمن المجنّ وأنه لم يكن عندها عن النبي صلى الله عليه وسلم غير ذلك، إذ لو كان عندها عن رسول الله في ذلك شيء معلوم المقدار من الذهب أو الفضة لم تكن بها حاجة إلى ذكر ثمن المجنّ، إذْ كان ذلك مُدْرَكاً من جهة الاجتهاد ولا حَظَّ للاجتهاد مع النصّ. وهذا يدل أيضاً على أن ما رُوي عنها مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم إنْ ثبت فإنما هو تقدير منها لثمن المجنّ اجتهاداً؛ وقد روى حماد بن زيد عن أيوب عن عبدالرحمن بن القاسم عن عمرة عن عائشة قالت: "تُقْطَعُ يَدُ السارق في ربع دينار فصاعداً"، قال أيوب: وحدث به يحيى عن عمرة عن عائشة ورفعه، فقال له عبدالرحمن بن القاسم: إنها كانت لا ترفعه، فترك يحيى رَفْعَهُ. فهذا يدلّ على أن من رواه مرفوعاً فإنما سمعه من يحيى قبل تَرْكِهِ الرفْعَ. مطلب: خبر الحظر أوْلى من خبر الإباحة ثم لو ثبت هذا الحديث لعارضه ما قدّمّناه من الرواية عن النبي صلى الله عليه و سلم من وجوه مختلفة في نفي القطع عن سارق ما دون العشرة، وكان يكون حينئذ خبرنا أوْلى لما فيه من حظر القطع عما دونها وخبرهم مبيحٌ له، وخبر الحظر أوْلى من خبر الإباحة. وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ يَسْرُقُ الحَبْلَ فَيُقْطَعُ فيه، ويَسْرُقُ البَيْضَةَ فَيُقْطَعُ فيها"، فربما ظنّ بعضُ من لا رويّة له أنه يدل على أن ما دون العشرة يُقطع فيه لذِكْرِ البيضة والحبل وهما في العادة أقلّ قيمة من عشرة دراهم، وليس ذلك على ما يظنه؛ لأن المرادَ بيضةُ الحديد، وقد رُوي عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في بيضة من حديد قيمتها أحد وعشرون درهماً؛ ولأنه لا خلاف بين الفقهاء أن سارق بيضة الدجاج لا قَطْعَ عليه، وأما الحبل فقد يكون مما يساوي العشرة والعشرين وأكثر من ذلك. فصل مطلب: في معنى قوله عليه السلام: "لا قطع على خائن" وأما اعتبارُ الحِرْزِ فالأصل فيه ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا قَطْعَ على خَائِنٍ" رواه ابن عباس وجابر. وهو يشتمل على نفي القطع في جميع ما ائْتُمن الإنسان فيه، فمنها أن الرجل إذا ائْتَمَنَ غيرَهُ على دخول بيته ولم يُحْرِزْ منه ماله لم يجب عليه القطع إذا خانه لعموم لفظ الخبر، ويصير حينئذ بمنزلة المودع والمضارب؛ وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا قَطْعَ على خائن" وجوبَ القطع على جاحد الوديعة والمضاربة وسائر الأمانات؛ ويدل أيضاً على نفي القطع عن المستعير إذا جحد العارية. مطلب: في تأويل ما ورد عنه عليه السلام من أنه قطع يد المرأة التي كانت تستعير المتاع وتجحده وما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قطع المرأة التي كانت تستعير المتاع وتجحده فلا دلالة فيه على وجوب القطع على المستعير إذا خان، إذْ ليس فيه أنه قَطَعَها لأجل جحودها للعارية، وإنما ذكر جحود العارية تعريفاً لها إذ كان ذلك معتاداً منها حتى عرفت به، فذكر ذلك على وجه التعريف. وهذا مثل ما رُوِيَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للرجلين أحدهما يحجم الآخر في رمضان: "أَفْطَرَ الحَاجِمُ والمَحْجُومُ" فذكر الحِجَامة تعريفاً لهما والإفطارُ واقع بغيرها. وقد رُوي في أخبار صحيحة أن قريشاً أهَمَّهُمْ شأنُ المرأة المخزومية التي سرقت، وهي هذه المرأة التي ذكر في الخبر أنها كانت تستعير المتاع وتجحده؛ فبيَّن في هذه الأخبار أنه قطعها لسرقتها. ويدل على اعتبار الحرز أيضاً حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه سئل عن حَرِيسَةِ الجبل فقال: "فيها غَرَامَةُ مِثْلِها وجَلْدَات نَكَال، فإذا أواها المراح وبلغ ثمن المجنّ ففيه القطع"، وقال: "ليس في الثمر المعلق قَطْعٌ حتى يأويه الجَرِينُ، فإذا أواه الجرين ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجنّ". ودلالة هذا الخبر على وجوب اعتبار الحرز أظْهَرُ من دلالة الخبر الأول، وإن كان كل واحد منهما مكتفياً بنفسه في وجوب اعتباره. ولا خلاف بين فقهاء الأمصار في أن الحِرْزَ شرطٌ في القطع، وأصله من السنّة ما وصفنا. والحِرْزُ عِند أصحابنا ما بُني للسكنى وحفظ الأموال من الأمتعة وما في معناها، وكذلك الفساطيط والمضارب والخِيَمُ التي يسكن الناس فيها ويحفظون أمتعتهم بها، كل ذلك حِرْزٌ وإن لم يكن فيه حافظ ولا عنده، وسواء سرق من ذلك وهو مفتوح الباب أم لا باب له، إلا أنه محجر بالبناء، وما كان في غير بناء و لا خيمة ولا فسطاط ولا مضرب فإنه لا يكون حرزاً إلا أن يكون عنده من يحفظه وهو قريب منه بحيث يكون حافظاً له، وسواء كان الحافظ نائماً في ذلك الموضع أو مستيقظاً. والأصلُ في كون الحافظ حرزاً له وإن كان في مسجد أو صحراء حديثُ صفوان بن أمية حين كان نائماً في المسجد ورداؤه تحت رأسه، فسرقه سارق، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطعه؛ ولا خلاف أن المسجد ليس بحرز، فثبت أنه كان مُحْرَزاً لكون صفوان عنده؛ ولذلك قال أصحابنا: "لا فرق بين أن يكون الحافظُ له نائماً أو مستيقظاً" لأن صفوان كان نائماً، وليس المسجد عندهم في ذلك كالحمّام، فمن سرق من الحمام لم يُقطع، وكذلك الخانُ والحوانيت المأذون في دخولها وإن كان هناك حافظ، مِنْ قِبَلِ أن الإذْنَ موجود في الدخول من جهة مالك الحمّام والدار فخرج الشيء من أن يكون مُحْرَزاً من المأذون له في الدخول، ألا ترى أن من أذن لرجل في دخول داره أن الدار لم تخرج من أن تكون حرزاً في نفسها ولا يقطع مع ذلك المأذون له في الدخول؟ لأنه حين أذن له في الدخول فقه ائتمنه ولم يحرز ماله عنه، كذلك كل موضع يُستباح دخوله بإذن المالك فهو غيرُ حِرْزٍ من المأذون له في الدخول. وأما المسجد فلم يتعلق إباحة دخوله بإذن آدمي فصار كالمفازة والصحراء، فإذا سَرَقَ منه وهناك حافظ له قُطِعَ. وحُكي عن مالك أن السارق من الحمّام يُقطع إن كان هناك حافظ له. قال أبو بكر: لو وجب قَطْعُه لوجب قَطْعُ السارق من الحانوت المأذون له في الدخول إليه، لأن صاحب الحانوت حافظ له؛ ومعلوم أن إذنه له في دخوله قد أخرجه من أن يكون ماله فيه محرزاً منه، فكان بمنزلة المؤتمن؛ ولا فرق بين الحمام والحانوت المأذون في دخوله. فإن قال قائل: يُقطع السارق من الحانوت والخان المأذون له. قيل له: هو كالخائن للودائع والعواري والمضاربات وغيرها، إذْ لا فرق بين ما ذكرنا وبينها، وقد ائتمنه صاحبه بأن لم يحرزه كما ائتمنه في إيداعه؛ وقال عثمان البتي: "إذا سرق من الحمام قطع". واختُلف في قطع النبّاش، فقال أبو حنيفة والثوري ومحمد والأوزاعي: "لا قطع على النّباش"، وهو قول ابن عباس ومكحول. وقال الزهري: "اجتمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن كان مروان أميراً على المدينة أن النّبّاش لا يُقطع وَيُعَزَّرُ، وكان الصحابة متوافرين يومئذ". وقال أبو يوسف وابن أبي ليلى وأبو الزناد وربيعة: "يُقْطَعُ"، ورُوي مثله عن ابن الزبير وعمر بن عبدالعزيز والشعبي والزهري ومسروق والحسن والنخعي وعطاء، وهو قول الشافعي. والدليل على صحة القول الأوّل أن القبر ليس بحِرْزٍ، والدليل عليه اتفاق الجميع على أنه لو كان هناك دراهم مدفونة فسرقها لم يُقطع لعدم الحرز، والكفن كذلك. فإن قيل: إن الأحْرَازَ مختلفةٌ، فمنها شريجة البقال حرز لما في الحانوت، والإصطبل حرز للدواب، والدور للأموال، ويكون الرجل حرزاً لما هو حافظٌ له، وكل شيء من ذلك حرز لما يحفظ به ذلك الشيء في العادة ولا يكون حرزاً لغيره، فلو سرق دراهم من إصطبل لم يُقطع، ولو سرق منه دابة قُطع؛ كذلك القبر هو حرز للكفن وإن لم يكن حِرْزاً للدراهم. قيل له: هذا كلام فاسد من وجهين، أحدهما: أن الأحراز على اختلافها في أنفسها ليست مختلفة في كونها حرزاً لجميع ما يُجعل فيها، لأن الإصطبل لما كان حرزاً للدواب فهو حرزٌ للدراهم والثياب ويقطع فيما يسرقه منه، وكذلك حانوت البقال هو حرز لجميع ما فيه من ثياب ودراهم وغيرها؛ فقول القائل "الإصطبل حرز للدواب ولا يُقطع من سرق منه دراهم" غلطٌ. والوجه الآخر: أن قضيتك هذه لو كانت صحيحة لكانت مانعةً من إيجاب قَطْعِ النّباش؛ لأن القبر لم يُحْفَرْ ليكون حرزاً للكفن فيُحفظ به، وإنما يحفر لدفن الميت وسَتْرِهِ عن عيون الناس؛ وأما الكَفَنُ فإنما هو للبلَى والهلاك. ودليل آخر، وهو أن الكفنَ لا مالك له، والدليل عليه أنه من جميع المال، فدلَّ على أنه ليس في ملك أحد ولا موقوف على أحد؛ فلما صح أنه من جميع المال وجب أن لا يملكه الوارث كما لا يملكون ما صرف في الدين الذي هو من جميع المال. ويدل عليه أيضاً أن الكفن يُبْدأ به على الديون، فإذا لم يملك الوارث ما يقضي به الديون فهو أن لا يملك الكفن أوْلى، وإذا لم يملكه الوارث واستحال أن يكون الميت مالكاً وجب أن لا يقطع سارقه كما لا يقطع سارق بيت المال وأخذ الأشياء المباحة التي لا مالك لها. فإن قال قائل: جواز خصومة الوارث في المطالبة بالكفن دليل على أنه ملكه. قيل له: الإمام يطالب بما يسرق من بيت المال ولا يملكه. ووجه آخر، وهو أن الكفن يجعل هناك للبِلَى والتلف لا للفِنْيَةِ والتبقية، فصار بمنزلة الخبز واللحم والماء الذي هو للإتلاف لا للتبقية. فإن قال قائل: القبر حِرْزٌ للكفن، لما رَوَى عبادة بن الصامت عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كَيْفَ أَنْتَ إِذا أَصَابَ النّاسَ مَوْتٌ يَكُونُ البَيْتُ فِيهِ بالوَصِيفِ؟" يعني القبر. قلت: الله ورسوله أعلم! قال: "علَيْكَ بالصَّبْرِ!" فسمى القبر بيتاً. وقال حماد بن أبي سليمان: "يقطع النباش لأنه دخل على الميت بيته". وروى مالك عن أبي الرحال عن أمه عمرة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المختفي والمختفية". وروت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مَنِ اخْتَفَى مَيْتاً فكأنما قَتَلَهُ" وقال أهل اللغة المختفي النباشُ. قيل له: إنما سماه بيتاً على وجه المجاز، لأن البيت موضوع في لغة العرب لما كان مبنيّاً ظاهراً على وجه الأرض، وإنما سُمّي القبر بيتاً تشبيهاً بالبيت المبني، ومع ذلك فإن قطع السارق ليس معلقاً بكونه سارقاً من بيت إلا أن يكون ذلك البيت مبنيّاً ليُحْرَزَ به ما يُجعل فيه، وقد بينا أن القبر ليس بحرز؛ ألا ترى أن المسجد يسمَّى بيتاً، قال الله تعالى: {في بيوت أذن الله أن يرفع ويذكر فيها اسمه} [النور: 36] ولو سرق من المسجد لم يقطع إذا لم يكن له حافظ؟ وأيضاً فلا خلاف أنه لو كان في القبر دراهم مدفونة فسرقها لم يُقطع وإن كان بيتاً، فعلمنا أن قطع السرقة غير متعلق بكونه بيتاً. وأما ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لعن الله المختفي"وما رُوي أنه قال: "من اختفى ميتاً فكأنما قتله" فإن هذا إنما هو لعنٌ له، واستحقاق اللعن ليس بدليل على وجوب القطع؛ لأن الغاصب والكاذب والظالم كل هؤلاء يستحقون اللعن ولا يجب قطعهم؛ وقوله: "من اختفى ميتاً فكأنما قتله" فإنه لم يوجب به قطعاً وإنما جعله كالقاتل؛ وإن كان معناه محمولاً على حقيقة لفظه فواجب أن نقتله، وهذا لا خلاف فيه، ولا تعلق لذلك بالقطع. باب من أين يقطع السارق قال الله تعالى: {وَالسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} واسم اليد يقع على هذا العضو إلى المَنْكبِ، والدليل عليه أن عماراً تيمم إلى المنكب بقوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة: 6] ولم يخطىء من طريق اللغة؛ وإنما لم يثبت ذلك لورود السنّة بخلافه. ويقع على اليد إلى مفصل الكفّ أيضاً، قال الله تعالى: {إذا أخرج يده لم يكد يراها} [النور: 40] وقد عُقل به ما دون المرفق. وقال تعالى لموسى: {وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء} [النمل: 12] ويمتنع أن يُدخل يده {إلى المرافق} [المائدة: 6] فلو لم يقع الاسم على ما دون المرفق لما ذكرها إلى المرافق؛ وفي ذلك دليل على وقوع الاسم إلى الكوع، فلما كان الاسم يتناول هذا العضو إلى المفصل وإلى المرفق وإلى المنكب اقتضى عموم اللفظ القطع من المنكب إلا أن تقوم الدلالة على أن المراد ما دونه. وجائز أن يقال إن الاسم لما تناولها إلى الكوع ولم يَجُزْ أن يقال إن ذلك بعض اليد بل يطلق عليه اسم اليد من غير تقييد وإن كان قد يطلق أيضاً على ما فوقه إلى المرفق تارة وإلى المنكب أخرى ثم قال تعالى: {فَاقْطَعُوا أيْدِيَهُمَا} وكانت اليد محظورة في الأصل فمتى قطعناها من المفصل فقد قضينا عهدة الآية، لم يَجُزْ لنا قَطْعُ ما فوقه إلاّ بدلالة، كما لو قال: "أعط هذا رجالاً" فأعطاه ثلاثة منهم فقد فعل المأمور به، إذ كان الاسم يتناولهم، وإن كان اسم الرجال يتناول ما فوقهم. فإن قال قائل: يلزمكم في التيمم مثله بقوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة: 6]، وقد قلتم فيه إن الاسم لما تناول العضو إلى المرفق اقتضاه العموم ولم ينزل عنه إلا بدليل. قيل له: هما مختلفان مِنْ قِبَلِ أن اليد لما كانت محظورة في الأصل ثم كان الاسم يقع على العضو إلى المفصل وإلى المرفق لم يَجُزْ لنا قطع الزيادة بالشكّ، ولما كان الأصل الحدث واحتاج إلى استباحة الصلاة لم يُزل أيضاً إلاّ بيقين وهو التيمم إلى المرفق. ولا خلاف بين السلف من الصدر الأول وفقهاء الأمصار أن القَطْعَ من المَفْصِلِ، وإنما خالف فيه الخوارج وقطعوا من المَنْكِبِ لوقوع الاسم عليه؛ وهم شذوذ لا يعدّون خلافاً. وقد رَوَى محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع يد سارق من الكُوع". وعن عمر وعليّ أنهما قطعا اليد من المفصل. ويدل على أن ما دون الرسغ لا يقع عليه اسم اليد على الإطلاق قولُه تعالى: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة: 6] ولم يقل أحد إنه يقتصر بالتيمم على ما دون المفصل، وإنما اختلفوا فيما فوقه. واختلفوا في قَطْعِ الرِّجْل من أي موضع هو، فرُوي عن عليّ أنه قطع سارقاً من خصر القدم. وروى صالح السمان قال: رأيت الذي قطعه عليّ رضي الله عنه مقطوعاً من أطراف الأصابع، فقيل له: من قطعك؟ فقال: خير الناس. قال أبو رزين: سمعت ابن عباس يقول: "أيعجز من رأى هؤلاء أن يقطع كما قطع هذا الأعرابي؟ ـ يعني نحوه ـ فلقد قطع فما أخطأ، يقطع الرجل ويَذَرُ عقبها". ورُوي مثله عن عطاء وأبي جعفر من قولهما. وعن عمر رضي الله عنه في آخرين: "يُقطع الرجل من المفصل" وهو قول فقهاء الأمصار. والنظر يدل على هذا القول لاتّفاقهم على قطع اليد من المفصل الظاهر وهو الذي يلي الزند، وكذلك الواجب قطع الرجل من المفصل الظاهر الذي يلي الكعب الناتىء. وأيضاً لما اتفقوا على أنه لا يترك له من اليد ما ينتفع به للبطش ولم يقطع من أصول الأصابع حتى يبقى له الكفّ، كذلك ينبغي أن لا يترك له من الرجل العقب فيمشي عليه؛ لأن الله تعالى إنما أوجب قطع اليد ليمنعه الأخْذَ والبطش بها، وأمر بقطع الرجل ليمنعه المَشْيَ بها، فغير جائز ترك العقب للمشي عليه. ومن قطع من المفصل الذي هو على ظهر القدم فإنه ذهب في ذلك أن هذا المفصل من الرجل بمنزلة مفصل الزند من اليد، لأنه ليس بين مفصل ظهر القدم وبين مفصل أصابع الرجل مفصل غيره، كما أنه ليس بين مفصل الزند ومفصل أصابع اليد مفصل غيره، فلما وجب في اليد قطع أقرب المفاصل إلى مفصل الأصابع كذلك وجب أن يقطع في الرجل من أقرب المفاصل إلى مفصل الأصابع. والقول الأول أظهر؛ لأن مفصل ظهر القدم غير ظاهر كظهور مفصل الكعب من الرجل ومفصل الزند من اليد، فلما وجب قطع مفصل اليد الظاهر منه كذلك يجب أن يكون في الرجل، ولما استُوعبت اليدُ بالقطع وجب استيعاب الرجل أيضاً؛ والرجل كلها إلى مفصل الكعب بمنزلة الكف إلى مفصل الزند. وأما القطع من أصول أصابع الرجل فإنه لم يثبت عن علي من جهة صحيحة، وهو قول شاذّ خارج عن الاتفاق والنظر جميعاً. واختُلف في قطع اليد اليسرى والرجل اليمنى، فقال أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب، حين رجع إلى قول علي لما استشاره، وابنُ عباس: "إذا سرق قُطعت يده اليمنى، فإن سرق بعد ذلك قطعت رجله اليسرى، فإن سرق لم يقطع وحُبس"، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر ومحمد. ورُوي عن عمر: "أنه تقطع يده اليسرى بعد الرجل اليمنى، فإن سرق قُطعت رجله اليمنى، فإن سرق حُبس حتى يُحْدِثَ توبة"، وعن أبي بكر مثل ذلك. إلا أن عمر قد رُوي عنه الرجوع إلى قول عليّ كرم الله وجهه. وقال مالك والشافعي: "تُقْطع اليد اليسرى بعد الرجل اليسرى والرجل اليمنى بعد ذلك، ولا يُقتل إن سرق بعد ذلك". ورُوي عن عثمان بن عفان وعبدالله بن عمر وعمر بن عبدالعزيز أنهم قتلوا سارقاً بعدما قُطعت أطرافه. ورَوَى سفيان عن عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه أن أبا بكر أراد أن يقطع الرجل بعد اليد والرِّجْل، فقال له عمر: السنّة اليد. وروى عبدالرحمن بن يزيد عن جابر عن مكحول أن عمر قال: "لا تقطعوا يده بعد اليد والرِّجْل ولكن احبسوه عن المسلمين". وقال الزهري: انتهى أبو بكر إلى اليد والرجل. وروى أبو خالد الأحمر عن حجّاج عن سِمَاكٍ عن بعض أصحابه: أن عمر استشارهم في السارق فأجمعوا على أنه تُقطع يده اليمنى فإن عاد فرجله اليسرى ثم لا يقطع أكثر من ذلك؛ وهذا يقتضي أن يكون ذلك إجماعاً لا يسع خلافه؛ لأن الذين يستشيرهم عمر هم الذين ينقعد بهم الإجماع. وقد رَوَى سفيان عن عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه: أن أبا بكر الصديق قطع اليد بعد قطع اليد والرجل، في قصة الأسود الذي نزل بأبي بكر ثم سرق حليّ أسماء؛ وهو مرسلٌ وأصله حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة: أن رجلاً خدم أبا بكر فبعثه مع مصدّق وأوصاه به، فلبث قريباً من شهر ثم جاءه وقد قطعه المصدق، فلما رآه أبو بكر قال له: ما لك؟ قال: وجدني خنت فريضة فقطع يدي، فقال أبو بكر: إني لأراه يخون أكثر من ثلاثين فريضة، والذي نفسي بيده لئن كنت صادقاً لأَقِيدَنَّكَ منه! ثم سرق حليّ أسماء بنت عميس فقطعه أبو بكر. فأخبرت عائشة أن أبا بكر قطعه بعد قَطْع المصدق يده، وذلك لا يكون إلا قطع الرجل اليسرى. وهو حديث صحيح لا يُعَارَضُ بحديث القاسم، ولو تعارضا لسقطا جميعاً، ولم يثبت بهذا الحديث عن أبي بكر شيء، ويبقى لنا الأخبار الأُخَرُ التي ذكرناها عن أبي بكر والاقتصار على الرجل اليسرى. فإن قيل: روى خالد الحذّاء عن محمد بن حاطب أن أبا بكر قطع يداً بعد يد ورجل. قيل له: لم يقل في السرقة، ويجوز أن يكون في قِصَاصٍ؛ وقد رُوي عن عمر بن الخطاب مثل ذلك، وتأويله ما ذكرناه. فحصل من اتفاق السلف وجوب الاقتصار على اليد والرجل، وما روي عنهم من مخالفة ذلك فإنما هو على وجهين: إما أن يكون الحكاية في قطع اليد بعد الرجل أو قطع الأربع من غير ذكر السرقة فلا دلالة فيه على القطع في السرقة، أو يكون مرجوعاً عنه كما رُوي عن عمر ثم رُوي عنه الرجوع عنه. وقد رُوي عن عثمان أنه ضرب عنق رجل بعدما قطع أربعته، وليس فيه دلالة على قول المخالف؛ لأنه لم يذكر أنه قطعه في السرقة، ويجوز أن يكون قطعه من قصاص. ويدل على صحة قول أصحابنا قوله تعالى: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} وقد بيّنا أن المراد أيمانهما، وكذلك هو في قراءة ابن مسعود وابن عباس والحسن وإبراهيم. وإذا كان الذي تتناوله الآية يداً واحدة لم تَجُزِ الزيادة عليها إلا من جهة التوقيف أو الاتفاق، وقد ثبت الاتّفاق في الرجل اليسرى واختلفوا بعد ذلك في اليد اليسرى، فلم يجز قطعها مع عدم الاتفاق والتوقيف، إذ غير جائز إثبات الحدود إلا من أحد هذين الوجهين. ودليل آخر، وهو اتفاق الأمة على قَطْعِ الرجل بعد اليد، وفي ذلك دليل على أن اليد اليسرى غير مقطوعة أصلاً؛ لأن العلة في العدول عن اليد اليسرى بعد اليمنى إلى الرجل في قطعها على هذا الوجه إبطالُ منفعة الجنس، وهذه العلة موجودة بعد قطع الرجل اليسرى. ومن جهة أخرى أنه إنما لم تُقطع رجله اليمنى بعد رجله اليسرى لما فيه من بطلان منفعة المشي رأساً، كذلك لا تقطع اليد اليسرى بعد اليمنى لما فيه من بطلان منفعة البطش، وهو منافع اليد كالمشي من منافع الرجل. ودليل آخر، وهو اتفاق الجميع على أن المحارب وإن عظم جُرْمُهُ في أَخْذِ المال لا يزاد على قطع اليد والرجل لئلا تبطل منفعة جنس الأطراف، كذلك السارق وإن كثر الفعل منه بأن عظم جرمه فلا يوجب الزيادة على قطع اليد والرجل. فإن قال قائل: قوله عز وجل: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} يقتضي قطع اليدين جميعاً، ولولا الاتفاق لما عدلنا عن اليد اليسرى في السرقة الثانية إلى الرجل اليسرى. قيل له: أما قولك إن الآية مقتضية لقطع اليد اليسرى، فليس كذلك عندنا؛ لأنها إنما اقتضت يداً واحدة لما ثبت من إضافتها إلى الاثنين بلفظ الجمع دون التثنية، وأن ما كان هذا وصفه فإنه يقتضي يداً واحدة من كل واحد منهما؛ ثم قد اتفقوا أن اليد اليمنى مرادة فصار كقوله تعالى: "فاقطعوا أيمانهما" فانتفى بذلك أن تكون اليسرى مرادة باللفظ، فيسقط الاحتجاج بالآية في إيجاب قطع اليسرى. وعلى أنه لو كان لفظ الآية محتملاً لما وَصَفْتَ لكان اتفاقُ الأمة على قطع الرجل بعد اليمنى دلالةً على أن اليسرى غير مرادة، إذ غير جائز ترك المنصوص والعدول عنه إلى غيره. واحتج موجبو قطع الأطراف بما رواه عبدالله بن رافع قال: أخبرني حماد بن أبي حميد عن محمد بن المنكدر عن جابر: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتي بسارق قد سرق فأمر به أن تقطع يده، ثم أُتي به مرة أخرى قد سرق فأمر به أن تُقطع رجله، ثم أُتي به مرة أخرى قد سرق فأمر به أن تقطع يده، ثم سرق فأمر به أن تقطع رجله، حتى قُطعت أطرافه كلها"، وحماد بن أبي حميد ممن يضعف. وهو مختصر، وأصله ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن عبدالله بن عبيد بن عقيل الهلالي: حدثنا جدّي عن مصعب بن ثابت بن عبدالله بن الزبير عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله قال: جِيء بسارق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "اقتلوه!" فقالوا: يا رسول الله إنما سرق! فقال: "اقطعوه!" قال: فقُطع، ثم جيء به الثانية، فقال: "اقتلوه!" فقالوا: يا رسول الله إنما سرق! قال: "اقطعوه!" قال: فقُطع، ثم جيء به الثالثة، فقال: "اقتلوه!" فقالوا: يا رسول الله إنما سرق! قال: "اقطعوه!" ثم أتي به الرابعة، فقال: "اقتلوه!" فقالوا: يا رسول الله إنما سرق! قال: "اقطعوه!" ثم أُتي به الخامسة، فقال: "اقتلوه!" قال جابر: فانطلقنا به فقتلناه. ورواه أبو معشر عن مصعب بن ثابت بإسناد مثله، وزاد: خرجنا به إلى مربد النعم، فحملنا عليه النَّعم، فأشار بيده ورجليه فنفرت الإبل عنه، فلقيناه بالحجارة حتى قتلناه. ورواه يزيد بن سنان حدثني هشام بن عروة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: "أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسارقٍ فقطع يده، ثم أُتي به قد سرق فقطع رجله، ثم أُتي به قد سرق فأمر بقتله"؛ ورواه حماد بن سلمة عن يوسف بن سعد عن الحارث بن حاطب: أن رجلاً سرق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقتلوه!" فقال القوم: إنما سرق! فقال: "اقطعوه!" فقطعوه، ثم سرق على عهد أبي بكر الصديق فقطعه، ثم سرق فقطعه، حتى قطعت قوائمه كلها، ثم سرق الخامسة فقال أبو بكر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعْلَمَ به حين أمر بقتله؛ فأمر به فقُتل. والذي ذكرناه من حديث مصعب بن ثابت هو أصل الحديث الّذي رواه حماد بن أبي حميد، وفيه الأمر بقتله بدياً، ومعلوم أن السرقة لا يستحقّ بها القتل، فثبت أن قطع هذه الأعضاء لم يكن على وجه الحدّ المستحق بالسرقة وإنما كان على جهة تغليظ العقوبة والمثلة، كما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة العُرَنيين أنه قطع أيديهم وأرجلهم وسملهم، وليس السمل حدّاً في قُطّاع الطريق، فلما نُسِخَت المُثَلَةُ نُسخ بها هذا الضرب من العقوبة، فوجب الاقتصار على اليد والرجل لا غير. ويدل على أن قطع الأربع كان على وجه المثلة لا على جهة الحدّ أن في حديث جابر أنهم حملوا عليه النَّعم ثم قتلوه بالحجارة، وذلك لا يكون حدّاً في السرقة بوجه. باب ما لا يقطع فيه قال أبو بكر: عموم قوله: {وَالسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما} يوجب قطع كل من تناول الاسم في سائر الأشياء، لأنه عموم في هذا الوجه وإن كان مجملاً في المقدار، إلا أنه قد قامت الدلالة من سُنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم وقول السلف واتفاق فقهاء الأمصار على أنه لم يرد به العموم، وأن كثيراً مما يُسمَّى آخذه سارقاً لا قَطْعَ فيه. واختلف الفقهاء في أشياء منه. ذكر الاختلاف في ذلك قال أبو حنيفة ومحمد: "لا قطع في كل ما يسرع إليه الفساد، نحو الرطب والعنب والفواكه الرطبة واللحم والطعام الذي لا يبقى ولا في الثمر المعلّق والحنطة في سنبلها، سواء كان لها حافظ أو لم يكن. ولا قَطْعَ في شيء من الخشب إلا السّاج والقنا. ولا قطع في الطين والنّورة والجصّ والزرنيخ ونحوه. ولا قطع في شيء من الطير. ويُقطع في الياقوت والزمرد. ولا قطع في شيء من الخمر ولا في شيء من آلات الملاهي". وقال أبو يوسف: "يُقطَعُ في كل شيء سُرِقَ من حِرْزٍ إلا في السِّرْقِينِ والتراب والطين". وقال مالك: "لا يقطع في الثمر المعلق ولا في حَرِيسَةِ الجبل، وإذا أواه الجَرِينُ ففيه القطع. وكذلك إذا سرق خشبة ملقاةً فبلغ ثمنها ما يجب فيه القطع، ففيه القطعُ". وقال الشافعي: "لا قطع في الثمر المعلق ولا في الجُمَّار لأنه غير محرز، فإن أُحْرِز ففيه القطع رطباً كان أو يابساً". وقال عثمان البتي: "إذا سرق الثمر على شجرة فهو سارق يُقطع". قال أبو بكر: روى مالك وسفيان الثوري وحمّاد بن سلمة عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان: أن مروان أراد قطع يد عبد وقد سرق وَدِيّاً، فقال رافع بن خديج: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ". وروى سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد عن محمد بن حبان عن عمه واسع بن حبان بهذه القصة، فأدخل ابن عيينة بين محمد بن حبان وبين رافع واسع بن حبان. ورواه الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن محمد بن حبان عن عمةٍ له بهذه القصة، وأدخل الليث بينهما عمةً له مجهولة. ورواه الدراوردي عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن أبي ميمونة عن رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، فجعل الدراوردي بين محمد بن يحيى ورافع أبا ميمونة. فإن كان واسع بن حبان كنيته أبو ميمونة فقد وافق ابن عيينة، وإن كان غيره فهو مجهول لا يُدْرَى من هو. إلا أن الفقهاء قد تلقّوا هذا الحديث بالقبول وعملوا به، فثبت حجته بقبولهم له، كقوله: "لا وَصِيَّةَ لوَارِثٍ" واختلاف المتبايعين لمّا تلقاه العلماء بالقبول ثبتت حجته ولزم العمل به. وقد تنازع أهل العلم معنى قوله: "لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ" فقال أبو حنيفة ومحمد: "هو على كل ثم يسرع إليه الفساد" وعمومه يقتضي ما يبقى منه وما لا يبقى، إلا أن الكلّ متفقون على وجوب القطع فيما قد استحكم ولا يسرع إليه الفساد، فخصّ ما كان بهذا الوصف من العموم وصار ذلك أصلاً في نفي القطع عن جميع ما يسرع إليه الفساد. وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا قَطْعَ في طَعَامٍ"، وذلك ينفي القطع عن جميع الطعام، إلا أنه خصّ ما لا يسرع إليه الفساد بدليل. وقال أبو يوسف ومن قدمنا قوله: إن نَفْيَه القطع عن الثمر والكثر لأجل عدم الحرز، فإذا أُحرز فهو وغيره سواء؛ وهذا تخصيص بغير دلالة. وقوله: "ولا كثر" أصلٌ في ذلك أيضاً؛ لأن الكَثَرَ قد قيل فيه وجهان: أحدهما الجُمَّارُ، والآخر النخل الصغار، وهو عليهما جميعاً، فإذا أراد به الجمّار فقد نفى القطع عنه لأنه مما يفسد وهو أصل في كل ما كان في معناه، وإن أراد به النخل فقد دل على نفي القطع في الخشب؛ فنستعملهما على فائدتيهما جميعاً. وكذلك قال أبو حنيفة: "لا قطع في خشب إلا الساج والقنا" وكذلك يجيء على قوله في الأبنوس؛ وذلك أن الساج والقنا والأبنوس لا يوجد في دار الإسلام إلا مالاً فهو كسائر الأموال. وإنما اعتبر ما يوجد في دار الإسلام مالاً مِنْ قِبَلِ أن الأملاك الصحيحة هي التي توجد في دار الإسلام، وما كان في دار الحرب فليس بمُلْكٍ صحيح، لأنها دار إباحة وأملاكُ أهلها مباحة، فلا يختلف فيها حكم ما كان منه مالاً مملوكاً وما كان منه مباحاً؛ فلذلك سقط اعتبار كونها مباحة في دار الحرب، فاعتبر حكم وجودها في دار الإسلام، فلما لم توجد في دار الإسلام إلا مالاً كانت كسائر أموال المسلمين التي ليست مباحة الأصل. فإن قال قائل: النخل غير مباح الأصل. قيل له: هو مباح الأصل في كثير من المواضع كسائر الجنس المباح الأصل، وإن كان بعضها مملوكاً بالأخذ والنقل من موضع إلى موضع؛ وقد رَوَى عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبدالله بن عمر قال: جاء رجل من مُزَيْنَةَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف ترى في حريسة الجبل؟ قال: "هي عَلَيْهِ ومِثْلُها والنّكَالُ، ولَيْسَ في شيءٍ مِنَ المَاشِيَةِ قَطْعٌ إِلاّ ما أَوَاهُ المَرَاحُ، فإذا أواه المراح فبلغ ثمن المِجَنّ ففيه قَطْعُ اليَدِ، وما لم يَبْلُغْ ثمن المِجَنّ ففيه غَرَامَةُ مِثْلِهِ وَجَلْدَاتُ النّكَالِ"، قال: يا رسول الله كيف ترى في الثمر المعلق؟ قال: "هي ومِثْلُهُ معه والنّكَالُ، وليس في شيء مِنَ الثّمَرِ المُعَلَّقِ قَطْعٌ إلا ما أواه الجَرِينُ، فما أخذه من الجَرِينِ فبَلَغَ ثمن المجنّ ففيه القطع، وما لم يبلغ ففيه غَرامةُ مِثْلِهِ وجَلْدَاتُ النّكَالِ". فنفى في حديث رافع بن خديج القطع عن الثمر رأساً، ونفى في حديث عبدالله بن عمر القطع عن الثمر إلاّ ما أواه الجرين. وقوله: "حتى يأويه الجَرِينُ" يحتمل معنيين: أحدهما الحرز، والآخر الإبانةُ عن حال استحكامه وامتناع إسراع الفساد إليه؛ لأنه لا يأويه الجرين إلا وهو مستحكم في الأغلب؛ وهو كقوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] ولم يُرِدْ به وقوع الحصاد، وإنما أراد به بلوغه وقت الحصاد؛ وقوله عليه السلام: "لا يَقْبَلُ اللهُ صَلاَةَ حَائِضٍ إلاّ بخِمَارٍ" ولم يُرِدْ به وجود الحَيْضِ، وإنما أخبر عن حكمها بعد البلوغ؛ وقوله: "إذا زَنَى الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ فارْجُمُوهُما البَتَّةَ". ولم يُرِدْ به السنَّ، وإنما أراد الإحصان؛ وقوله: "في خَمْسٍ وعِشْرِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ" أراد دخولها في السنة الثانية وإن لم يكن بأمها مخاضٌ، لأن الأغلب إذا صارت كذلك كان بأمها مخاض؛ وكذلك قوله: "حتى يأويه الجرين" يحتمل أن يريد به بلوغ حال الاستحكام، فلم يجز من أجل ذلك أن يخصّ حديث رافع بن خديج في قوله: "لا قطع في ثمر ولا كثر". وإنما لم يقطع في النّورة ونحوها لما روت عائشة قالت: لم يكن قَطْعُ السارق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشيء التافه، يعني الحقير. فكل ما كان تافهاً مباح الأصل فلا قطع فيه، والزرنيخُ والجصُّ والنورةُ ونحوها تافهٌ مباح الأصل؛ لأن أكثر الناس يتركونه في موضعه مع إمكان القدرة عليه. وأما الياقوت والجوهر فغير تافه وإن كان مباح الأصل، بل هو ثمين رفيعٌ ليس يكاد يترك في موضعه مع إمكان أخْذِهِ، فيُقطع فيه وإن كان مباح الأصل، كما يقطع في سائر الأموال؛ لأن شرط زوال القطع المعنيان جميعاً من كونه تافهاً في نفسه ومباح الأصل. وأيضاً فإن الجصّ والنورة ونحوها أموال لا يراد بها القنية بل الإتلاف، فهي كالخبز واللحم ونحو ذلك؛ والياقوت ونحوه مالٌ يراد به القنية والتبقية كالذهب والفضة. وأما الطير فإنما لم يُقطع فيه لما رُوي عن علي وعثمان أنهما قالا: "لا يُقْطع في الطير" من غير خلاف من أحد من الصحابة عليهما؛ وأيضاً فإنه مباح الأصل، فأشبه الحشيش والحطب. واخْتُلِفَ في السارق من بيت المال، فقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد والشافعي: "لا يُقطع من سرق من بيت المال"، وهو قول علي وإبراهيم النخعي والحسن. ورَوَى ابن وهب عن مالك أنه يقطع، وهو قول حماد بن أبي سليمان. ورَوَى سفيان عن سماك بن حرب عن ابن عبيد بن الأبرص أن عَلِيّاً أُتي برجل سرق مِغْفَراً من الخُمْسِ، فلم يَرَ عليه قطعاً وقال: له فيه نصيب. وروى وكيع عن المسعودي عن القاسم: أن رجلاً سرق من بيت المال، فكتب فيه سعد إلى عمر، فكتب إليه عمر: ليس عليه قطع له فيه نصيب. ولا نعلم عن أحد من الصحابة خلاف ذلك. وأيضاً لما كان حقُّه وحقُّ سائر المسلمين فيه سواءً فصار كسارق مال بينه وبين غيره فلا يقطع. واخْتُلف فيمن سرق خمراً من ذميّ أو مسلم، فقال أصحابنا ومالك والشافعي: "لا قطع عليه"، وهو قول الثوري. وقال الأوزاعي في ذمي سرق من مسلم خمراً أو خنزيراً: "غُرم الذمي ويُحدّ فيه المسلم". قال أبو بكر: الخمر ليست بمال لنا، وإنما أمر هؤلاء أن تترك مالاً لهم بالعهد والذمة، فلا يُقطع سارقها لأن ما كان مالاً من وجه وغير مال من وجه فإن أقلّ أحواله أن يكون ذلك شبهة في دَرْءِ الحدّ عن سارقه، كمن وَطِىءَ جارية بينه وبين غيره. وأيضاً فإن المسلم معاقبٌ على اقتناء الخمر وشربها مأمور بتخليلها أو صبّها، فمن أخذها فإنما أزال يده عما كان عليه إزالتها عنه لا يقطع. واختُلف فيمن أقَرَّ بالسرقة مرة واحدة، فقال أبو حنيفة وزفر ومالك والشافعي والثوري: "إذا أقرّ بالسرقة مرة واحدة قُطِعَ". وقال أبو يوسف وابن شبرمة وابن أبي ليلى: "لا يقطع حتى يقرّ مرتين". والدليل على صحة القول الأول ما روى عبدالعزيز بن محمد الدراوردي عن يزيد بن خصيفة عن محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة قال: أُتي بسارق إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله هذا سرق، فقال: "ما إخَالُهُ سَرَقَ". فقال السارق: بلى! قال: "فاذْهَبُوا به فاقْطَعُوهُ" فقُطِعَ. ورواه غير الدراوردي عن يزيد عن محمد بن عبدالرحمن عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر فيه أبا هريرة، منهم الثوري وابن جريج ومحمد بن إسحاق. قال أبو بكر: وعلى أيّ وجه حصلت الرواية من وَصْلٍ أو قَطْع فحكمها ثابت؛ لأن إرسال من أرسله لا يمنع صحةَ وَصْلِ من وَصَلَه. ومع ذلك لو حصل مرسلاً لكان حكمه ثابتاً، لأن المرسل والموصول سواء عندنا فيما يوجبان من الحكم، فقد قطع النبي صلى الله عليه وسلم بإقراره مرة واحدة. فإن قال قائل: إنما قطعه بشهادة الشهود لأنهم قالوا سرق. قيل له: لو كان كذلك لاقتصر عليها ولم يلقّنه الجحود، فلما قال بعد قولهم سرق: "وما إخاله سرق" ولم يقطعه حتى أقرّ، ثبت أنه قُطِعَ بإقراره دون الشهادة. فإن احتجوا بما روى حماد بن سلمة عن إسحاق عن عبدالله بن أبي طلحة عن أبي المنذر مولى أبي ذرّ عن أبي أمية المخزومي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتي بلصّ اعترف اعترافاً ولم يوجد معه المتاع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما إخَالُكَ سَرَقْتَ!" قال: بلى يا رسول الله! فأعادها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين أو ثلاثاً، قال: بلى! فأمر به فقُطع. ففي هذا الحديث أنه لم يقطعه بإقراره مرة واحدة، وهو أقوى إسناداً من الأول. قيل له: ليس في هذا الحديث بيان موضع الخلاف، وذلك أنه لم يذكر فيه إقرار السارق مرتين أو ثلاثاً، وإنما فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعاد القول مرتين أو ثلاثاً قبل أن يقرَّ ثم أقرّ. فإن قيل: فقد ذكر فيه أنه اعترف اعترافاً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما إخالك سرقت" وأعاده مرتين أو ثلاثاً. قيل له: يحتمل أنه يريد اعترف بعدما قال له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مرتين أو ثلاثاً، ويحتمل أيضاً أن يكون الاعتراف قد حصل منه عند غير النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يوجب ذلك القطع عليه. وأيضاً لو ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أعاد عليه ذلك بعد الإقرار الأول، لما دلّ على أن الإقرار الأول لم يوجب القطع، إذ ليس يمتنع أن يكون القَطْعُ قد وجب وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوصل إلى إسقاطه بتلقينه الرجوع عنه. فإن قيل: رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما يَنْبَغِي لوَالٍ آمِرٍ أنْ يُؤْتَى لحدٍّ إلاّ أقامَهُ" فلو كان القطع واجباً بإقراره بدياً لما اشتغل النبي صلى الله عليه وسلم بتلقينه الرجوع عن الإقرار ولسارع إلى إقامته. قيل له: ليس وجوب القطع مانعاً من استثبات الإمام إياه فيه ولا موجباً عليه قطعه في الحال، لأن ماعزاً قد أقرّ عند النبي صلى الله عليه وسلم بالزنا أربع مرات فلم يَرْجُمْه حتى استثبته وقال: "لعلّكَ لَمَسْتَ؟ لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ؟"وسأله أهله عن صحة عقله وقال لهم: "أَبِهِ جُنَّةٌ؟" ولم يدلّ ذلك على أن الرجم لم يكن قد وجب بإقراره أربع مرات. فليس إذاً في هذا الخبر ما يعترض به على خبر أبي هريرة ذكر فيه أنه أمر بقطعه حين أقرّ، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يُقْدِمُ على إقامة حدّ لم يجب بعد، وليس يمتنع أن يؤخر إقامة حد قد وجب مستثبتاً لذلك ومتحرياً بالاحتياط والثقة فيه. ويدلّ على صحة ما ذكرنا أيضاً حديثُ ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عبدالرحمن بن ثعلبة الأنصاري عن أبيه: "أن عمرو بن سمرة أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إني سرقت جملاً لنبي فلان، فأرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنا فَقَدْنا جملاً لنا، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقُطِعَتْ يده". ففي هذا الخبر أيضاً قَطْعُه بإقراره مرة واحدة. ومن جهة النظر أيضاً أن السرقة المُقَرَّ بها لا تخلو من أن تكون عيناً أو غير عَيْنٍ، فإن كانت عيناً ولم يجب القطع بإقرار الأول فقد وجب ضمانها لا محالة مِنْ قِبَلِ أن حق الآدمي فيه يثبت بإقراره مرة واحدة ولا يتوقف على الإقرار ثانياً، وإذا ثبت الملك للمقرّ له ولم يثبت القطع صار مضموناً عليه، وحصول الضمان ينفي القطع. وإن كانت السرقة ليست بعين قائمة، فقد صارت ديناً بالإقرار الأول، وحصولها ديناً في ذمته ينفي القطع على ما وصفنا. فإن قال قائل: إذا جاز أن يكون حكم أخذه بدياً على وجه السرقة موقوفاً في القطع على نفي الضمان وإثباته، فهلاّ جعلت حكم إقراره موقوفاً في تعلق الضمان به على وجوب القطع أو سقوطه! قيل له: نفس الأخْذِ عندنا على وجه السرقة يوجب القطع فلا يكون موقوفاً، وإنما سقوط القطع بعد ذلك يوجب الضمان، ألا ترى أنه إذا ثبتت السرقة بشهادة الشهود كان كذلك حكمها؟ فإن لم يكن الإقرار بدياً موجباً للقطع فينبغي أن يوجب الضمان، ووجوب الضمان ينفي القطع، إذ كان إقراره الثاني لا ينفي ما قد حصل عليه من الضمان النافي للقطع بإقراره الأول. فإن قيل: ينتقض هذا الاعتلالُ بالإقرار بالزنا؛ لأن إقراره الأول بالزنا إذا لم يوجب حدّاً فلا بدّ من إيجاب المهر به؛ لأن الوطء في غير ملك لا يخلو من إيجاب حدّ أو مهر، ومتى انتفى الحدّ وجب المهر؛ وإقراره الثاني والثالث والرابع لا يسقط المهر الواجب بدياً بالإقرار الأول، وهذا يؤدي إلى سقوط اعتبار عدد الإقرار في الزنا، فلما صح وجوب اعتبار عدد الإقرار في الزنا مع وجود العلة المانعة من اعتبار عدد الإقرار في السرقة بان به فساد اعْتِلاَلِكَ. قيل له: ليس هذا مما ذكرناه في شيء؛ وذلك أن سقوط الحد في الزنا على وجه الشُّبْهَةِ لا يجب به مهر، لأن البُضْعَ لا قيمة له إلا من جهة عقد أو شبهة عقد، ومتى عَرِيَ من ذلك لم يجب مهر. ويدل عليه اتفاقهم جميعاً على أنه لو أقرّ بالزنا مرة واحدة ثم مات أو قامت عليه بَيِّنَةُ بالزنا فمات قبل أن يحدّ لم يجب عليه المهر في ماله، ولو مات بعد إقراره بالسرقة مرة واحدة لكانت السرقة مضمونة عليه باتفاق منهم جميعاً؛ فقد حصل من قولهم جميعاً إيجاب الضمان بالإقرار مرة واحدة وسقوط المهر مع الإقرار بالزنا من غير حدّ. واحتج الآخرون بما روى الأعمش عن القاسم بن عبدالرحمن عن أبيه عن عليّ، أن رجلاً أقرّ عنده بسرقة مرتين فقال: "قد شَهِدْتَ على نفسك بشهادتين" فأمر به فقُطع وعلّقها في عنقه. ولا دلالة في هذا الحديث على أن مذهب عليّ رضي الله عنه أنه لا يُقْطع إلاّ بالإقرار مرتين، إنما قال: "شهدت على نفسك بشهادتين" ولم يقل: لو شهدتَ بشهادة واحدة لما قُطِعَتْ. وليس يه أيضاً أنه لم يقطعه حتى أقرّ مرتين. ومما يُحْتجُّ به لأبي يوسف من طريق النظر، أن هذا لما كان حدّاً يسقط بالشبهة وجب أن يعتبر عدد الإقرار فيه بالشهادة، فلما كان أقل من يقبل فيه شهادة شاهدين وجب أن يكون أقل ما يصحّ به إقراره مرتين، كالزنا اعتُبر عدد الإقرار فيه بعدد الشهود؛ وهذا يلزم أبا يوسف أن يعتبر عدد الإقرار في شُرْبِ الخمر بعدد الشهود؛ وقد سمعت أبا الحسن الكرخي يقول: إنه وجد عن أبي يوسف في شرب الخمر أنه لا يحدّ حى يقرّ مرتين كعدد الشهود، ولا يلزم عليه حد القذف؛ لأن المطالبة به حق لآدمي، وليس كذلك سائر الحدود. وهذا الضرب من القياس مدفوع عندنا، فإن المقادير لا تؤخذ من طريق المقاييس فيما كان هذا صِفَتُهُ، وإنما طريقها التوقيف والاتفاق. باب السرقة من ذوي الأرحام قال أبو بكر: قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} عموم في إيجاب قَطْعِ كلّ سارقٍ إلا ما خصه الدليل، على النحو الذي قدمنا، وعلى ما حكينا عن أبي الحسن، ليس بعموم وهو مجملٌ مُحتاج فيه إلى دلالة من غيره في إثبات حكمه. ومن جهة أخرى على أصله أن ما ثبت خصوصه بالاتّفاق لا يصح الاحتجاج بعمومه، وقد بيّناه في أصول الفقه؛ وهو مذهب محمد بن شجاع. إلا أنه وإن كان عموماً عندنا لو خُلّينا ومقتضاه، فقد قامت دلالة خصوصه في ذوي الرحم المحرم. وقد اختلف الفقهاء فيه. ذكر الاختلاف في ذلك قال أصحابنا: " لا يُقطع من سرق من ذي الرحم" وهو الذي لو كان أحدهما رجلاً والآخر امرأة لم يَجُزْ له أن يتزوجها من أجل الرحم الذي بينهما. ولا تقطع أيضاً عندهم المرأة إذا سرقت من زوجها، ولا الزوج إذا سرق من امرأته. وقال الثوري: "إذا سرق من ذي رحم منه لم يُقطع". وقال مالك: "يُقْطَع الزوج فيما سرق من امرأته والمرأة فيما تسرق من زوجها في غير الموضع الذي يسكنان فيه، وكذلك في الأقارب". وقال عبيدالله بن الحسن في الذي يسرق من أبويه: "إن كان يدخل عليهم لا يُقطع، وإن كانوا نَهَوْهُ عن الدخول عليهم فسَرَقَ قُطِع". وقال الشافعي: "لا قَطْعَ على من سرق من أبويه أو أجداده، ولا على زوج سرق من امرأته أو امرأة سرقت من زوجها". والدليل على صحة قول أصحابنا قولُ الله عز وجل: {ليس عليكم جناح أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت أبائكم} [النور: 61] إلى قوله: {أو ما ملكتم مفاتحه} [النور: 61] فأباح تعالى الأكْلَ من بيوت هؤلاء، وقد اقتضى ذلك إباحة الدخول إليها بغير إذنهم؛ فإذا جاز لهم دخولها لم يكن ما فيها مُحْرَزاً عنهم، ولا قَطْعَ إلا فيما سُرق من حِرْزٍ. وأيضاً إباحة أكل أموالهم يمنع وجوب القطع فيها، لما لها فيها من الحق كالشريك ونحوه. فإن قيل: فقد قال: {أو صديقكم} [النور: 61] ويُقطع فيه مع ذلك إذا سرق من صديقه. قيل له: ظاهر الآية ينفي القطع من الصديق أيضاً، وإنما خصصناه بدلالة الاتفاق ودلالة اللفظ قائمة فيما عداه، وعلى أنه لا يكون صديقاً إذا قصد السرقة. ودليل آخر، وهو أنه قد ثبت عندنا وجوب نفقة هؤلاء عند الحاجة إليه وجواز أخْذِها منه بغير بَدَل، فأشبه السارق من بيت المال، لثبوت حقه فيه بغير بدل يلزمه عند الحاجة إليه. فإن قيل: قد ثبت هذا الحقّ عند الضرورة في مال الأجنبي ولم يمنع من القطع بالسرقة منه. قيل له: يُعترضان من وجهين، أحدهما: أنه في مال الأجنبي يثبت عند الضرورة وخوف التلف وفي مال هؤلاء يثبت بالفقر وتعذر الكسب، والوجه الآخر: أن الأجنبي يأخذه ببَدَلٍ وهؤلاء يستحقونه بغير بدل كمالِ بيت المال. وأيضاً فلما استحقّ عليه إحياء نفسه وأعضائه عند الحاجة إليه بالإنفاق عليه، وكان هذا السارق محتاجاً إلى هذا المال في إحياء يده لسقوط القطع، صار في هذه الحالة كالفقير الذي يستحقّ على ذي الرحم المحرم منه الإنفاق عليه لإحياء نفسه أو بعض أعضائه. وأيضاً فهو مَقِيسٌ على الأب بالمعنى الذي قدمناه؛ والله تعالى أعلم. باب فيمن سرق ما قد قُطع فيه قال أصحابنا فيمن سرق ثوباً فقُطِعَ فيه ثم سرقه مرة أخرى وهو بعينه: "لم يُقْطَعْ فيه". والأصل فيه أنه لا يجوز عندنا إثبات الحدود بالقياس، وإنما طريقها التوقيف أو الاتّفاق، فلما عَدَمْنَاهُمَا فيما وَصَفْنَا لم يَبْقَ في إثباته إلا القياس، ولا يجوز ذلك عندنا. فإن قيل: هلاّ قطعته بعموم قوله: {السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} قبل السرقة! قيل له: السرقة الثانية لم يتناولها العموم لأنها توجب قطع الرجل لو وجب القطع، والذي في الآية قطع اليد. وأيضاً فإن وجوب قطع السرقة متعلق بالفعل والعَيْنِ جميعاً، والدليل عليه أنه متى سقط القطْعُ وجب ضمان العين، كما أن حدَّ الزنا لما تعلق بالوطء كان سقوط الحد موجباً ضمان الوطء، ولما تعلق وجوب القصاص بقتل النفس كان سقوط القود موجباً ضمان النفس؛ فكذلك وجوب ضمان العين في السرقة عند سقوط القطع يوجب اعتبار العين في ذلك. فلما كان فعل واحد في عينين لا يوجب إلا قطعاً واحداً، كان كذلك حكم الفعلين في عين واحدة ينبغي أن لا يوجب إلا قطعاً واحداً، إذ كان لكل واحد من العينين ـ أعني الفعل والعين ـ تأثير في إيجاب القطع. فإن قيل: فلو زنى بامرأة فحُدَّ ثم زنى بها مرة أخرى حُدَّ ثانياً مع وقوع الفعلين في عين واحدة. قيل له: لأنه لا تأثير لعين المرأة في تعلّقِ وجوب الحدّ بها، وإنما يتعلق وجوبُ حدّ الزنا بالوَطْءِ لا غير؛ والدليل على ذلك أنه متى سقط الحد ضمن الوطء ولم يضمن عين المرأة، وفي السرقة متى سقط القطعُ ضمن عين السرقة. وأيضاً فلما صارت السرقة في يده بعد القطع في حكم المباح التافه، بدلالة أن استهلاكها لا يوجب عليه ضمانها، وجب أن لا يقطع فيها بعد ذلك كما لا يقطع في سائر المباحات التافهة في الأصل وإن حصلت ملكاً للناس كالطين والخشب والحشيش والماء؛ ومن أجل ذلك قالوا: إنه لو كان غزلاً فنسجه ثوباً بعدما قطع فيه ثم سرقه مرة أخرى قُطِعَ، لأن حدوث هذا الفعل فيه يرفع حكم الإباحة المانعة كانت من وجوب القطع، كما لو سرق خشباً لم يقطع فيه، ولو كان باباً منجوراً فسرق قُطِعَ لخروجه بالصنعة عن الحال الأولى. وأيضاً لما كان وقوع القَطْع فيه يوجب البراءة من استهلاكه قام القطع فيه مقام دَفْعِ قيمته، فصار كأنه عِوَضُهُ منه، وأشبه من هذا الوجه وقوع الملك له في المسروق، لأن استحقاق البدل عليه يوجب له الملك، فلما أشبه ملكه من هذا الوجه سقط القطع لأنه يسقط بالشبهة أن يشبه المباح من وجه ويشبه الملك من وجه. باب السارق يوجد قبل إخراج السرقة قال أبو بكر رحمه الله: اتفق فقهاء الأمصار على أن القطع غير واجب إلا أن يفرق بين المتاع وبين حِرْزِهِ، والدارُ كلها حِرْزٌ واحد، فكما لم يخرجه من الدار لم يجب القطع؛ ورُوي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عمر، وهو قول إبراهيم. ورَوَى يحيى بن سعيد عن عبدالرحمن بن القاسم قال: بلغ عائشة أنهم كانوا يقولون: إذا لم يخرج بالمتاع لم يقطع، فقالت عائشة: " لو لم أجد إلا سكّيناً لقطعته". ورَوَى سعيدٌ عن قتادة عن الحسن قال: "إذا وجد في بيت فعليه القَطْعُ". قال أبو بكر: دخوله البيت لا يستحق به اسم السارق، فلا يجوز إيجاب القطع به، وأَخْذُهُ في الحرز أيضاً لا يوجب القطع، لأنه باقٍ في الحرز، ومتى لم يخرجه من الحِرْزِ فهو بمنزلة من لم يأخذه فلا يجب عليه القطع؛ ولو جاز إيجاب القطع في مثله لما كان لاعتبار الحرز معنى؛ والله أعلم. باب غرم السارق بعد القطع قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والثوري وابن شبرمة: "إذا قطع السارق فإن كانت السرقة قائمةً بعينها أخَذَهَا المسروق منه، وإن كانت مستهلكة فلا ضمان عليه"، وهو قول مكحول وعطاء والشعبي وابن شبرمة وأحد قولي إبراهيم النخعي. وقال مالك: "يضمنها إن كان موسراً ولا شيء عليه إن كان معسراً". وقال عثمان البتّي والليث والشافعي: "يعزم السرقة وإن كانت هالكة"، وهو قول الحسن والزهري وحماد وأحد قولي إبراهيم. قال أبو بكر: أما إذا كانت قائمة بعينها فلا خلاف أن صاحبها يأخذها؛ وقد رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم: "قَطَعَ سارق رداء صفوان وردَّ الرداءَ على صفوان". والذي يدلّ على نفي الضمان بعد القطع قوله تعالى: {فَاقْطَعُوا أيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ} والجزاءُ اسمٌ لما يستحقّ بالفعل؛ فإذا كان الله تعالى جعل جميع ما يستحق بالفعل هو القطع، لم يَجُزْ إيجابُ الضمان معه لما فيه من الزيادة في حكم المنصوص، ولا يجوز ذلك إلاّ بمثل ما يجوز به النسخ، وكذلك قوله تعالى: {إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ}، فأخبر أن جميع الجزاء هو المذكور في الآية، لأن قوله تعالى: {إنَّما جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ} ينفي أن يكون هناك جزاءٌ غيره. ومن جهة السنة حديث عبدالله بن صالح قال: حدثني المفضل بن فضالة عن يونس بن يزيد قال: سمعت سعد بن إبراهيم يحدث عن أخيه المسور بن إبراهيم عن عبدالرحمن بن عوف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا أَقَمْتُمْ عَلَى السَّارِقِ الحَدَّ فلا غُرْمَ عَلَيْهِ". وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن نصر بن صهيب قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شجاع الآدمي قال: حدثني خالد بن خِدَاشٍ قال: حدثني إسحاق بن الفرات قال: حدثنا المفضّل بن فضالة عن يونس عن الزهري عن سعد بن إبراهيم عن المسور بن إبراهيم عن عبدالرحمن بن عوف: أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بسارق، فأمر بقطعه وقال: "لا غُرْمَ عَلَيْهِ". وقال عبدالباقي: هذا هو الصحيح؛ وأخطأ فيه خالد بن خداش، فقال المسور بن مخرمة. ويدلّ عليه من جهة النظر امتناعُ وجوب الحدّ والمال بفعل واحد، كما لا يجتمع الحد والمهر والقَوَدُ والمال، فوجب أن يكون وجوب القطع نافياً لضمان المال، إذ كان المال في الحدود لا يجب إلاّ مع الشبهة، وحصولُ الشبعة ينفي وجوب القطع. ووجه آخر: وهو أن من أصلنا أن الضمان سَبَبٌ لإيجاب الملك، فلو ضمنّاه لملكه بالأخذ الموجب للضمان فيكون حينئذ مقطوعاً في ملك نفسه وذلك ممتنع، فلما لم يكن لنا سبيل إلى رفع القطع وكان في إيجاب الضمان إسقاطُ القطع، امتنع وجوب الضمان.

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

صفحات مهمة:

ثمن الموقع :

ترتيب الموقع:

تابعنا على تويتر:

عدد زوار الموقع:

جميع الحقوق محفوظة

مدونة بلوجر

2016